روسيا تحاول إبتلاع فنلندا مرتين.. وتُحبط!

في وقت تبدو الحرب الروسية في أوكرانيا مفتوحة الأفق، ومن دون بروز ملامح عاجلة لإغلاق فوهات المدافع وإطفاء شُهب النار، شرعت هذه الحرب أبواب مضاعفاتها لتشمل فنلندا التي طلبت الإنضمام إلى حلف "الناتو"، وهذا الإضطراب في علاقات روسيا بفنلندا ينعش الماضي الدموي بينهما ويستحضر جحيم حربين وقعتا بين الطرفين في القرن العشرين الماضي، وأدتا إلى هزيمة روسيا في الأولى وإلى إخفاقها في الثانية. 

عن فنلندا وروسيا، كتبت صحيفة “المقتبس” الدمشقية (1ـ 6 ـ 1913) حول “فنلندا وعوامل ارتقائها” فقالت “استولت روسيا على فنلندا ثلاث مرات مدة قرن من الزمن، وكان نشأ لروسيا الإمبراطور اسكندر الأول ـ وهو ـ  يحب الحرية، أراد أن يعطي دستورا حرا لأمته، ولكن رأها منحطة لا تنهض به، فارتأى ان يجرب هذا القانون في فنلندا التي كانت خاضعة له، وأصبحت فنلندا مثالا حسنا للإمبراطورية الروسية”.

وبحسب مجلة “المجمع العلمي العربي” السورية (عدد أيلول/سبتمبر 1923) أن “للفنلنديين عناية كبيرة بالعلم وفنون الأدب، فلا تكاد تخلو لهم قرية من مدرسة ابتدائية أو اعدادية”.

 ونشرت مجلة “المقتطف” المصرية ـ اللبنانية في الأول من آذار/ مارس 1926 مقالة بعنوان “انتشار التعليم في فنلندا” فرأت أن “لفنلندا مركز غريب بين دول أوروبا، وإذا نظرنا إلى التعليم وجدناه راقيا جدا، ففي فنلندا ثلاث جامعات ، أكبرها في مدينة هلسنغفور ـ هلسينكي ـ أُسست عام 1640، وفيها 107 مدارس ثانوية، و6 مدارس بحرية، و108 مدارس للفنون والصنائع، و39 مدرسة زراعية، و36 مدرسة لتعليم تربية الماشية، و7 مدارس للعناية بالأحراج والغابات، و6 مدارس لزراعة البساتين، و37 مدرسة تجارية، وكان يُنشر فيها حتى عام 1923 نحو 274 صحيفة باللغة الفنلندية، و96 صحيفة بالأسوجية، و9 صحف باللغتين معا، و5 صحف باللغات الأجنبية”.

في العدد الصادر بتاريخ الأول من كانون الأول/ديسمبر 1939، نشرت مجلة “العرفان” اللبنانية مقالة طويلة عن فنلندا جاء فيها “يمتاز الفنلنديون بنظافتهم وقوة أجسامهم ومهارتهم في الألعاب الرياضية، وهم مستقلون بشخصيتهم يحبون الحرية حبا جما، وقد اشتهروا بإنتظام أعمالهم على خلاف جيرانهم الروس الذين يمقتونهم لإسترخائهم وعدم انتظام حياتهم”.

 وفي الأول من كانون الثاني/يناير 1940، استعرضت مجلة “الرسالة” المصرية أوضاع فنلندا وشؤونها فقالت “بلغت فنلندا شأوا عظيما من المدنية بفضل تنظيم شؤونها الداخلية، والمعيشة هناك أرخص منها في أي بلد آخر في أوروبا، كما أن الحالة الإقتصادية فيها تُعد حالة رخاء”.

لما تألفت الحكومة البلشفية عام 1917 اعتقد البعض أن من مصلحة فنلندا الدخول ضمن الإتحاد السوفياتي، فقامت بذلك حرب أهلية بين الحمر الفنلنديين والبيض من أهل فنلندا بقيادة الماريشال مانرهايم الذي استولى على هلسنكي وطرد البلاشفة

ماذا عن الحربين العالميتين؟

ـ حرب العام 1918: قبل بداية هذه الحرب كتبت صحيفة “الهلال” المصرية (1 ـ 3 ـ 1918) رؤية استشرافية بعنوان “شعوب روسيا وأمانيها” تطرقت فيها إلى علاقة روسيا بالشعوب الخاضعة لسيطرتها ومناطق نفوذها، وذهبت إلى القول:

“إن تلك البلاد الشاسعة الواسعة التي كنا نراها على الخريطة بلون واحد كأنها امة واحدة، هي في الواقع مزيج غير مكتمل الإمتزاج، جمعتها مطامع القياصرة وصروف الزمان بقيد الحكومة المطلقة التي تستمد سلطتها من السماء، كان سكان روسيا قبل الحرب الأولى 178 مليونا، والشعب الروسي الأصلي يُقدرون بستين مليونا، أي نحو ثلث المجموع، وأما الثلثان الآخران من أجناس مختلفة، ومن ذلك الأوكرانيون، وفي الشمال الغربي فنلندة وتمتاز برقيها وتمدن أهلها وحضارتهم، وفي جنوبي فنلندة المقاطعات البلطيقية، وفي روسيا الشرقية والغربية أجناس أسيوية، إن معظم هذه الشعوب خضعت لروسيا مرغمة، وما برحت تترقب الفرص للإستقلال”.

هذه المقالة المبكرة توجز علاقة “المركز الموسكوفي” مع الأطراف التي تسعى لإلتقاط الفرص التاريخية للخروج عن سلطة دوائر الحكم في موسكو، وهذه المساعي ـ الطموحات عرفت شواهد لها في ثلاث مفاصل تاريخية في القرن العشرين المنصرم، بعد سقوط النظام القيصري عام 1917، وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تفكك الإتحاد السوفياتي عام 1991.

بعد انتهاء الحرب الأولى بين الروس والفنلنديين بخمس سنوات، أفردت دورية “المجمع العلمي العربي” السورية (أيلول/سبتمبر 1923) أربع صفحات للتعريف بفنلندا وقالت “إن بقعة فينلنديا تمتد بين الأوقياونس المتجمد شمالا الى بحر البلطيق جنوبا، ومن بلاد الروسية شرقا إلى بلاد أسوج غربا، ويُربى عدد سكانها على ثلاثة ملايين، ودانوا لدولة اسوج عام 1157، في سنة 1809 تقلص فيها ظل دولة أسوج وانقرضت سلطتها منها فخفقت فوقها الأعلام الروسية إلى سنة 1917 حين تأججت في روسيا نار الفتنة وحررت فينلنديا وأهاليها فأنشأ هؤلاء لهم حكومة جمهورية مستقلة تمام الإستقلال”.

وفي استعادة لوقائع الحرب الروسية ـ الفنلندية الأولى كتبت مجلة “الرسالة” القاهرية (28 ـ12 ـ 1939) التالي:

“تخلت السويد عن فنلندا سنة 1808 وأنزل الروس ضروب الإضطهاد بفنلندا، ما غرس بذور الحقد والكراهية في قلوب الفنلنديين، وحاول الروس فرض لغتهم وديانتهم وملاؤوا البلاد بالجواسيس، فهب الفنلنديون للدفاع عن حريتهم وأعلنوا الإضراب عام 1905، وثاروا سنة 1908 وسنة 1910، ورفضوا ان يتجندوا في الجيش الروسي، ولما تألفت الحكومة البلشفية اعتقد البعض أن من مصلحة البلاد الدخول ضمن الإتحاد السوفياتي، فقامت بذلك حرب أهلية بين الحمر الفنلنديين والبيض من أهل فنلندا بقيادة الماريشال مانرهايم الذي استولى على هلسنكي وطرد البلاشفة”.

تلك خلاصة الحرب العالمية الأولى، ماذا عن الحرب العالمية الثانية؟

ـ حرب العام 1939: في هذه الحرب سيقف قارىء الصحف العربية الصادرة في تلك الفترة أمام عنصرين استراتيجين هما:

– أ- التعاون بين ستالين وهتلر: وحيال ذلك لاحظت مجلة “العرفان” في عددها الصادرفي تشرين الأول/أكتوبر 1939 أنه “ما أن فرغت ألمانيا من اكتساح بولندا حتى احتل الجنود الروس القسم الأوكراني منها، وهذه يدل على اتفاقهما على ذلك، وقد استولت روسيا على البلطيق وليتوانيا وتهم اليوم بفنلندا”، وهذا ما رأته أيضا صحيفة “الكرمل الجديد” اللبنانية ـ الفلسطينية (16 ـ 12 ـ1939) إذ حملت صفحتها الأولى تعليقا جاء في تفاصيله ” بدأت تخامرنا الظنون أن الإتفاق الروسي ـ الألماني غير مقصور على اقتحام بولونيا، وما من أحد يعلم على من من الدول الصغرى تقع الضربة بعد بولونيا وفنلندا”.

ونقلت صحيفة “فلسطين” المقدسية عن صحيفة “برلين تيداند” الألمانية (4 ـ 1 ـ 1940) قولها “إن الحكومة الألمانية أرسلت مذكرة إلى السويد تقول فيها إنها لا تستطيع السماح للدول الغربية بمد يد العون إلى فنلندا”، وفي السابع عشر من آذار/مارس 1940خرجت صحيفة “الصراط” اليافاوية بالعنوان التالي “موسوليني يعقد أواصر المودة مع روسيا وجهود هتلر للتوفيق بين ستالين وموسوليني”.

ولم تخرج اسبوعية “السمير” الحيفاوية (17 ـ 3 ـ1940) عن السياق المذكور وأدرجت على صفحتها الخامسة مقالة بعنوان “الصديقان اللدودان” قالت فيها “بينما يكره هتلر ستالين، وينظر بشراهة إلى أراضي روسيا الواسعة، يبادل ستالين تحية صديقه اللدود بأوحش منها ويتطلع بفارغ الصبر إلى ذلك اليوم الذي يتمكن فيه من نشر سمومه في ألمانيا، ومع ذلك فقد اتفق الإثنان على تناسي ما بينهما من خصومة وأحقاد، ليؤلفا حلفا، هو الوحيد من نوعه، نظير الحلف الذي قد يجمع بين القط والفأر”.

إقرأ على موقع 180  سماح إدريس: لبنانيٌّ كما نعرف.. فلسطينيٌّ كما ينبغي

– ب ـ روسيا وقضم جيرانها: هذا التقويم لعلاقة الدولة الروسية بجوراها، تحفل بها عشرات المقالات في الصحف والدوريات العربية في اربعينيات القرن الماضي، ومن أمثلة ذلك ما قالته “الهلال” المصرية (الأول من شباط/فبراير 1940) فقد رأت أن “الزحف الروسي على البحر البلطي ـ بحر البلطيك ـ وعلى البحر الأسود وما وراءه هو سياسة روسيا كائنا من كان ولي الأمر فيها”.

وفي السابع عشر من آذار/مارس 1940، جاء عنوان صحيفة “الدفاع” الفلسطينية على الشكل التالي “الماريشال فوروشيلوف يُحيي أطماع بطرس الأكبر الإستعمارية” ونسبت “الدفاع” إلى خبراء عسكريين قولهم “إن فوروشيلوف هو الذي وضع شروط الصلح مع فنلندا وليس مولوتوف ـ وزير الخارجية السوفياتي ـ فالحدود الجديدة تعيدنا إلى عهد بطرس الأكبر، حيث كان رجال الحرب الروس يعدون للسيطرة على خليج فنلندا”.

انتهت الحرب الروسية ـ الفنلندية الثانية وانتزعت روسيا أجزاء من الأراضي الفنلندية، ولكن ما يثير العجب أن الفنلنديين الذين كانوا يقطنون في تلك الأراضي هجروها ورفضوا العيش تحت مظلة الحُكم الروسي

قبل ذلك، كانت صحيفة “الجزيرة” السورية (6 ـ11 ـ 1939) قد اقتبست مقتطفات من صحيفة “برافدا” الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفياتي حينذاك، تضمنت تهديدات لفنلندا والسويد اعتبرتها الصحيفة “تهديدا روسيا بإكتساح فنلندا” ومن ضمن ما أوردته “أن حكومة فنلندا تنفذ مشيئة سادتها الغربيين، كما أن قادة السويد ينفذون أمر سادتهم الغربيين، فالسويد تعارض إنشاء قاعدة بحرية روسية في خليج فنلندا”.

بالإنتقال إلى وقائع الحرب الروسية ـ الفنلدية الثانية، يلاحظ دقة متابعة الصحافة العربية لتطورات الحرب، من مقدماتها إلى نهايتها، فدورية “العرفان” قالت في عدد تشرين الثاني/نوفمبر 1939 “لم تتفق روسيا حتى الآن مع فنلندا ولا يعلم هل تهاجمها وتبتلعها كما ابتلعت غيرها” وأشارت صحيفة “الدفاع” (24 ـ 11 ـ 1939) إلى أن “فنلنده لا تريد الرضوخ لروسيا” وقبل يوم من وقوع الحرب (30 ـ11 ـ 1939) جاء العنوان الرئيس لـ”الدفاع” كما يلي “روسيا تنقض ميثاق عدم الإعتداء مع فنلندا والخطر يبلغ اقصى مراحله”.

حين وقعت الحرب كان عنوان صحيفة “فلسطين” المقدسية (1 ـ 12 ـ 1939) على هذا الوجه “الجيش الروسي الأحمر يجتاح فنلندا برا وبحرا وجوا دون سابق إنذار”، وفي التاريخ نفسه كتبت مجلة “المجلة الجديدة” المصرية “اختلقت روسيا العلل لكي تغير على فنلندا، فلما كان أول هذا الشهر زحفت على هذه الأمة الصغيرة”.

وتحت عنوان “فنلندا تدافع عن استقلالها” كتبت مجلة “العرفان” في الأول من كانون الأول/ديسمبر 1939 “ها هي فنلندا الأمة الصغيرة، تقف مدافعة عن نفسها امام دولة قوية كبيرة لصد طغيانها، كيف لا يُدهش العالم بشجاعة فنلندا وهي تدافع دفاع الأبطال وترد هجمات الروس، إن شعبا صغيرا لا ترهبه التهديدات الروسية السخيفة فيناضل عن حرية بلاده، ومن كانت هذه صفاته فسيبقى حرا مستقلا إلى الأبد”.

وفي عدد مجلة “الهلال” القاهرية (1 ـ1 ـ1940) تحقيق مصور عنوانه “فنلندا الباسلة” وفيه “ها هي روسيا تبدأ اجتياحها لفنلندا بتأليفها حكومة فنلندية جديدة على حدود فنلندا من الشيوعيين الفنلنديين الذين كانوا فروا منها إلى روسيا وأقاموا فيها”، وكانت صحيفة “الجزيرة العربية” الأردنية (4 ـ 12 ـ 1939) قد ذهبت الى تفصيل هذه الإستراتيجية الروسية بحديثها عن “حكومة فنلندية موالية لروسيا، برئاسة كوسينين، وقد اعترفت الحكومة الروسية بالحكومة الجديدة، وعقدت معها معاهدة تنص على منح روسيا شبه جزيرة فنلندية لإنشاء قواعد بحرية وجوية والإستيلاء على منطقة قرب كاريليا وأخذ 8 جزر في خليج فنلندا”.

وبعد شهر من بداية الحرب علقت مجلة “العرفان” اللبنانية (1 ـ12 ـ 1939) قائلة “عجز الجيش الأحمر عن إتيان أي عمل في فنلندة، ارتد مهزوما خائبا، حتى أن قواد الحملة أعدموا لأن الفشل نُسب لهم، ألا فإعجبوا ان 190 مليونا يغزون أقل من أربعة ملايين، فيرتدون عنهم مدحورين، وهذه أمثولة صالحة ليعلم القوي المتغطرس أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه”.

ويظهر من عناوين ومقالات صحف تلك الفترة، أن مقاومة فنلندية عنيفة واجهت الإجتياح الروسي، ومن نماذجها:

ـ صحيفة “فلسطين” (26 ـ12 ـ 1939) المقدسية “الفنلنديون يقتحمون الأراضي الروسية” و”الفنلنديون يتوغلون في أراضي روسيا” (31 ـ 12 ـ 1939).

ـ صحيفة “الصراط” (17 ـ1ـ1940) اليافاوية “2000 قنبلة على فنلندا وإسقاط 18 طائرة روسية”.

ـ صحيفة “الجزيرة” (4 ـ 1 ـ 1940) الأردنية “المقلاع السري الذي يصطاد به الفنلنديون الجنود الروس”.

وعلى ما بدا لاحقا أن تطورات الحرب ومجرياتها، ما كانت لتندرج في صالح فنلندا بالمطلق ولا هي دخلت في حسابات الأرباح الروسية الصافية، ولذلك استقرت نهاية الحرب على حلول وسطى مضمونها ألا تعود فنلندا إلى دائرة السطوة الروسية مثلما كانت قبل عام 1918 مقابل التنازل عن أراض كانت منحتها حكومة الأقلية الشيوعية التي أنشأتها روسيا على حدود فنلندا.

انتهت الحرب الروسية ـ الفنلندية الثانية وانتزعت روسيا أجزاء من الأراضي الفنلندية، ولكن ما يثير العجب أن الفنلنديين الذين كانوا يقطنون في تلك الأراضي هجروها ورفضوا العيش تحت مظلة الحُكم الروسي، وحول ذلك هاتان المفارقتان:

ـ في 16 ـ 3 ـ 1940، كتبت صحيفة “الدفاع” أن قطارات الحدود “ازدحمت بالأهالي الذين نزحوا من الأراضي التي سُلمت لروسيا، ولن يزيد عدد الذين يرغبون في البقاء هناك عن الواحد في المائة”.

ـ في 24 ـ 3 ـ 1940، قالت “الدفاع” أيضاً “حُفظت الغنائم التي استولى عليها الفنلنديون خلال مدة الحرب في معرض هلسنكي، وعُثر على صور كثيرة لستالين ومولوتوف، تدل على أن السوفيات كانوا يعتقدون أن البلاد سترحب بهم إذا ما وصلت جيوشهم الحدود”.

ما أشبه أمس فنلندا بيوم أوكرانيا.

وعلى ذلك؛ هل يكون غد فنلندا شبيها بأمسها؟

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180   "تصدرنت" في العراق.. الزرفي أم تعويم عبد المهدي؟