“الاثنين الأسود” بين النفط الصخري واكتتاب “أرامكو”

انهيار أسعار النفط ليس سوى بداية لتغييرات كبيرة في مشهد الطاقة العالمي، لا تنحصر في اتخام سوق النفط بإنتاج يفوق قدرة التخزين لكل دول العالم، وانهيار قيمة العقود الآجلة بالسالب، ولكنها تمتد إلى توقعات بشأن طبعية المتغيّرات الهيكلية في هذا القطاع الحيوي، تأثراً بتداعيات فيروس "كورونا" على الاقتصاد العالمي المتباطئ أصلاً، أو بالتنافس بين اللاعبين الكبار في سوق النفط ومدى اتفاقهم واختلافهم على قواعد محاصصة وتسعير وإنتاج مستجدة بواقع الأزمة الاقتصادية العالمية الوشيكة، فضلاً عن تأثر عمليات انتاج وخصخصة كبرى أهمها طرح جزء من أسهم عملاق النفط السعودي "أرامكو"، وقطاع النفط الصخري الأميركي.

أحداث المشهد النفطي على مدار الأسابيع الأخيرة تؤكد أن أزمة تباطؤ الاقتصاد العالمي ومضاعفات وباء “كورونا” التي هوت به إلى حدود الكساد، ليست سوى فرصة لتغيير قواعد اللعبة بالنسبة إلى المتنافسين الكبار في قطاع مهم مثل الطاقة، فحرب أسعار النفط والتلاعب بها ليست مستجدة، ولم تفرضها أزمة وباء “كورونا“، ولكنها تمتد في حدودها الدنيا – والمتعلقة بالثلاثي السعودية وروسيا والولايات المتحدة – إلى العام 2014، وربما قبل ذلك، ولكن في نطاق يتسع باطراد من حدود المنافسة على حصص سوق النفط وتحديد الأسعار، مروراً بالتوظيف السياسي المعتاد للأزمات واستخدام النفط كسلاح، وصولاً إلى وضعٍ مستجدٍ لأول مرة في التاريخ تتهاوى فيه أسعار عقود النفط إلى مستويات سالبة ويصبح معيار التنافس هو من يتحمل الخسائر أكثر من الآخر.

وبنظرة سريعة إلى الأسابيع القليلة التي سبقت “الاثنين الأسود”، يتضح أن انخفاض أسعار النفط نتيجة تباطؤ الطلب وتأثير وباء “كورونا” على الاقتصاد العالمي لم يكن سوى القشة التي قصمت مناخ التفاهم النفطي بين موسكو والرياض، والممتد منذ أواخر العام الماضي، فسرعان ما عمد الطرفان إلى رفع الإنتاج بالتوازي مع انخفاض الطلب، لتهوى أسعار النفط بشكل مضاعف ومتسارع، وقبول البلدين بخسائر مهولة لم تتجاوزها سوى خسائر قطاع النفط الصخري الأميركي المتوقع أن تفلس شركاته في نهاية العام الحالي، وهي التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجية الإدارة الأميركية في الاستغناء عن استيراد النفط -الخليجي منه على وجه الخصوص- وتحول الولايات المتحدة منذ أواخر العام الماضي إلى المُنتج الأكبر للنفط، وليس المستورد الأكبر له-مع الصين- كما المعتاد.

وإذا كان انخفاض أسعار النفط قبل “الاثنين” الأسود قد أتى كامتداد لانهيار التفاهم الروسي -السعودي على تقاسم حصص سوق النفط بين مجموعة “أوبك” التي تهيمن عليها الرياض وبين مجموعة الدول المنتجة للنفط خارج “أوبك” والتي تتزعمها موسكو، فإن أزمة “كورونا” أتت كفرصة ليس فقط لإعادة النظر في التفاهم السابق، ولكن أيضاً للحد من تهديد نمو وازدهار صناعة النفط الصخري الأميركي واتساعها وتطورها لتصبح تكلفة انتاج البرميل أقل من متوسط سعر النفط العادي منذ 2014، وبالتالي زيادة جدوى التوسع في انتاجه في سنوات قليلة ليصبح انتاج الولايات المتحدة حوالي خمسة ملايين برميل يومياً بمتوسط تكلفة انتاج تتراوح بين 25 دولار و80 دولار للبرميل، والاعتماد على مضاربات العقود الآجلة في البورصات الأميركية والتي تجعل قيمة العقود المستقبلية مؤشراً لاستقرار وقوة أسهم شركات النفط الصخري تمهيداً لتصديره بأسعار تنافس النفط التقليدي، خاصة بعد تطبيق إدارة ترامب لسياسة الاستغناء عن استيراد النفط.

وخلال الأعوام القليلة الماضية شكل التوسع في انتاج النفط الصخري الأميركي بكلفة منخفضة تقارب كلفة استخراج النفط في كل من السعودية وروسيا تهديداً كبيراً لكل من قطاعي النفط في البلدين، خاصة أن الرياض مثلاً تعتمد في أكثر من 90% من اقتصادها وميزانياتها على مبيعات النفط، ما يعني أن نمو صناعة النفط الصخري يغلق الأسواق الأميركية أمام النفط السعودي للمرة الأولى منذ اربعينيات القرن الماضي، وهو الأمر الذي يولّد تداعيات سياسية واستراتيجية لا تقف عند حدود التنافس والمضاربة في سوق النفط.

وعلى سبيل المثال، فإنّ عملية اكتتاب شركة “أرامكو” تتأثر بسعر النفط المنخفض باطراد، واستمرار وجود تهديد النفط الصخري مستقبلاً، بجانب تهديدات أمنية واقتصادية مستمرة تبدأ من قصف منشآت الشركة ولا تنتهي بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو ما يُترجَم بشكل عملي في تأخير في طموحات اقتصادية وإنمائية سعودية، في القلب منها مشروع مدينة “نيوم”، حيث تمثّل عملية خصخصة جزءاً من أسهم “أرامكو” حاملاً اقتصادياً لتنفيذ حزمة رؤية سياسية واقتصادية شاملة تُعد بدورها الحامل السياسي لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لتوليه الحكم في المستقبل القريب.

تجدر الإشارة هنا بقوة إلى أن المدى الزمني لتدهور أسعار النفط لا يجب أن يتجاوز شهر تموز/يوليو بأقصى حد، حيث أن مبدأ الخسارة هنا يطال الجميع، ولكن مع فوارق في تحمل الخسائر. وفي الحالة الأميركية فإنّ هذه الخسائر تتضخم خاصة بمعناها السياسي في عام الانتخابات، ومع بروز أزمات كبرى آخرها وباء “كورونا” وتداعياته على الاقتصاد العالمي وتباطؤه، والذي لا يعني استمراره سوى خسارة مضاعفة على المدى الطويل لدولة مثل السعودية تعتمد على النفط كعمود فقري لاقتصادها، وبالتالي فإن مبدأ تدريج الضرر والتحكم في الخسائر بين الدول الثلاثة هو بحد ذاته أمر محدود الصلاحية، ذلك أن آثار تخفيض الأسعار على عقود النفط الآجلة وصناعة النفط الصخري في أميركا لا يمكن كبحها عن الإضرار باكتتاب أسهم شركة “أرامكو”، التي بدأت بالتفاوض على قروض وبيع جزء من أصولها  بحصيلة تتجاوز 20 مليار دولار، وذلك كإجراء استثنائي تحوّطي لعدم انخفاض سعر السهم وتعويض خسائر الاقتصاد السعودي من تقلبات أسعار النفط وتداعيات وباء كورونا خلال العام الحالي.

لتخفيض الأسعار في الأسابيع الماضية منفعة مشتركة كبيرة لكل من روسيا والسعودية في ما يخص عقود النفط الآجلة في البورصات الأميركية.

ما سبق شكّل دافعاً إضافياً لكل من موسكو والرياض لتخفيض أسعار النفط، فبخلاف التنافس في ما بينهما على حصص الإنتاج من السوق العالمية، فإن لتخفيض الأسعار في الأسابيع الماضية منفعة مشتركة كبيرة، في ما يخص عقود النفط الآجلة في البورصات الأميركية. ومع التخفيض التنافسي بين البلدين في ظل مناخ عام من ضعف الطلب وتباطؤ الإنتاج حول العالم، فإن شراء النفط بأسعار منخفضة وتخزينه كميزة تنافسية مستقبلية أدى إلى استهلاك السعة التخزينية في الولايات المتحدة قبل غيرها من الدول، وهو الأمر الأساسي الذي دفع بعقود النفط الآجلة لانخفاض أسعارها بالسالب، ليس فقط لتدني استهلاك التحوط من شركات الطيران وغيرها نتيجة لأزمة وباء كورونا، ولكن أيضاً لاعتماد سوق النفط  الأميركي على المضاربات المستقبلية كمحفز إضافي لتعويض فارق التكلفة بين انتاج النفط الصخري وبين أسعار النفط العادي، وبالتالي فإن المضاربين من شركات وأفراد في البورصات الأميركية عليهم دفع رسوم تخزين ترتفع باطراد، أو بيع عقودهم بخسارة آنية لتجنب خسائر مستقبلية تتضاعف حال تخفيض الإنتاج وإيقاف تشغيل مصافي النفط.

وبناء على هذه المنهجية الأميركية، فإن الأشهر القليلة المقبلة قد تكون مفصلية، فإذا ما استمرت مضاربات العقود الآجلة في التسبب بانخفاض الأسعار، وأقدمت معظم الشركات العاملة في صناعة النفط الصخري – سواء في مجال الاستخراج أو النقل أو المضاربة في البورصة – على إعلان الإفلاس، فإن ثمة نجاحاً لجهود مشتركة بين روسيا والسعودية لتحييد خطر النفط الصخري إلى أجل غير مسمى، وهو الأمر الذي لم يفلح في العام 2014 بدافع من تفضيل الرياض حينها الضغط على موسكو وحلفائها من الدول النفطية لدواعي سياسية. أما الآن فإن إعادة الاتفاق على حصص لكل منهما في سوق النفط العالمي في ضوء تغير سياسات الطاقة الأميركية في عهد دونالد ترامب يمكن إنجازه تحت سقف 30 دولار للبرميل، وذلك في حال استعاد الاقتصاد العالمي عافيته جزئياً مع تخفيف معظم الدول لإجراءات العزل والإغلاق.

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course