“ثورة الحجاب”.. إسقاط التكفير الديني (1)

اسمعوا ما قالته مرّةً المناضلة الشيوعيّة سهى بشارة. كانت سهى تردّ على صحافي سألها عن نوع التعذيب الذي عانته في معتقل الخيام. فأجابته بثقة: "لا تُقارَن عذاباتي بعذابات رفيقتي في الزنزانة! رأيتها تتلوّى من الوجع، والجلاّد ينزع عنها حجابها عنوةً". كان نزع الحجاب بالقوّة أداة فعليّة للمستعمِر لقهر المرأة المسلمة. فكيف يمكن توصيف فرضه عليها بالقوّة اليوم، وبعد زوال الاستعمار؟ 

يكفي أن “تغوغل”، في هذه الأيّام، كلمة “حجاب” ليتدفّق سيل المنشورات. صحافيّون ومفكّرون ورجال دين ومواطنون عاديّون يقاربون موضوع الحجاب من مداخل متعدّدة. يشرحون. يفسّرون. يحلّلون أو ينتقدون هذه الظاهرة. ما لها وما عليها. ومن خلال كتاباتهم، يمكن للمرء أن يستنتج كم إنّ قضيّة المرأة، عموماً، والمُحجَّبة، خصوصاً، لا تزال مسألةً إشكاليّة وجدليّة في بلاد الإسلام وخارجها. ويلاحظ بسهولةٍ، أيضاً، علاقة التفاعل المستمرّ بين الحجاب كرمزٍ ديني. وبين المحيط السياسي والاجتماعي الذي يتمّ ارتداؤه فيه.

فالحجاب كان ولا يزال، أبرز مؤشّرات التديّن عبر التاريخ الإسلامي. وأحد مظاهر حضور حركات الإسلام السياسي، في المجال العامّ. فعبره، تُظهَّر صورةً “للخارج”، عن اتّساع وقوّة وجود الإسلاميّين ونفوذهم حيثما يوجَدون. والجدل الديني بشأن الحجاب قديمٌ متجدّد. يغيب ويحضر عبر موجاتٍ متواترة. لا تكاد تنتهي واحدةٌ، حتّى تبدأ أخرى. ومع كلّ موجة، تتعدّد الأطراف المشاركة في هذا الجدل. وتختلف. وتتباين الحجج الباحثة عن أدلّةٍ فقهيّة تُلزِم المرأة المسلمة بالحجاب. وتمنح السلطة الدينيّة شرعيّة مكافحة سفورها. ويذهب بعض المحاججين بعيداً، ليثبتوا أنْ ليس للحجاب أيّ أساسٍ ديني. هم يستندون، بخاصّة، إلى اجتهادٍ للإمام محمّد عبده يقول فيه: “ليس في الشريعة نصٌّ يوجب الحجاب (على هذه الطريقة المعهودة). وإنّما هي عادةٌ عُرِضت عليهم من مخالطة بعض الأمم. فاستحسنوها وأخذوا بها. وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين. مثلها مثل سائر العادات الضارّة التي تمكّنت في الناس باسم الدين، والدين منها براء”.

طبعاً، لا يريد السواد الأعظم من رجال الدين المسلمين أن يسمعوا بمقولة الإمام محمد عبده. ولا بما نبّههم إليه الرسول، حتّى، عندما أكّد لهم بالفم الملآن أنْ “لا كهانة في الإسلام”. فبقي مئات الألوف من الدُعاة والمشتغلين بالفقه والإفتاء، المنتشرين في مجتمعات المسلمين، ينشطون على هواهم. فهدروا السنين والعصور لكي يُفهِموا “خيرَ أمّةٍ أُخرِجَت للناس”، أنّ “الإيمان” هو “التديُّن” بعينه. نعم. لقد تفرّغوا، طوال الحقب، لتطويع هذه الأمّة كي تُذعن للسلطة الدينيّة. وبشكلٍ مطلق. وكي تنقاد وراء سلطتهم. وأن تنادي بهم مرجعيّةً لكلّ نشاطات المسلمين في الحياة. وجميع سلوكيّاتهم. في كبائر الأمور وصغائرها. بات شغلهم الشاغل، إعمال مفهوميْ الحلال والحرام في كلّ تفصيلٍ حياتي.

يُحلّلون أو يُحرّمون، وبالمستوى ذاته، مقاومة الأعداء. أو التصدّي للكفّار والظَلَمة. أو ولوج المسجد بالقدم اليمنى أو اليسرى. أو ما يجوز أو لا يجوز في النكاح. أو طول الجلباب. وشكل اللحية. وطريقة استخدام المرحاض.. وهكذا. ويحتلّ موضوع الحجاب حيّزاً مهولاً في كلامهم. وفتاويهم. كيف لا، وهم يعتبرونه رمزاً من رموز الأخلاقيّة الإسلاميّة السليمة. لكنّهم يقاربونه تبعاً للصراع المندلع (الدائم؟) حول نمط التديّن الذي يجب أن يسود. داخل هذا البلد الإسلامي أو ذاك. أو الذي يجب أن يُصَدَّر إلى الخارج.

بدل أن يكون ارتداء الحجاب (أو عدمه) خياراً شخصيّاً محضاً. وحقّاً من حقوق الإنسان في التزيّي بما يريد. أضحى، للأسف، سلاحاً في يد رجال الدين. للدفاع عن الإيمان والهويّة وتماسك العائلة. وصارت “نعمة الحجاب” رسالة المسلمين في هذه الدنيا. رمزاً لحضارتهم. وعنواناً لنسقهم الأخلاقي!

لكن، كان أخطر ما في هذا الصراع، هو استشراس أطرافه بوجه الطرف الأضعف فيه: المرأة. فالسلطة الدينيّة (لا الشريعة) ربطت الحجاب بثقافة تُقرِن الجنس البشري بالعيب والدنس. وأقامت مفهوم الحجاب على أرضيّةٍ ترى إلى مظهر الأنثى كنقطة ارتكازٍ لتقييم جسدها. وتقييده. كونه عَوْرة يتحتّم تغطيتها. لذا، “خُصَّت” المرأة المسلمة بالاحتجاب. وبترك إبداء الزينة والتبرّج. بحيث يجب، في حقّها، الاستتار باللباس والبيوت. أي، ما لا يجب في حقّ الرجل! لماذا الإلحاح على هذا الاحتجاب؟ لأنّ سفور المرأة يمكن أن يتسبّب بالفتنة. لكونه يثير شهوة الرجال. ويوقِعهم في الغواية. ويعرّضهم لخطر الضلال والرذيلة. ويصرفهم، وهذا هو الأهمّ، عن التقوى والعفّة.

إذاً، تحجيب المرأة هو ظاهرة دينيّة مقترنة بذهنيّةٍ ذكوريّةٍ بحتة. ذهنيّة، تختصر النساء في أدوارٍ معيّنة. غالباً ما ترتبط بالفضاء الخاصّ. وتختزل العلاقة الإنسانيّة، بين الرجل والمرأة، بمجرّد علاقةٍ جنسانيّة. تُضخَّم وتؤطَّر ضمن الغايات الذكوريّة. ما يُسفر عن حالةٍ مستفحلة من “الرهاب العلائقي” بين الجنسيْن. وينتج عنه كذلك، نظامٌ سلوكي غايته المبدئيّة هي الخير العامّ ونصرة الدين واحترام شريعته. أمّا غايته الحقيقيّة، فهي تجريد المرأة من إنسانيّتها عبر اضطهادٍ ديني – ذكوري لجسدها. فجسد المرأة هو، للإشارة، جسدٌ اجتماعي. ومن هذا المنطلق، يُعَدّ مدخلاً لفهم الحجاب الذي هو جزءٌ من النظرة الاجتماعيّة المبتورة التي تصنّف النساء كمواطناتٍ من درجةٍ ثانية. وبعد؟

بدل أن يكون ارتداء الحجاب (أو عدمه) خياراً شخصيّاً محضاً. وحقّاً من حقوق الإنسان في التزيّي بما يريد. أضحى، للأسف، سلاحاً في يد رجال الدين. للدفاع عن الإيمان والهويّة وتماسك العائلة. وصارت “نعمة الحجاب” رسالة المسلمين في هذه الدنيا. رمزاً لحضارتهم. وعنواناً لنسقهم الأخلاقي! وعليه، بإمكانكم، يا أصدقاء، أن تتخيّلوا “الثمن” الذي تدفعه الأنثى (في بلداننا) حين تقرّر أن تخلع حجابها. وأن تسير عكس التيّار حمايةً لحقّها البديهي في اختيار هيئتها. وأن تواجه القمع المتعدّد الجهات كي ينبض قلبها على إيقاع قلب عصرها.

إقرأ على موقع 180  المُسيّرات لاعب غير رسمي في الشرق الأوسط!

هكذا نبض قلب الشابّة الإيرانيّة مهسا أميني، قبل أن يتوقّف عن الخفقان للأبد. فلقد قتلتْها خصلاتُ شعرها الأسود عندما لاحت، لمطاوعجيّي النظام الإيراني، من تحت حجابها “غير اللائق”. وحوالى الساعة السادسة من مساء ذاك الجمعة، في السادس عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، اعتقلتها دوريّة لـ “شرطة الإرشاد” قرب محطة مترو “الشهيد حقاني” في طهران، حيث كانت تقف برفقة أخيها. حجّة اعتقالها، أنّها خالفت قانوناً عمره أربعة عقود. يفرض زيّاً موحّداً على نساء الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. قاومت مهسا أميني عمليّة اعتقالها. فأطلقوا عليها الغاز المسيّل للدموع. وروى شهودٌ عيان أنّ الهراوات انهالت عليها داخل سيّارة الشرطة. وبعد ساعتيْن تقريباً، نُقِلت مهسا “شبه ميتة” إلى “مشفى قصري”. وقيل، إنّها دخلت هناك في غيبوبة جرّاء تلفٍ شديد في دماغها.

ثلاثة أيّام دام صراع مهسا مع الموت الذي أرجعته السلطات إلى “قصور مفاجئ في القلب أثناء انتظارها مع نساء أخريات في مركز الشرطة كي يتمّ تهذيبهنّ وتثقيفهنّ بقواعد الحجاب”. ماتت مهسا أميني قبل أن تُكمِل عامها الـ23، بستّة أيّام. وقبل أن تباشر سنتها الجامعيّة، بأسبوعيْن. لقد غادرت مدينتها سقز (في شمال غرب البلاد) باتجاه طهران، على أمل التمتّع بإجازتها الأخيرة. كانت تنوي التخصّص في “علم الأحياء”، يقول والدها وهو ينتحب. وتحلم بأن تصبح طبيبة.

مع الإعلان عن وفاة مهسا أميني، انفجر الغضب الشعبي في الشارع الإيراني. ووصلت الاحتجاجات المتواصلة حتّى اللحظة، إلى ثمانين مدينة وبلدة. سقط في المواجهات عشرات القتلى والجرحى. وبالتزامن، انتشرت فيديوهات لنساءٍ تحلقْنَ شعورهنّ وأخريات تخلعْنَ الحجاب وتلوّحْنَ به أو ترمينَه في النيران التي أُشعِلَت في الطرقات العامّة. وهتفت الجموع في طهران تطالب بإعادة النظر في القوانين التي تفرض الحجاب. وتصرخ “لا للحجاب، نعم للحريّة والمساواة”.

إلى أين يمكن أن تأخذ “ثورة الحجاب” إيران ونظامها وشعبها، في القادم من الأيّام؟ هل يمكن لنظام في العالم أن يهزم الحرية بالقوة؟ إقتضى السؤال.

(غداً الجزء الثاني والأخير: حجاب مهسا أميني يكشف “عورة” النظام الإيراني).

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "بيروتيانكا" بعين أوكرانية.. قبل المأساة وبعدها