هل بدأ العدّ التنازلي لعودة سوريا إلى الجامعة العربية؟

برغم قسوة الزلزال التركي السوري في السادس من شباط/فبراير الماضي وما خلّف من ضحايا ودمار ومآسٍ، إلا أنه هزّ أركان المقاطعة السياسية لسوريا التي سعى العديد من عواصم العرب إلى محاولة كسرها منذ سنوات من دون طائل، فهل تفضي "دبلوماسية الزلازل" إلى إعادة لم الشمل العربي؟

يقول رئيس البرلمان العراقي ورئيس الاتحاد البرلماني العربي محمد الحلبوسي في كلمته أمام مجلس الشعب السوري بحضور وفد كبير من الاتحاد البرلماني العربي إنه “لا غنى لنا عن سوريا ولا غنى لسوريا عن محيطها العربي الذي نأمل عودتها إليه”.

تأتي زيارة الوفود البرلمانية العربية إلى مجلس الشعب السوري في دمشق، تعبيراً عن مسار إتخذ طابعاً إنسانياً غداة الزلزال السوري التركي، وتم التعبير عنه باتصالات تضامنية من قادة ومسؤولين عرب بالرئيس السوري بشار الأسد، فضلاً عن تسيير قوافل من المساعدات العربية إلى سوريا. وتقاطع هذا المناخ مع زيارة مفاجئة ـ هي الثانية له إلى دولة عربية منذ العام 2011 ـ قام بها الرئيس الأسد، قبل أيام قليلة، إلى سلطنة عمان، تلبية لدعوة رسمية من السلطان هيثم بن طارق، وفي ظل الحديث عن زيارة ينتظر أن يقوم بها وفد سعودي قريباً إلى العاصمة السورية، ناهيك عن الأبعاد الإستثنائية التي أعطيت لزيارات وزراء خارجية الإمارات عبدالله بن زايد، مصر سامح شكري والأردن أيمن الصفدي، ربطاً بالحديث المتداول حول بدء العد العكسي لعودة سوريا إلى الجامعة العربية.

وإذا كان مسار العلاقة السورية الإماراتية يتسم بالتطور المُتدرج، كان اللافت للإنتباه في زيارة الوزيرين الصفدي وشكري التركيز على البعد الإنساني ربطاً بحدث الزلزال، وهو الأمر الذي لا يعطي إشارات قاطعة بشأن مدى إكتمال شروط عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وهذه الشروط تتمحور حول عناوين ثلاثة أساسية: إحداث خرق ما في ملف التسوية السياسية في سوريا؛ التأكيد على عروبة سوريا ما يعني ضمناً الإنفكاك عن إيران؛ وإنسحاب حلفاء إيران من الجنوب السوري المحاذي للحدود الأردنية، غير أن القيادة السورية تملك مقاربة مختلفة اساسها رصد الموقف الأميركي باعتبار المواقف العربية “مجرد صدى لا أكثر ولا أقل” على حد تعبير مسؤول سوري بارز.

كان يتردد سؤال الموقف الأميركي في كل خطوة يخطوها بلد عربي نحو سوريا منذ العام 2018، حتى أجهض “قانون قيصر” مسار التقارب مع سوريا لا سيما أنّه موجهٌ لجيران سوريا التوّاقين إلى عودة التواصل معها اقتصادياً أكثر من أي وقت مضى.

محاولات استعادة سوريا

بدأت محاولات استعادة سوريا “علناً” عندما أعلنت دولة الإمارات العربية عن إعادة فتح سفارتها في دمشق في الأيام الأخيرة من العام 2018، وقبل ذلك أعلن الأردن (الذي بقيت سفارته في دمشق مفتوحة طوال سنوات الأزمة) بإعادة فتح معبر نصيب – جابر الحدودي، تبع ذلك زيارة نواب أردنيين بصورة رسمية إلى دمشق، علماً أن سفارات عربية عديدة لم تقفل أبوابها طيلة الأزمة السورية مثل سفارات لبنان والجزائر وفلسطين ومصر وعُمان والبحرين وغيرها.

إعتقد بعض العرب في العام 2019 أن الطريق إلى دمشق ستكون مُعبّدة، ففي آذار/مارس 2019 وصل رئيس مجلس الشعب السوري حمودة صباغ، على رأس وفد برلماني سوري إلى الأردن للمشاركة في الاجتماع الطارئ الـ 30 للاتحاد البرلماني العربي في أول مشاركة له منذ بدء الأزمة في العام 2011، وكان حفل الاستقبال الذي أقامته السفارة السورية في العاصمة عمان، بحضور نواب أردنيين وسوريين وسياسيين وشخصيات عامة أردنية، وكأنه إحتفال بسلامة دمشق.

وفي صيف العام 2019 وبعد أن كشف مصدر عربي مطلع أن الموضوع الأبرز الذي ستتم مناقشته خلال الاجتماع الوزاري لوزراء خارجية كل من السعودية والكويت والبحرين والإمارات ومصر والأردن، هو عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، خرج الوزراء من الاجتماع من دون بيان، وكأن الاجتماع كان لتدارس الشؤون العربية عموماً، ما أظهر أن قرار عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية ما زال مؤجلاً أميركياً.

بعد ذلك بدأت تتجمد الخطوات نحو سوريا، وبالنسبة للأردن مثلاً تطلب الأمر ما يقارب العامين، حتى نسمع من جديد أن وفداً يرأسه وزير الطاقة السوري يزور الأردن، في حزيران/ يونيو 2021، وذلك قبل شهرين تقريباً من اتصال السفيرة الأميركية دوروثي شيا بالرئيس اللبناني ميشال عون وحديثها إليه حول إمكانية استجرار الطاقة الكهربائية من الأردن والغاز من مصر عبر سوريا إلى لبنان، وهو الأمر الذي إستوجب زيارة وفد لبناني إلى دمشق برئاسة نائبة رئيس الحكومة اللبنانية السابقة زينة عكر، وعقد سلسلة إجتماعات رباعية (سورية ولبنانية وأردنية ولبنانية)، في عواصم هذه الدول، وظل الأمر يصطدم بعقبات سياسية وقانونية وإدارية حالت دون وصول التيار الكهربائي والغاز الموعود إلى لبنان حتى يومنا هذا.

صحيح أن لبنان ما زال حتى اليوم يقبع في غياهب الظلام، بسبب تردد الولايات المتحدة في منح استثناء لمصر والأردن بما يخص عقوبات “قانون قيصر”، لكن ذلك الاتصال فتح شهية العرب من جديد للتفاعل مع دمشق من بوابة لبنان.

إذا صحت التسريبات بأن السعودية تريد لسوريا أن تكون حاضرة، فهذا يعني أن إحتمال تأجيل موعد القمة بات مرجحاً حتى تنضج الظروف في الأسابيع والأشهر المقبلة، وهو الأمر الذي لا يمكن إعطاء جواب عليه قبل أن تنجلي صورة الإتصالات المفتوحة بين دمشق والرياض وآخرها زيارة وفد أمني سعودي إلى سوريا قبل حوالي العشرة أيام

وقد شهد صيف العام 2021، لقاءات أردنية سورية رسمية كانت قد انقطعت على مدى سني الأزمة السورية، وتكللت الاجتماعات باتصال هاتفي بين العاهل الأردني عبدالله الثاني والرئيس السوري، لكن لم يحدث بعدها التقدم المنشود.

إقرأ على موقع 180  أي تعديل للقرار 1701 حتماً سيكون لمصلحة لبنان.. لماذا؟

قمة العرب 2023.. بحضور دمشق؟

كان لزيارة وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد إلى سوريا في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أن تؤتي ثمارها، وتفتح الأبواب نحو دمشق لولا الموقف الأميركي المتشدد. وظنّ كثيرون أن إنعقاد القمة العربية في العام الماضي في الجزائر سيوفر المخرج الموعود لعودة سوريا، بسبب العلاقة الجزائرية السورية التي لم تتأثر بواقع تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية. وبالفعل، بذل الجزائريون جهداً حثيثاً لهذه الغاية غير أنهم إصطدموا بـ”فيتو مصري” كان تعبيراً عن قرار الإدارة الأميركية، ولا سيما في ضوء مجريات الحرب الروسية الأوكرانية وما يمكن أن تفضي إليه هكذا عودة، سورياً وروسياً.

كان توقيت الزلزال مبرراً لدخول العرب من بوابة النجدة الإنسانية، وفعلت “دبلوماسية الزلازل” فعلها هذه المرة على الصعيد الشعبي قبل الرسمي، بدليل تضامن معظم شعوب العالم العربي مع المنكوبين في شمال سوريا، وهذا هو لبنان يشهد للمرة الأولى منذ القطيعة الكبرى بين البلدين في العام 2005، ما يشبه الهبة الشعبية الواسعة، تضامناً مع الشعب السوري، زدْ على ذلك إتصال رئيس حكومة لبنان نجيب ميقاتي بنظيره السوري حسين عرنوس ثم تكليف وفد حكومي بزيارة دمشق برئاسة وزير الخارجية اللبناني عبدالله بوحبيب، حيث كان له إستقبال مميز في قصر الرئاسة السورية، وحديث عن تطبيع شعبي وسياسي بين البلدين.

هل أن كل ما سبق يشي بأن لحظة عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية قد باتت قريبة جداً؟

ثمة مؤشر يمكن أن نتلمس من خلاله الجواب، وهو موعد إنعقاد القمة العربية في العاصمة السعودية في نهاية شهر آذار/مارس المقبل، وقبلها إجتماع وزراء الخارجية التحضيري، منتصف الشهر المقبل، فإذا صحت التسريبات بأن المملكة العربية السعودية تريد لسوريا أن تكون حاضرة، فهذا يعني أن إحتمال تأجيل موعد القمة بات مرجحاً حتى تنضج الظروف في الأسابيع والأشهر المقبلة، وهو الأمر الذي لا يمكن إعطاء جواب عليه قبل أن تنجلي صورة الإتصالات المفتوحة بين دمشق والرياض وآخرها زيارة وفد أمني سعودي إلى سوريا قبل حوالي العشرة أيام، وذلك إستكمالاً للزيارة التي قام بها رئيس إدارة المخابرات السورية اللواء حسام لوقا إلى الرياض، وإجتماعه بنظيره السعودي الفريق خالد الحميدان.

دمشق والجامعة العربية.. من يعود للآخر؟

يتحدث العرب كثيراً عن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، ويرد الأشقاء في سوريا بدهائهم السياسي “بل الجامعة العربية هي التي تعود إلى سوريا”.

تبدو العبارة فيها مناكفة لغوية، وفيها لذة النصر أيضاً، لكن فيها ما هو أبعد من هذا وذاك. إن في هذه العبارة خلاصة أحد أهم أسباب التقارب، فثمة سعي عربي لإعادة سوريا إلى “الحضن العربي” وفي هذا تعبير بشكل أو بآخر لمحاولة إبعاد سوريا قدر الإمكان عن إيران.

وعندما يرد الأشقاء في سوريا ببسمة “بل الجامعة العربية هي التي تعود إلى سوريا”، فإنهم بذلك لا يقفلون الباب في وجه الأخوة بل يجعلونه موارباً، لكن العبارة تحمل ما تحمل من إشارات عن صعوبة التخلي عن حليف وقف إلى جانب الدولة السورية (أي إيران) في أصعب أيامها التي بدأت في 2011 تحت ما يسمى بـ”الربيع العربي”.

السؤال الذي سيبقى مطروحاً ومحل بحث في الأيام والأسابيع المقبلة، هل ستعود دمشق إلى جامعة الدول العربية أم أن جامعة الدول العربية هي التي ستعود إلى دمشق؟

Print Friendly, PDF & Email
رانية الجعبري

صحافية وقاصة من الأردن

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  دساتير مُشوهة لتصريف الأعمال.. عربياً!