التراث السنّي التقليدي.. وإلزامية الإجتهاد (6)

عندما يُصدّح شيخٌ من مشايخ أهل السنّة في يومنا هذا أنّ باب الإجتهاد مغلقٌ أو أنّ لا إجتهاد مع وجود النصّ، فهو يفعل ذلك لأغراض ونوايا (معظمها سياسي وبعضها خبيث)، وليس لأنّ التراث السنّي يمنعه من الإجتهاد.

أعود في هذه المقالة إلى موضوع الإجتهاد في التراث السنّي التقليدي، والذي يُعتقد خطأً أنّ بابه أُغلق في القرن التاسع. ليس فقط أنّ العلماء والفقهاء السنّة التقليديّين مارسوا الإجتهاد بطرق مختلفة؛ الأهمّ أنّ استمراريّة واستخدام الإجتهاد يدلّان على الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه في التراث والفكر السنّي، إن لم نقل أيضاً بأنّ الإجتهاد يعتمد في جوهره على الرأي (أو العقل) كمُكمّل للنصّ (وهو موضوع عالجته في المقالة السابقة).

من دون شكّ، شهد مضمار الفكر الديني في التراث السنّي الكلاسيكي نقاشات كثيرة حول الإجتهاد ودوره وحدوده. وكانت هناك أصوات تطالب بإغلاقه، كما نجد مثلاً عند الصنعاني (ت. 1768) – جمع بين بعض أفكار المذهب الشيعي الزيديّ والمذاهب السنّيّة الفقهيّة – الذي يستعرض لنا بعض هذه المواقف في كتابه “إرشاد النقّاد إلى تيسير الإجتهاد” ويدحضها.

لكن الملفت للإنتباه أنّ معظم فقهاء أهل السنّة مارسوا الإجتهاد ودافعوا عنه. يقول مثلاً الفقيه الحنبلي ابن قدامة (ت. 1223) في كتابه “رَوضة الناظر وجَنّة المُناظر” أنّ الإجتهاد “مخصوص ببذل المجهود في العلم بأحكام الشرع”، وأنّ المجتهد عليه “أن يبذل الوسع في الطلب إلى أنّ يحسّ في نفسه بالعجز عن مزيد طلب”. نستنتج من هذا (ومن القسم الذي خصّصه ابن قدامة لموضوع الإجتهاد) أنّه لم يعتبر فقط أنّ الإجتهاد أمرٌ أساسيٌ وضروريٌ ويجب أن يستمر، بل أصرّ أنّ العَالِم (بعكس العامّي من الناس) مجبورٌ على الإجتهاد والبحث والطلب وفقاً لقدراته العقليّة والعلميّة حتّى يصل إلى مكان يستنفذها كاملةً، فيتوقّف ويعطي رأياً في مسألة فقهيّة.

ولكي نفهم حجم إعتماد الإجتهاد على رأي المجتهد (بعكس الإعتماد الأعمى على النصّ من دون البحث والتحرّي العقلي)، علينا أن ننظر في الشروط التي، برأي ابن قدامة، يجب أن تتوفّر في المجتهد لكي يقوم بعمله. أهمّ شرط من هذه الشروط هو معرفة مصادر الإجتهاد، وهي: “الكتاب، السنّة، الإجماع، استصحاب الحال والقياس التابع لها، وما يُعتبر في الحكم في الجملة وتقديم ما يجب تقديمه منها”.

والمثير للإنتباه هنا أنّ المصادر يمكن تصنيفها إلى “نصوص”، وهي القرآن والسنّة النبويّة؛ و”آراء” كإجماع العلماء (وهذا عادةً يعني الصحابة والتابعين وبعض من جاء من بعدهم من المقبولين في التراث السنّي التقليدي)؛ واستصحاب الحال (وهذا يعني تقدير استمراريّة قانون من فترة سابقة إذا لم يجد المجتهد أي دليل على ضرورة تغييره)؛ والقياس (وهو تقييم تطبيق حكم في موضوع – يُعتبر الأصل – على أمر يعتبره المجتهد أنّ له ما يجمعه بالأصل)، إلخ.

لكلّ فرقة في التراث السنّي مصادرها ومناهجها ووسائلها ونظريّاتها التي على أساسها يعمل المجتهد، كما في أي علم معاصر (إن كانت الفلسفة، أو علم الإجتماع، أو الرياضيّات والفيزياء، إلخ.). وهذا الإستعراض الوجيز للإجتهاد في التراث السنّي التقليدي يُبيّن أنّه من دونه، لن تقوم قيامة لا للإسلام ولا للمسلمين

لكن ما يفاجئنا في ما يقوله ابن قدامة أنّ حفظ الأحكام الواردة في القرآن (يُقدّرها ابن قدامة بخمسمائة آية) ليس من شروط الإجتهاد. كل ما على المجتهد أن يعرفه هو كيفيّة البحث عن هذه الآيات وأين يجدها وتحرّي المنسوخ منها وغير المنسوخ (لكي لا يأخذ في مداولاته بالمنسوخ منها والذي يعني سقوط حكم الآية). الشيء نفسه يتعلّق بالحديث النبوي والإجماع. لكنّه يصرّ على ضرورة معرفة النحو واللغة. إذاً، المجتهد ليس ببغاء يحفظ النصّ ويُردّده من دون عقل أو نظر.

وهناك نقطتان هامتان يذكرهما ابن قدامة. الأولى، هي “تفاريع الفقه، فلا حاجة إليها لأنّها ممّا ولَّدها المجتهدون”. بمعنى آخر، يوضّح ابن قدامة أنّه ممنوع على المجتهد في مواضيع هو قادر أن يجتهد فيها أن يأخذ بآراء غيره من المجتهدين أو يقلّدهم (كما يفعل العامّي من الناس)، بل واجبه أن يتحرّى بنفسه ويثبت الأمور بالأدلّة والقرائن النصيّة والعقليّة.

والنقطة الثانية هي أنّه ليس “من شرط الإجتهاد في مسألة بلوغ رتبة الإجتهاد في جميع المسائل. بل متى علم (المجتهد) أدلّة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها، فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها”. وهذا يعني أنّه ليس على المجتهد أن يكون عالماً بكامل الفقه، بل فقط في المسألة التي يتحرّى عنها.

نستخلص من كلام ابن قدامة أنّه ليس على العالم أن يكون خارقاً للعادة أو بشريّاً لم ترَ البطحاء مثيلاً له لكي يمارس الإجتهاد. كل ما في الأمر هو أنّ من له باع في موضوع معيّن فهو إذاً قادر، بل مجبر، على ممارسة الإجتهاد في ذلك الموضوع وليس له أن يُقلّد غيره من العلماء، مهما علا شأنهم.

إقرأ على موقع 180  الصحوة الإسلامية تؤثر في العلاقات الدولية منذ مطلع السبعينيات

ونجد ما يوافق ذلك عند فخر الدين الرازي (ت. 1210) – المنسوب إلى المذهب الشافعي في الفقه، والمذهب الأشعري في الكلام – أنّه “يجوز أن تحصل صفة الإجتهاد في فنّ دون فنّ، بل في مسألة دون مسألة”. لذلك من “عرف ما ورد من الآيات والسنن والإجماع والقياس” في مسألته، “وجب أن يتمكن من الإجتهاد”، ويضيف الرازي “أنّ الله تعالى وضع على هذه المطالب أدلّة قاطعة ومكّن العقلاء من معرفتها”، أي التحرّي من أجل معرفتها، إذ لو كانت معروفة للجميع، لما كان هناك من دور للعقلاء. وأقلّ ما يمكن أن نقوله هنا هو أنّ التحري يتطلّب إدخال الرأي والعقل على النصّ.

وقبل الختام، ثمة قول لأهمّ المفكرين السنّة التقليديّين، وهو أبو محمّد البغوي (ت. 1122) – المنسوب عادةً إلى المذهب الشافعي في الفقه – في كتابه “التهذيب في فقه الإمام الشافعي” جاء فيه أنّ “طلب العلم فريضة”، ويضيف أنّ الفرائض تنقسم إلى:

“فرض عين وفرض كفاية. ففرض العين هو أنّه يجب على كل مكلّفٍ معرفة علم ما هو مأمور به من العبادات وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الإجتهاد ومحلّ الفتوى والقضاء ويخرج من عداد المقلّدين. فعلى كافّة الناس القيام بتعلمه، غير أنّه إذا قام من كل ناحية واحد أو إثنان أو عدد تقع بهم الكفاية بتعلّمه، سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكلّ عن تعلمه عصوا جميعاً بما فيه من تعطيل أحكام الشرع”.

من دون شكّ، لكلّ فرقة في التراث السنّي مصادرها ومناهجها ووسائلها ونظريّاتها التي على أساسها يعمل المجتهد، كما في أي علم معاصر (إن كانت الفلسفة، أو علم الإجتماع، أو الرياضيّات والفيزياء، إلخ.). وهذا الإستعراض الوجيز للإجتهاد في التراث السنّي التقليدي يُبيّن أنّه من دونه، لن تقوم قيامة لا للإسلام ولا للمسلمين.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  تشومسكي: ترامب أسوأ مجرم في تاريخ البشرية