“ديبلوماسية الزلازل”.. تحت سقف الحصار؟

بعد الإتصالات الهاتفية من ملوك ورؤساء عرب ولا سيما الإتصال الهاتفي الأول بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس السوري بشار الأسد غداة الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، ساد لوهلة الإعتقاد بأن المنطقة قد تكون على عتبة زلزال سياسي أملته الكارثة الطبيعية من شأنه أن يخرج دمشق من عزلتها العربية والدولية، لكن برغم هول النكبة، فإن "ديبلوماسية الزلازل" بقيت محدودة الأثر. 

لا يمكن أن يجازف السيسي بخطوات أبعد من تقديم العزاء بحدود بروتوكولية في وقت يمر الإقتصاد المصري بظروف دقيقة ولا يحتاج إلى إثارة المتاعب مع أميركا ولا إحراج دول خليجية عربية لا تزال على عداوة شديدة مع سوريا، وكأن شيئاً لم يتغير في السنوات الـ12 الأخيرة. تجدر الإشارة إلى أن السيسي تدخل مباشرة قبل أيام لتهدئة السجال الإعلامي في بلاده مع السعودية.

الموقف المصري من سوريا ليس نابعاً من إعتبارات مصرية خاصة، بقدر ما هو مبني على الحرص على عدم إتخاذ قرارات تثير إستياءً في أميركا ولا في دول خليجية لا تزال علاقاتها متوترة مع دمشق.

وبنظرة فاحصة، لا توجد قضايا خلافية ثنائية تباعد بين القاهرة ودمشق، منذ أن أسقط السيسي حكم “الإخوان المسلمين” عام 2013. ومعظم الحرب السورية كانت لمنع “الإخوان المسلمين” من حكم سوريا. وعليه، ما يجمع بين القاهرة ودمشق أكثر مما يفرق بينهما، على رغم إنعدام الإتصالات على مستوى عالٍ والإكتفاء بتمثيل ديبلوماسي متدن منذ عام 2011.

المسموح أميركياً هو إرسال المساعدات لسوريا من بعد، ومن دون أي إجراء يُشتم منه أن سوريا في طريقها لإستعادة شرعيتها الإقليمية. هذا يُثبت مجدداً أن الإعتبارات الإنسانية في التعريف الأميركي غيرها في تعريف أي شعب من شعوب الأرض

وعند الحديث عن الموانع التي تحول دون التطبيع بين مصر وسوريا، يبرز أول ما يبرز، كما بات معروفاً، المانع الأميركي كعقبة كأداء تحول دون المضي في هذه الخطوة. ليس من جانب مصر فحسب، بل من جانب أي دولة عربية أخرى.

وحاول الملك الأردني عبدالله الثاني قبل عامين، وبدوافع إقتصادية أكثر منها سياسية، الإنفتاح على سوريا وإنعاش الحركة التجارية مع دمشق عبر بوابة نصيب الحدودية، لكن أميركا وقفت حائلاً دون إستكمال الخطوات الأردنية. والعراق بدوره بقي ملجوماً عن التواصل العميق مع دمشق، بسبب الفيتو الأميركي. وبات “مؤتمر بغداد” الذي ضم دول الجوار العراقي برعاية فرنسية-وللمفارقة أن بين هذه الدول إيران المشكو منها في سوريا- كأنه جائزة ترضية للعراق.

وفي الأسابيع التي سبقت الزلزال التركي ـ السوري، نجحت إدارة الرئيس جو بايدن في إبطاء الإندفاع التركي نحو المصالحة مع دمشق، وطار الإجتماع الذي كان يحكى عنه بين وزيري الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ونظيره السوري فيصل المقداد. هذا الإجتماع كان يفترض أن يلي مباشرة الإجتماع الذي عقد بين وزراء الدفاع لروسيا وتركيا وسوريا في موسكو في 28 كانون الأول/ديسمبر، وأن يكون تمهيداً لقمة تجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد.

وزاد الإرتياب الأميركي بالتطبيع التركي-السوري، بعدما دخلت إيران طرفاً فيه. كانت روسيا أول الأمر هي الراعية للتقريب بين دمشق وأنقرة.

الآن، وبعد كارثة الزلزال التي حلّت بتركيا وسوريا، فإن الترددات السياسية ستفرض نفسها، سواء في الداخل التركي أو في ما يتعلق بموضوع التطبيع مع دمشق، الذي من المرجح أنه لم يعد أولوية لدى أردوغان، في وقت ينشغل فيه بالدفاع عن أداء حكومته في مواجهة الكارثة الطبيعية، وذلك قبل ثلاثة أشهر من موعد الإنتخابات الرئاسية والنيابية، الأكثر حسماً بالنسبة لأردوغان وللمعارضة على حد سواء، منذ نيف وعقدين، إلا إذا طرأ ما يمكن أن يؤدي إلى تأجيل الإنتخابات، في ضوء ما فرضته المعطيات الزلزالية.

قبل الزلزال لم تكن الولايات المتحدة تملك أي سياسة حيال سوريا، بإستثناء الحفاظ على الستاتيكو الموجود وعلى التقسيم الواقعي للجغرافيا السورية، والسهر على تطبيق “قانون قيصر” بحذافيره، ومنع إيران من إستخدام سوريا رافعة في تعزيز نفوذها الإقليمي. وهذا الجانب موكل إلى إسرائيل التي كثّفت من غاراتها منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة.

أما على الجانب العربي، فقد يتشجع بعض المترددين من العرب لتقديم المساعدة لسوريا بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية إعفاء بعض المواد الإغاثية المرسلة إلى دمشق من العقوبات الأميركية لمدة ستة أشهر، كي يقدموا على خطوات أكبر في هذا المجال. وبإستثناء تونس، من غير المرجح إنضمام دول أخرى إلى ركب الدول التي رفعت تمثيلها الديبلوماسي في السنوات الأخيرة، وتتبادل الزيارات على أعلى مستويات مع دمشق، وبينها الإمارات والبحرين، الدولتان اللتان أعادتا فتح سفارتيهما منذ العام 1918. أما الجزائر وسلطنة عمان فهما من الدول التي حافظت على علاقاتها الديبلوماسية وإتصالاتها مع دمشق في ذروة الحرب الأهلية السورية. ولم يخفض لبنان تمثيله الديبلوماسي أيضاً.

التطبيع مع دمشق، لم يعد أولوية لدى أردوغان، في وقت ينشغل فيه بالدفاع عن أداء حكومته في مواجهة الكارثة الطبيعية

الأمر الواقع السائد منذ 12 عاماً، يحتاج إلى زلزال سياسي يلغي مفاعيل زلزال 2011 الذي إجتاح سوريا ودولاً عربية أخرى وخلّف حروباً أهلية في غير دولة عربية. وحتى تونس التي كانت تعتبر قصة نجاح تقف اليوم على شفا مصير مجهول.

إقرأ على موقع 180  فرنسا تشهر سيف المواجهة مع تركيا في ليبيا... طموحات وخيبات

إن جسامة الكارثة الطبيعية، كان يفترض أن تفتح ثغرة في جدار الحصار على سوريا، فإذا بالولايات المتحدة تضبط المساعدات الإغاثية تحت سقفها، من خلال الإستثناءات التي حددتها، ليس إلا. لا الدول العربية ولا أوروبا مستعدة للمجازفة بإغضاب واشنطن بالذهاب إلى ما هو أبعد. ووسائل الإعلام الغربية تحذر من إستغلال دمشق لمسار المساعدات الإغاثية كي تفك الحصار عنها.

بإختصار، المسموح أميركياً هو إرسال المساعدات لسوريا من بعد، ومن دون أي إجراء يُشتم منه أن سوريا في طريقها لإستعادة شرعيتها الإقليمية. هذا يُثبت مجدداً أن الإعتبارات الإنسانية في التعريف الأميركي غيرها في تعريف أي شعب من شعوب الأرض. وعندما زلزلت الطبيعة في تركيا وسوريا في 6 شباط/فبراير الجاري، وجد السوريون العاديون أنفسهم أمام كارثة أخرى تضاف إلى الكوارث التي ألمت بهم على مدار سنوات الحرب، ولا يلوح ضوء حتى الآن إلى نهاية النفق.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  إردوغان والأسد إن التقيا "قريباً".. في بغداد أم أبو ظبي؟