الإقتصاد العالمي نحو أزمة غير مسبوقة منذ 50 عاماً

لا يمكن للمنطقة العربية أن تكون بمنأى عن الحرب الأوكرانية، بل ربما تكون أكثر تضرراً من غيرها بحكم تبعيتها الغذائية وبالأخص وارداتها من القمح والذرة والزيوت النباتية.. فالبلدان العربية ستتأثر من ناحيتين، الأولى، تراجع الاقتصاد العالمي؛ الثانية، التداعيات السلبية المباشرة ولا سيما لجهة فقدان المواد الغذائية الأولية أو تأثر بعض القطاعات مثل السياحة.

هذا النص مخصص لعرض وجهة نظر الخبير الاقتصادي والاستاذ الجامعي الجزائري الدكتور احمين شفير بشأن التداعيات السلبية للنزاع الأوكراني على الاقتصاد العالمي والعربي:

1. تراجع معدلات نمو الاقتصاد العالمي من 5.9% سنة 2021 إلى 4.4% سنة 2022 ليبلغ سنة 2023 نسبة 3.8%، وهو ما من شأنه أن يزعزع ثقة المستثمرين والمستهلكين في النشاط الاقتصاد العالمي، وسط ارتفاع تكاليف أسعار السلع الاساسية ومنها الطاقة والغذاء، وارتفاع التكاليف المعيشية للأسر وازدياد مخاطر الفقر والجوع في العالم.

2. بالاضافة الى ارتفاع أسعار كل المواد الأولية (النحاس، الألمنيوم والفحم) ستعرف أسعار الطاقة ارتفاعا غير مسبوق الأمر الذي لا يخلو من آثار مباشرة على مستوى التضخم العالمي وظروف معيشة الأسر وعلى مستويات الفقر والجوع في العالم. فعلى أثر هذا النزاع، عرفت أسعار النفط ارتفاعاً قوياً حيث صعدت أسعار خام برنت لأعلى مستوياتها منذ عام 2008، لتسجل قرابة 130 دولارًا للبرميل في الأسبوع الثاني من آذار/مارس 2022، وبرغم تراجعه لاحقاً، إلا أنه من المحتمل، حسب معظم التوقعات، أن يرتفع إلى 150 وربما يصل إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر النزاع ولم نشهد أية إنفراجات. ويرى شفير انه بغية الحفاظ على أسعار معقولة، من المرجح أن تزيد الولايات المتحدة وأوروبا ضغطها على البلدان المنتجة للنفط (بالأخص البلدان العربية وهذه هي وظيفة زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى جدة منتصف هذا الشهر) لرفع الإنتاج النفطي العالمي.

كما عرفت أسعار الغاز الطبيعي، بدورها قفزة كبيرة، اذ ارتفعت بمقدار  37.6% منذ بداية النزاع مع تنامي المخاوف وعدم اليقين بشأن مستقبل إمدادات الغاز الروسية عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق الأوروبية علما أن متوسط الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي تمثل 25.3%، من إجمالي ما تستورده أوروبا. وفي العام 2021، زوّدت روسيا الاتّحاد الأوروبي وبريطانيا 32 بالمئة من إجمالي وارداتهما من الغاز، مقارنة بـ25 بالمئة في 2009، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، لكنّ هذه النسبة تختلف اختلافاً كبيراً بين دولة وأخرى.

وفي حال استمرار هذا النزاع، قد تشهد أسعار الغاز موجة جديدة من الارتفاعات، خاصة مع زيادة إقبال المستهلكين الاوروبيين على شراء المزيد من شحنات الغاز الطبيعي المُسال من السوق الفوري، لضمان تأمين مخزونات كافية. مع العلم أن هذا النوع من الغاز لا يمكن أن يعوض في المدى القصير الغاز الطبيعي بالنظر لضعف البنية التحتية لانتاجه ونقله.

3. منذ بداية النزاع الروسي-الاوكرني، شهدت أسعار القمح ارتفاعاً حاداً بنسبة بلغت 40% لتصل إلى 396 دولارًا للطن (لاحقاً وصل سعر الطن إلى ما يزيد على 450 دولارا)، وهو أعلى مستوى منذ 14 عاماً علما أن صادرات روسيا وأوكرانيا من القمح بلغت سنة 2021 ما نسبته 18% و 5.25% فيما ارتفعت أسعار الذرة بنسبة تزيد عن 21% نتيجة تعطل حركة الصادرات الزراعية من أوكرانيا التي تمثل 13.4% من الصادرات العالمية من الذرة.

تراجع معدلات النمو العالمية وانكماش الاقتصاد العالمي، بالاضافة إلى الارتفاع الخطير في الاسعار، سيرفع مخاطر حدوث ركود تضخمي في العالم، على غرار ما حدث في منتصف سبعينيات القرن العشرين، وهو ما سيوقع أصحاب القرار الاقتصادي في أزمة حقيقية للخيار بين السياسات التوسعية والسياسات النقدية الصارمة، التي ستؤدي في كلتا الحالتين إلى تفاقم الازمة الاقتصادية العالمية

4. أدى الحظر الجوي على الطيران الروسي وتوقف الرحلات الى روسيا وأوكرانيا، إلى تراجع نشاط الملاحة الجوية وارتفاع تكاليف الرحلات. كما أن الرحلات السياحية من وإلى كل من روسيا وأوكرانيا مع سائر العالم قد أدى إلى تراجع كبير للنشاط السياحي العالمي، الأمر الذي تسبب في اغلاق العديد من الشركات السياحية وتراجع مداخيل السياحة في عدد كبير من الدول بما فيها روسيا وأوكرانيا.

5. أزمة سلاسل الامداد والتوريد العالمية في المنطقة: لقد صنفت منطقة النزاع كمنطقة مرتفعة الخطورة بداية من شهر آذار/مارس 2022، مما أدى إلى رفع أقساط التأمين المطلوبة لشحن البضائع، وتأخر الشحنات، وازدحام الموانئ، فضلاً عن تعطيل خطوط إنتاج السيارات بسبب ارتفاع مخاطر نقص الرقائق بين شركات صناعة السيارات في روسيا، حيث تعتبر الاخيرة ثالث أكبر مورّد في العالم للنيكل المُستخدم في صناعة بطاريات الليثيوم بـ22.05% من الصادرات العالمية، كما توفر للعالم 23% من البالديوم، 18% من الفحم الحجري، و14% من البالتين، و10% من الالمنيوم، في حين يأتي 90% من مواد النيون المطلوبة لصناعة أشباك المواصلات من أوكرانيا، الأمر الذي يضيف المزيد من العراقيل أمام سلاسل التوريد واحتمال ارتفاع أسعار كل هذه المواد.

6. أدى النزاع في المنطقة إلى تعطل النقل في البحر الأسود وبحر البلطيق، وإلى ارتفاع أسعار الشحن البحري بحوالي 6 أضعاف في عام 2022 مقارنة بعام 2019، وزيادة أسعار تأجير السفن بنسب تخطت 20%، عدا عن ارتفاع الرسوم المُقررة لكافة الخدمات المرتبطة بسوق النقل البحري، وارتفاع وقود النقل البحري المرتبط بأسعار النفط؛ الأمر الذي إنعكس زيادة في أسعار البضائع عالمياً، ومن شأنه أن يساهم في تغذية الدوامة التضخمية.

إقرأ على موقع 180  تكامل "الأخوة الأعداء" في الخليج.. مطلب أميركي ـ إسرائيلي!

7. اضطراب أسواق المال: عرفت أسواق المال العالمية، إثر هذا النزاع، اضطراباً حاداً في ظل موجات بيع الاسهم العالمية وعزوف المستثمرين عن شراء الاسهم، بالاضافة إلى الانخفاض الواسع النطاق في اسعار السندات. كما يتوقع تباطؤ وتيرة حركة رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات الاجنبية المباشرة، وانخفاض أسعار العملات، واحتمال ارتفاع معدلات الفوائد.

8. ستضيف تداعيات الحرب أعباءً أخرى أمام الاقتصاد العالمي، خاصة مع تزايد أعداد اللاجئين الاوكرانيين للدول الاوروبية المجاورة، والتوقعات بزيادة حجم الانفاق العسكري خاصة لدول أوروبا، وهو ما سيؤدي إلى زيادة العجز في الموازنات العامة للدول واحتمال ارتفاع الدين العام مما يؤدي إلى اختلال الموازين المالية والاقتصادية الكلية. من جهة أخرى، سيؤدي تسريع وتيرة استخدام العمالة الرقمية إلى احتمال تصاعد الهجمات الالكترونية في العالم.

9. تراجع معدلات النمو العالمية وانكماش الاقتصاد العالمي، بالاضافة إلى الارتفاع الخطير في الاسعار، سيرفع مخاطر حدوث ركود تضخمي في العالم، على غرار ما حدث في منتصف سبعينيات القرن العشرين، وهو ما سيوقع أصحاب القرار الاقتصادي في أزمة حقيقية للخيار بين السياسات التوسعية والسياسات النقدية الصارمة، التي ستؤدي في كلتا الحالتين إلى تفاقم الازمة الاقتصادية العالمية.

10. ربطًا بالمعطيات أعلاه فإن الخطر الكبير الذي يتهدد العالم اليوم هو المجاعة، فبحسب تقرير منظمة التغذية العالمية لسنة 2021، هناك نحو 3 مليار انسان في العالم يعانون من نقص التغذية بسبب انخفاض مداخيلهم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقوية. ويشير التقرير إلى احتمال تفاقم الوضع بفعل تداعيات جائحة “كورونا”، والأكيد أن النزاع الروسي-الأوكراني سيزيد من حدة المجاعة في العالم، ليس بفعل العوامل المذكورة أعلاه فقط، بل كذلك بسبب تراجع حجم المساعدات الدولية وبالأخص برنامج التغذية العالمي الذي هو مرتبط في تموينه بالقمحين الروسي والأوكراني.

فإذا كانت هذه التداعيات التي تصيب الاقتصاد العالمي بصفة عامة فما بالكم بآثارها المباشرة على الوطن العربي الذي تعيش غالبية بلدانه حالة من عدم التوازن في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فضلا عن الاضطرابات الامنية والشعبية العامة في العديد من بلدانه.

أحمين شفير: “لا بد من قراءة جديدة لمفهوم الأمن الذي تسعى الدول لتحقيقه، وعدم اقتصاره على الأمن الدفاعي/العسكري فقط. فتحقيق الأمن اليوم، كهدف استراتيجي، يجب أن يتوسع ليشمل الأمن الغذائي والأمن الطاقوي والأمن الصحي وكذا الأمن البيئي”

ما يزيد الطين بلة عربياً هو تأثير الحرب المذكورة على الامن الغذائي العربي إذ ان البلدان العربية في شمال افريقيا والشرق الاوسط اكثر عرضة لخطر أزمة الامن الغذائي، بالنظر الى إرتفاع الأسعار وإنقطاع سلاسل الإمداد والتوريد، فضلاً عن القيود الطبيعية التي تعرفها، وكذلك تبعيتها الغذائية سواء لروسيا أو لاوكرانيا أو سائر العالم، وستتضرر بعض الدول العربية نظرًا لارتباط وارداتها من القمح من البلدين المتنازعين، وهذا يعني انها ستتأثر لجهة تأمين القمح ولجهة ارتفاع اسعاره الامر الذي سيكلف الخزينة العمومية لهذه البلدان نفقات اضافية ستؤدي لتفاقم دينها العام وارتفاع عجزها المالي مما ينذر باضطرابات قد تكون خطيرة على استقرارها وأمنها.

هذا الواقع قد يكون وقعه أخف على البلدان العربية الريعية التي ستتمكن من ضمان وفرة المواد الغذائية بفعل ارتفاع مداخيلها من صادرات النفط والغاز، لكنها ستبقى دائما مرتبطة بالخارج سواء من ناحية الصادرات أو الواردات.

ويختم شفير دراسته بالقول إن تضافر كل هذه التداعيات، زيادة على عامل النمو الديموغرافي وعامل الجفاف العالمي، وغياب السياسات الاقتصادية والإجتماعية البعيدة المدى، قد يؤدي إلى تأزم أكبر في وضع الاقتصاديات العربية وإلى حدوث اضطرابات شبيهة بتلك التي عرفتها تلك البلدان في حقبة “الربيع العربي”.

لكن وككل أزمة، هي فرصة للبلدان العربية لاعادة النظر في سياستها الاقتصادية باعتماد خطط استراتيجية بعيدة المدى فردية وجماعية (في إطار تكاملي) تستهدف:

– ضمان الامن الغذائي.

– تنويع مصادر الامداد والتوريد.

– تنويع الاقتصاد وبناء اقتصاديات منتجة ركيزتها التصنيع من منظور الثورة التكنولوجية والرقمية الجارية.

– تدعيم منظومة الحماية الاجتماعية والمنظومة الصحية.

وعلى المدى البعيد، يختم شفير، “لا بد من قراءة جديدة لمفهوم الأمن الذي تسعى الدول لتحقيقه، وعدم اقتصاره على الأمن الدفاعي/العسكري فقط. فتحقيق الأمن اليوم، كهدف استراتيجي، يجب أن يتوسع ليشمل الأمن الغذائي والأمن الطاقوي والأمن الصحي وكذا الأمن البيئي”.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  بوتين ما بعد الدونباس.. أوروبا ما بعد الحرب!