فورين أفيرز: السعودية لا تدعم إستراتيجية أميركا الكبرى (1)
TOPSHOT - US President Joe Biden (C-L) and Saudi Crown Prince Mohammed bin Salman (C) arrive for the family photo during the Jeddah Security and Development Summit (GCC+3) at a hotel in Saudi Arabia's Red Sea coastal city of Jeddah on July 16, 2022. (Photo by MANDEL NGAN / POOL / AFP)

منى فرحمنى فرح04/01/2023
مضت الرياض في قرار "أوبك بلاس" خفّض إنتاج النفط، متجاهلة بذلك إلحاح واشنطن على فعل العكس، أي زيادة الإنتاج وضبط الأسعار، ما يشير إلى أن السعودية لم تعد داعماً تلقائياً لإستراتيجية أميركا الكبرى، وأن "العلاقة الحميمة" التي سادت بين البلدين لعقود لن تعود. ولكي تبقي واشنطن السعودية إلى جانبها عليها تقبل فكرة أنه "لا ينبغي عزل محمد بن سلمان أو الالتفاف عليه"، بحسب "فورين أفيرز"(*)

في تشرين الأول/أكتوبر 2022، أعلنت السعودية أن “أوبك بلاس” ستُخفّض سقف إنتاجها النفطي بمقدار مليوني برميل يومياً. ولأن المملكة العربية السعودية هي أكبر مُصدّر للنفط في العالم، تتخذ دائماً زمام المبادرة في جهود هذه “المجموعة” لإدارة سوق النفط العالمية. كان لهذا القرار تأثيره الفوري على الأسعار: ارتفعت من 76 دولاراً للبرميل الواحد (أدنى مستوى لها لهذا العام) إلى 91 دولاراً للبرميل بحلول منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2022. وكانت الصدمة التي شعر بها الأميركيون جيوسياسية أكثر منها اقتصادية: فقد طلبت إدارة الرئيس جو بايدن تأجيل القرار، وهي التي كانت تطلب العكس، أي زيادة الإنتاج (وخفض السعر) في ضوء أزمة النفط التي تسببت بها الحرب في أوكرانيا. لكن الرياض مضت في قرارها، وتجاهلت إلحاح واشنطن.

أدى ذلك إلى اتهامات متبادلة بين واشنطن والرياض، ما أثار تساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين. فقد أعلنت إدارة بايدن أنها ستُعيد تقييم علاقتها مع المملكة، مشيرة إلى أن قرار “أوبك بلاس” سيزيد من الإيرادات الروسية، وبالتالي سيُقلّل من فعّالية العقوبات المفروضة عليها بسبب غزوها لأوكرانيا. كذلك صدرت مطالبات من داخل الكونغرس بوقف بيع الأسلحة للسعودية، وسحب القوات الأميركية من المملكة (…). وبرغم ذلك رفضت الرياض التراجع، وشدَّدت على أن القرار جاء بالإجماع، ويستند إلى “أسباب اقتصادية بحتة”.

خلال الأشهر الفاصلة، هدأت حدَّة التوتر بين الجانبين، ويبدو أن التهديد الأميركي بـ”إعادة تقييم العلاقات” لم يكن جدياً. لقد سبق ونجت العلاقات الأميركية-السعودية من أزمات أسوأ. فمثلاً، بعد شهر واحد من قرار “أوبك بلاس”، وتحديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، منحت إدارة بايدن “حصانة سيادية” لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (MBS)، بصفته رئيساً للوزراء، وذلك في قضية مدنية أميركية رفعتها خطيبة الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل في قنصلية بلده في اسطنبول على يد عُملاء سعوديين. و”الحصانة” هي علامة من بين العديد من المؤشرات الأخرى التي تقول إن العلاقة الأميركية-السعودية ليست في طريقها إلى الإنهيار. لكن الأزمة التي تسبب بها قرار “أوبك بلاس”، وتداعياتها، تشير إلى أن العلاقة الثنائية قد دخلت مرحلة جديدة: فمنذ أن بدأت هذه العلاقة؛ في منتصف القرن العشرين؛ هذه هي المرة الأولى التي لا تدعم فيها الرياض إستراتيجية واشنطن الكبرى.

ثلاثة تغييرات

يميل محللو ومراقبو الشؤون الأميركية-السعودية إلى التركيز على دور الأفراد وأجنداتهم: MBS شخص عنيد وسلطوي، يسعى إلى إعادة تشكيل اقتصاد بلاده ورفع دورها كـ”لاعب دولي مستقل”. على النقيض من ذلك، يتمتع بايدن بأسلوب حذر. وهو يريد جعل الديموقراطية محور سياسته الخارجية، وأولوياته الآن هي حشد العالم ضد روسيا والصين.

لا شك أن هذه الفجوة بين الشخصيتين وأهدافهما مهمة، وتؤثر في تشكيل العلاقات بين بلديهما (…)، إلَّا أن الجدل الحاصل اليوم حول قرار “أوبك بلاس” يشير إلى ثلاثة تغييرات مهمة طالت العلاقة الأميركية-السعودية. وهي تغييرات تتجاوز الشخصانية، وسيكون لها عواقب طويلة الأجل (…).

أولاً؛ لقد تغيرت موازين القوى العالمية. وبدأ نفوذ واشنطن يتضاءل مع تحول النظام العالمي إلى “متعدد الأقطاب”، ما يجعل دول متوسطة القوة، مثل السعودية، أكثر عرضة للتحوط في رهاناتها وأقل احتمالاً للإكتفاء بنصيب تحققه لها قوة عُظمى واحدة فقط.

ثانياً؛ هناك أزمة تغير المناخ التي تدفع العالم بعيداً عن الوقود الأحفوري، وتضع السعودية تحت ضغوط تجعلها تفكر في التحكم بالإنتاج والسعر لكي تضمن الإستفادة القصوى من احتياطياتها النفطية.

ثالثاً؛ مثل كل قضايا السياسة الأميركية، أصبحت مسألة العلاقة مع السعودية مستقطبة بشدة على أُسس حزبية، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير إلى أن السعوديين أنفسهم أوضحوا تفضيلهم للجمهوريين على الديموقراطيين.

منذ أن بدأت العلاقة بينهما؛ في منتصف القرن العشرين؛ هذه هي المرة الأولى التي لا تدعم فيها الرياض إستراتيجية واشنطن الكبرى

إن التداخل الإستراتيجي الكبير الذي حدَّد العلاقة بين أميركا والسعودية على مدى العقود الماضية لم يعد موجوداً. لكن، إذا استوعب الجانبان هذه التحولات الثلاثة، تظل آفاق التعاون بشأن مجموعة ضيقة نسبياً من القضايا الإقليمية والاقتصادية واردة، ويمكن من خلالها الوصول إلى مجموعة توقعات متبادلة، جديدة وأكثر واقعية.

هبَّة باردة.. هبَّة ساخنة

أصبحت السعودية مهمة للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، أي عندما أصبح للنفط دور مركزي في إدارة الصراعات على الساحة الدولية، وفي رسم الإستراتيجيات العسكرية والتنموية والاقتصادية.

منذ ذلك الحين، شهد العالم ثلاث فترات في توزيع القوة:

في الفترة الأولى؛ وهي حقبة الحرب الباردة؛ لم يكن أمام السعودية من خيار سوى دعم الأهداف الجيوسياسية لأميركا لكي تحصل على المساعدة الأمنية والاقتصادية التي تحتاجها (الاتحاد السوفيتي كان يدعم العديد من خصومها الإقليميين). وفي ذلك الوقت، كانت القرارات المتعلقة بإنتاج النفط السعودي في أيدي شركات أميركية ساهمت في تطوير صناعة النفط السعودية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. بإختصار، لم يكن بوسع الرياض التعامل مع موسكو في مسائل النفط، حتى لو أرادت ذلك (…).

كانت الولايات المتحدة والسعودية أيضاً حليفين أيديولوجيين غريبين. الأعداء المشتركون والاحتياجات الاقتصادية التكميلية دفعتهما إلى تفضيل المصالح المشتركة على القيم، وهذا ما يجعلهما “شركاء بحكم الأمر الواقع”. الاستثناء الوحيد كان الصراع العربي-الإسرائيلي. وأكبر أزمة في تاريخ علاقاتهما الثنائية كانت بسبب خلاف بينهما حول هذه القضية: فخلال الفترة (1973-1974)، ورداً على دعم واشنطن لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين والعرب، خفَّضت السعودية وخمس دول عربية أخرى إنتاجها من النفط، وفرضت حظراً على التصدير، بما في ذلك الشُحنات التي كانت تذهب إلى الولايات المتحدة. أدَّى ذلك إلى اضطراب الأسواق التي تهافتت على الشراء بدافع الذعر، فتضاعفت الأسعار أربع مرات، وتحولت موازين القوة داخل سوق النفط. فأصبحت الدول المنتجة، وفي مقدمتها السعودية، هي التي تتخذ القرارات، فيما أصبحت الشركات الأميركية مجرد شركاء صغار يقدمون خدمات للحكومة السعودية.

إقرأ على موقع 180  الحراك الآتي.. لا مفر منه

خفض الإنتاج وحظر التصدير أضرا كثيراً بالاقتصاد الأميركي، حتى أن واشنطن؛ آنذاك؛ هدَّدت بالتدخل عسكرياً. لكن سُرعان ما تم تجنب الأزمة بعد أن نجحت الدبلوماسية الأميركية في وقف الحرب الإسرائيلية-العربية، وقادت مفاوضات تُوجت بمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 (معاهدة كامب ديفيد). كذلك ساعدت الأهداف الإستراتيجية المشتركة؛ بين واشنطن والرياض؛ في الحرب الباردة، وفي مقدمتها الحد من النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، على مداواة الخرق بين العاصمتين. وفي السنوات التي تلت ذلك، أصبح النفط قضية أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، وبالتالي أصبح الحفاظ على علاقات جيدة ومتينة مع السعوديين “هدفاً” له الأولوية على أجندة الحزبين (الجمهوري والديموقراطي). وخلال ثمانينيات القرن الماضي، نما التعاون بينهما، خصوصاً في الفترة التي كان فيها البلدان يقدمان دعماً مشتركاً للأفغان والمقاتلين الأجانب الذين قاوموا القوات السوفيتية في أفغانستان. ووصل هذا التعاون إلى ذروته خلال حرب الخليج الأولى (1990-1991)، التي تزامنت مع نهاية الحرب الباردة (…).

الأعداء المشتركون والاحتياجات الاقتصادية التكميلية جعلتهما “شركاء بحكم الأمر الواقع”.. والاستثناء الوحيد كان الصراع العربي-الإسرائيلي

في الفترة الثانية، حقبة “الأحادية القطبية” (بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي)، كانت أميركا هي الخيار الوحيد للدول التي سعت لشراكة مضمونة مع قوة عُظمى. خلال هذه الفترة وقعت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، التي خطَّط لها أسامة بن لادن، سليل إحدى أغنى العائلات السعودية، وشارك في تنفيذها 15 سعودياً (من إجمالي 19 مختطفاً). وبما أن تنظيم “القاعدة” استهدف الأسرة الحاكمة في السعودية وكذلك الولايات المتحدة، فقد وجد البلدان؛ مرة أخرى؛ أن عدواً مشتركاً يمكن أن يجمعهما. ولاحقاً، خلال “الحرب على الإرهاب”، عمل الرئيسان الأميركيان، جورج دبليو بوش وباراك أوباما، على توثيق علاقات استخباراتية متينة مع السعودية. كانت واشنطن هي اللاعب الوحيد على الساحة الدولية، وكانت الرياض من بين الداعمين البارزين لكل المبادرات الأميركية، حتى تلك التي شكَّكت علناً في حكمتها (غزو العراق عام 2003).

كانت نهاية الحرب الباردة وبزوغ “الفجر الأميركي” مفاجئين نسبياً، لكن نهاية حقبة “الأحادية القطبية” كانت على النقيض من ذلك. لقد حصلت بشكل تدريجي. فمنذ العام 2020 وحتى وقتنا الحاضر، اجتمع أكثر من عامل ساهم في خلق توازن دولي جديد: تبديد الإنجازات الأميركية ومصداقيتها في العراق وأفغانستان؛ تفاقم الاستقطابات الحزبية في السياسة الداخلية الأميركية؛ صعود الصين؛ وسعي روسيا للعودة كقوة عُظمى.

في الفترة الثالثة، وخلافاً للفترتين السابقتين، لا يوجد عدو مشترك يعزز العلاقات الأميركية-السعودية. ففي حين تسعى الإدارة الأميركية إلى حشد تحالفات دولية ضد روسيا والصين، لا تنظر السعودية إلى أي من هاتين القوتين على أنهما أعداء. فالتبادل التجاري بينها وبكين إزداد من أقل من 500 مليون دولار في عام 1990 إلى 87 مليار دولار في عام 2021. وقيمة صادراتها إلى الصين أكبر بثلاث مرات من صادراتها إلى أميركا، وكذلك مع الهند واليابان. في الوقت نفسه، روسيا هي “الشريك الضروري” للمملكة في إدارة سوق النفط العالمية (…). ويكفي أن تكون الدولتان على الخط نفسه لكي تتحكم “أوبك بلاس” بالسوق: دول المجموعة تنتج حوالي 40 مليون برميل يومياً، نصفهم من انتاج السعودية وروسيا مجتمعتين.

قراءة مختلفة للصورة الجيوسياسة 

لكل هذه الأسباب، عندما يستعرض القادة السعوديون المشهد الجيوسياسي اليوم يرون الصورة بشكل مختلف كلياً. لذلك شكَّل الواقع الجديد “صدمة” بالنسبة لواشنطن؛ التي اعتادت النُخب فيها التصرف على أساس أن الدعم السعودي مضمون حكماً. ومن هنا يمكن فهم رد الفعل الأميركي الهستيري على قرار “أوبك بلاس”، والذي لم يكن يتعلق فقط بأسعار النفط وحساسية الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي. فالبلدان اختلفا كثيراً في الماضي حول أسعار النفط. الفرق هذه المرة هو السياق الجيوسياسي، وتحديداً الحرب في أوكرانيا. فهذه الحرب بالنسبة للإدارة الأميركية هي “نقطة انعطاف تاريخية” ستُحدد مستقبل النظام العالمي، لكنها مجرد حرب إقليمية بالنسبة للسعودية ولدول أخرى عديدة، بما في ذلك الهند وإسرائيل.

في الوقت نفسه، فإن لدى السعوديين شكاواهم الخاصة. فقد شنَّ الرؤساء الأميركيون الثلاثة السابقون حملاتهم الإنتخابية على أساس أن الولايات المتحدة ستُخفض تواجدها واهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط. وهذا لا يبعث على الارتياح بالنسبة للنظام السعودي الذي يرى في إيران تهديداً إقليمياً خطيراً، لا سيما وهي توسَّع نفوذها في العراق ولبنان وسوريا واليمن. فعلى مدار السبعين عاماً الماضية كان الهدف المُعلن من التواجد الأميركي في منطقة الخليج العربي هو “حماية التدفق الحر للنفط”. لكن عندما تعرضت منشآت النفط السعودية لهجمات صاروخية مصدرها إيران، في أيلول/سبتمبر 2019؛ وهو أخطر هجوم على التدفق الحر للنفط منذ أن أشعل الرئيس العراقي صدام حسين النار في حقول النفط الكويتية عام 1991؛ لم تفعل إدارة دونالد ترامب أي شيء برغم العلاقات الأكثر من وثيقة التي عزَّزتها مع الرياض.

– النص بالإنكليزية على موقع “فورين أفيرز“.

(*) غريغوري غوس الثالث، أستاذ الشؤون الدولية ورئيس “جون إتش ليندسي 44” في كلية بوش للإدارة الحكومية والخدمة العامة، جامعة “تكساس إيه آند إم”. وهو مؤلف لثلاثة كتب والعديد من المقالات حول الشرق الأوسط ، مع التركيز بشكل خاص على شبه الجزيرة العربية والخليج العربي.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  أنقرة ترث الرياض في بيروت..