كأس إيران الذي فاض داخلياً في “المونديال”!

عشرات آلاف الوجوه تشخص نحو أحد عشر لاعبًا إيرانيا في ستاد أحمد بن علي بالدوحة، وهم يستعدون لمباراتهم الثانية في كأس العالم. في مباراتهم الأولى امتنع هؤلاء عن ترديد نشيد بلادهم الوطني في خطوة كان صعبًا اعتبارها غير لحظة احتجاج سلبي عالمية من لاعبي "تيم ملي" على أداء النظام داخليا، وتضامنا مع حركة الشارع التي دخلت شهرها الثالث منذ وفاة الفتاة الإيرانية مهسا أميني.

شعار حركة الاحتجاج شوهد على صدور عدد ممن حضروا المباراة، “زن زندگی آزادی” أي “المرأة الحياة الحرية”، ولكن أجواء مختلفة رافقت مباراة إيران مع ويلز. أعداد المشجعين فاقت مباراة انكلترا بكثير، برغم أن الخصومة التاريخية مع الانكليز كانت تحتمل تدفقا جماهيريا أكبر، ففي أدبيات السياسة الإيرانية كل فعل يحتمل المؤامرة هو عمل انكليزي. “کار، کار انگلیسی‌هاست” عبارة استخدمها ايرج پزشكزاد في روايته الأشهر “خالي العزيز نابليون” والتي تحاكي المؤامرة الإنكليزية في الوجدان الشعبي الايراني. والعبارة، وترجمتها إلى العربية “هذا عمل الانكليز” هي عنوان كتاب وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو حول العلاقات الايرانية ـ البريطانية.

في مباراة انكلترا سيطر الوجوم على وجوه اللاعبين، ضغط الداخل وثقله بدا واضحا في حركتهم من لحظة دخولهم الملعب حتى هزيمتهم الثقيلة بسداسية إنكليزية نادرة. بدا كل لاعب على أرض الملعب كمن يحمل على كاهله كل الهم الإيراني، وبدا الملعب بدوره كساحة تظاهر يصطف فيها الموالون والمعارضون على امتداد المدرجات، وفي الباحات حيث شوهدت بعد المباراة مجموعات تهتف ضد النظام وقادته.

هذا كله ولم تحن بعد لحظة مباراة إيران مع أميركا التي ستكون مشبعة حتى الثمالة بكل عناوين الصراع الداخلية والخارجية.
‎لم تغادر العيون اللاعبين لحظة اصطفافهم داخل المستطيل الأخضر جنبا إلى جنب مع لاعبي امارة ويلز البريطانية. ردد الويلش نشيدهم، ثم انطلقت موسيقى النشيد الإيراني، فتحركت شفاه اللاعبين الإيرانيين، وساندهم في ترديد النشيد آلاف المشجعين بينما انطلقت بالتوازي صفارات معترضة ممن لم يعجبهم المشهد. ثم لعب الإيرانيون كما لم يلعبوا من قبل، بدوا كالمقاتلين العنيدين وهم يلاحقون الفوز، ربما هي لحظة رأوا فيها فرصة لرأب الصدع بين الناس أنفسهم، خلف فريق لطالما احتفى به الإيرانيون وقدّروه.

إيران، على مستوى النظام، تتعامل مع الأزمة وكأنها لحظة عابرة أخرى، على الأقل في ما هو معلن، مع أن بعضاً ممن بيدهم مقاليد الأمور يتصرفون خلف الأبواب المغلقة بناء على معطيات تقول: إن اللحظة هي لتعديل الأداء وفتح الأبواب

‎لكن هذا الفريق عينه كان محل خلاف أيضا بين الإيرانيين، واختلفوا فيما بينهم في التفاعل مع فوزه. البعض اعتبره فوزا للجمهورية الإسلامية، أي للنظام، على ويلز، بينما احتفل به من اعتبره فوزا إيرانيا على خصم في كرة القدم. هذا الانقسام حول الفوز بين محتفى ومعترض هو عينه الذي تجلى بعد المباراة الأولى التي رفض فيها اللاعبون ترديد النشيد. وامتد الانقسام إلى خارج الحدود، وبشكل لافت دخل على الخط أنصار وخصوم النظام من العرب والأجانب، المؤيد منهم للنظام منتقدا الفريق الوطني ومقدما ألف شرح وشرح، والمعارض للنظام غائصا في الخلفيات والمعاني والمآلات. هذا يُخوّن ويتهم اللاعبين بالعمالة أو الارتباط بالخارج، وذاك يمنحهم النياشين لتحديهم النظام على الملأ.

لا شيء حتى اللحظة يشير إلى أن الأزمة في طور الإحتواء، برغم أن بعض الخطوات على المستوى الداخلي تشير إلى وجود رغبة في اجتراح حل لها. ولعل تقييمات أجهزة الأمن الإيرانية وكبار رجال السياسة في البلاد تشير إلى أن ما من فرصة للحل بدون إصلاح كبير على مستوى بنية النظام. هذا ما لفت إليه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، وهذا ما تؤكده مصادر مطلعة على حوار خلف الأبواب الموصدة بين النظام وبين بعض الشخصيات الأصولية التقليدية والإصلاحية الوسطية. هؤلاء يعلمون جيدا أن الشارع ليس بيدهم، لكنهم يدركون أيضا أنهم لن يكونوا بمأمن في حال تداعى النظام أو ضعف أو ذهبت البلاد باتجاه صراع طويل وعنيف. ما تشير إليه هذه المصادر هو أن الوضع الحالي بات يحتاج إلى عملية إعادة تصميم بما يتناسب مع الزمن، وفي آن ـ تحذر هذه المصادر ـ من تبني خطوات تجميلية لن تتسبب سوى بتعميق الفجوة بين القطاعات المشاركة في الاحتجاجات وبين النظام.

على مستوى النظام بمؤيديه والمعترضين تحت سقفه، يبدو المشهد واضحا بديناميته، برغم أن علامات استفهام عديدة تحيط بالخواتيم. التساؤلات تدور حول ما إذا كانت المساحة ستتسع لإعادة إنتاج نخبة سياسية أكثر تنوعا وتغطي ألوان طيف المؤمنين بالثورة الإسلامية، بما يضمن بث الروح من جديد في الحياة السياسية. وبين أصحاب الرأي في طهران من يقول إن هذا الأمر ضروري بقدر أهمية الوصول إلى نقطة النهاية في الاحتجاجات التي باتت تستهدف الخريطة الجينية للجمهورية الإسلامية. القصد هنا أن ضغط الاحتجاجات ليس ضغط شارع وتظاهرات وحرق إطارات أو حتى عنف منظم، ثقل الاحتجاج هو ما يجري داخل البيوت وكيف يمتد من هناك باتجاه الشوارع والأسواق وخيارات الاستهلاك والشراء ومقاطعة الشركات التي تعلن على شاشات التلفزة الوطنية، وصولا إلى ملاعب كأس العالم.

تقييمات أجهزة الأمن الإيرانية وكبار رجال السياسة في البلاد تشير إلى أن ما من فرصة للحل بدون إصلاح كبير على مستوى بنية النظام

ما ليس واضحا على مستوى الاحتجاج هو الهدف الرئيس والكبير، وأي إيران يريدون، وهل ستكون إيران واحدة أم إيرانات متعددة، لا سيما مع أصوات وُصفت بالانفصالية تخرج من الأطراف تزامنا مع ما يحدث في المدن الرئيسية. هذه الاصوات، كما في حالة مجموعة من رجال الدين في محافظة كردستان الذين طالبوا باجراء استفتاء بحضور قيادات دينية ووطنية، فضلا عن إشراف مؤسسات دولية.

إقرأ على موقع 180  "رسالة إيرانية" إلى تل أبيب وعمّان.. من التنف!

وفيما تستمر الأجواء المشحونة أيضا في سيستان بلوشستان، تتزايد التقارير حول أحداث أمنية متنقلة، من كرج غربي طهران إلى سنندج على الحدود مع العراق مرورا بزاهدان، وكلها أحداث تتبادل الحكومة والمتظاهرين الاتهامات فيها بالبدء بإطلاق النار.
‎بدورها نجحت المعارضة الخارجية في تشكيل صوت لها، لكن فيها ماء وزيت وأكثر، وبعض هؤلاء بدأ يروج لفكرة التدخل الخارجي، كما فعلت مسیح علينجاد، الصحفية المقيمة في أميركا والتي دعت في مقابلة تلفزيونية لتقديم دعم عسكري لمواجهة النظام. وهذا بدأ باثارة قلق بعض النخب ممن يؤيدون التغيير لكن دون تدخل خارجي.

قبل ثلاثة أشهر من الآن كان التوصل لاتفاق حول برنامج إيران النووي الشغل الشاغل لطهران وخصومها وبعض حلفائها. اليوم اختلف الوضع كليا، الاتفاق المتوقف أصلا خسر عوامل الدفع التي كانت تبقيه حياً على جداول الأعمال، هو لم يمت بالكامل، لكن بقية الحياة التي فيه لا تسمح له بالتقدم. الحرب الروسية الأوكرانية بدورها تضيف المزيد من الأثقال إلى مسار الحوار وهو ما يجعل الداخل الإيراني المساحة الأكثر إتقادا والأسهل للاستثمار بالنسبة لمن يريدون تصفية الحسابات مع طهران. لكن إيران بدورها، تحديدا على مستوى النظام، تتعامل مع الأزمة وكأنها لحظة عابرة أخرى، على الأقل في ما هو معلن، مع أن بعضاً ممن بيدهم مقاليد الأمور يتصرفون خلف الأبواب المغلقة بناء على معطيات تقول: إن اللحظة هي لتعديل الأداء وفتح الأبواب.

(*) بالتزامن مع “جاده إيران

Print Friendly, PDF & Email
علي هاشم

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  المسرح الإستراتيجي السوري: عقد من الحروب.. ولا ضربة قاضية!