“حلٌ سحريٌ” يُنزل بريغوجين عن “الشجرة”!

إنشغل العالم بأسره في الساعات الأربع والعشرين الماضية بتمرد قائد قوات "فاغنر" الروسية يفغيني بريغوجين، وذلك غداة تصريحات شديدة اللهجة صدرت عنه دعا فيها إلى العصيان المسلح بسبب تعرض قواته على الجبهة الروسية الأوكرانية للقصف من الجانب الروسي، حسب زعمه، برغم النفي الروسي لذلك، وقابله رد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعتبر فيه هذه الدعوة بمثابة خيانة عظمى لروسيا.

خلال الأشهر القليلة الماضية ظهرت الخلافات إلى العلن بين قائد قوات “فاغنر” يفغيني بريغوجين من جهة ووزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال فاليري غيراسيموف من جهة ثانية حول العديد من الأمور كإمداد قواته بالسلاح والعتاد المطلوبين وتأمين التغطية النارية اللازمة لها وغيرها من الأمور العملياتية واللوجستية التي أدت، بحسب زعمه، إلى تكبّد قواته خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

ورداً على تجاسره في اطلالاته الإعلامية العديدة، ومحاولته إلقاء اللوم على القيادة العسكرية الروسية، أصدر الرئيس بوتين أمراً لقيادة الجيش الروسي بإخضاع القوات الروسية غير النظامية المقاتلة في أوكرانيا إلى سلطة وزارة الدفاع الروسية، بهدف تأمين الضمانات لها. سرعان ما رفض بريغوجين الإنصياع للأمر، وهو الطامح لمناصب عسكرية أعلى.

الأكيد أن هناك قطبة مخفية والكثير من الغبار الذي ما أن ينكشف حتى تتبدى من بعده أسرار وحقائق كثيرة لن يتأخر بوتين في كشف بعض خيوطها في المستقبل القريب، حفاظاً على المعنويات العسكرية والروح الوطنية الروسية ككل

تعاظم الخلاف بين بريغوجين وهيئة الأركان الروسية، بعد سيطرة روسيا على مدينة باخموت في شرق أوكرانيا، إثر معركة ضارية إستمرت 224 يوماً خسر فيها الطرفان عشرات آلاف الجنود، بينهم عشرون ألفاً من قوات “فاغنر”، حسب إعتراف بريغوجين نفسه. فجأة ومن دون سابق إنذار، قررت قوات “فاغنر” الإنسحاب من باخموت، وإذ بحركة سريعة تُسيطر على مدينة روستوف-أون-دون وتعلن أنها تتقدم باتجاه موسكو، في خطوة مستغربة في توقيتها ومضمونها ودلالاتها، ما يعني أن في الأمر ما هو أكبر وأعمق من ذلك لا بد وأن تتكشف قطبه المخفية تدريجياً مع الوقت.

ولا يجوز أن نُغفل أن الإعلام الغربي، ولا سيما محطة “سي إن إن” نقلت عن مسؤولين في الإستخبارات الأميركية قولهم إنهم كانوا رصدوا أن بريغوجين يُخطّط بشكل مسبق لتحدي القيادة العسكرية الروسية لكن لم يكن واضحاً للأجهزة الغربية هدفه النهائي، ونقلت عن مسؤولين في المخابرات الأميركية أنهم أطلعوا كبار قادة الكونغرس المعروفين بـ”عصابة الثمانية” على تحركات “فاغنر” وتكديس المعدات والأسلحة قرب روسيا!

وإذا كانت واشنطن ترصد حركة بريغوجين وقواته فهذا يعني أن المخابرات العسكرية الروسية، لا يمكن أن تكون قد أغفلت إمكانية حصول حركة بهذا الحجم، وبالتالي يصبح السؤال لماذا أوحت موسكو أنها فوجئت وخرج الرئيس بوتين على الرأي العام الروسي غاضباً ومهدداً باستخدام القوة ضد قوات “فاغنر”؟

قد يظن البعض أن الرئيس بوتين أخطأ في استخدام قوات “فاغنر”، والحقيقة أنه غالباً ما تعتمد الدول الكبرى على الميليشيات لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، كالولايات المتحدة التي استخدمت ميليشيات “بلاك ووتر” في العراق، على سبيل المثال لا الحصر. من هنا كان إستخدام روسيا لقوات “فاغنر” ـ بغض النظر عن شخصية بريغوجين وبدايته ونهايته وعلاقاته ومعتقده الديني ـ لأنها متمرّسة في قتال الشوارع، وهو ما أثبتته معركة باخموت، كما تم استخدام القوات الشيشانية في معركة مصنع أزوف، وهذا يعني أن بوتين يقتصد في امكانات الجيش النظامي من جهة ويجعل هوامش الحشد والمناورة والحذر أكثر مرونة وإتساعاً من خلال إستخدام مثل هذه القوات شبه النظامية، من جهة ثانية.

هذا التوظيف لقوات “فاغنر” منذ إنشائها في العام 2014، يعني أن بوتين كان على علم مسبق منذ أحداث الميدان الأوكراني في العام نفسه (2014)، بما تُحضّر له الولايات المتحدة وحلف “الناتو”، فعمد الى تجهيز مسبق لجيشه وقواته وأسلحته منذ ذلك الحين، وليس قبل عام، كما يظن البعض، وهو ما تؤشر إليه نوعية الأسلحة الروسية وكمياتها وطريقة استخدامها، فبرغم حصول بعض النكسات في بعض المراحل، وتضافر جهود أميركا و”الناتو” في الحرب بالوكالة، استطاعت روسيا كسب معركتين كبيرتين هما أزوف وباخموت وتدمير المختبرات الجرثومية وكشف الأهداف الغربية وتحقيق أهداف استراتيجية لم تكن لتحصل من دون استعدادات مسبقة بالقوى والعتاد والخطط المناسبة لها، حتى أن طريقة القيادة والسيطرة والاستخدام التصاعدي للقوى والوسائل وفتح الجبهات (بما في ذلك إستخدام “فاغنر”) تنم عن معرفة دقيقة بطريقة قيادة أميركا و”الناتو” للمعركة الهادفة لاستنزاف روسيا، ما جعل وزارة الدفاع الروسية تعتمد الإقتصاد بالقوى والوسائل حيث تدعو الحاجة لزجها في المكان والزمان المناسبين.

وبرغم حصول مفاجآت في بداية الحرب مع استخدام أوكرانيا بكثرة للطائرات المسيرة وغيرها من الأسلحة الغربية الحديثة، لإحداث مفاجأة ما، وهذا من مبادئ وتكتيكات الحرب، وبالفعل أوقعت خسائر في الجانب الروسي، إلّا أن المرونة الروسية في المقلب الآخر، وهي أيضاً من مبادئ الحرب، كانت تُعيد التوازن والتفوّق في كل مرة.

ولأن أوكرانيا إرتبكت وتضعضعت جراء العملية العسكرية الروسية، عمدت الولايات المتحدة وأوروبا الى تسهيل دخول فنلندا إلى “الناتو” باعتبارها البديل عن أوكرانيا في محاولة لتطويق روسيا في حال نجاحها عسكرياً في الميدان الأوكراني، كما يحاول الغرب جاهداً اختراق صفوف القادة الميدانيين الروس بشتى الوسائل، عَلّه يتمكن من تطويع أحدهم!

إذا كانت واشنطن ترصد حركة بريغوجين وقواته فهذا يعني أن المخابرات العسكرية الروسية، لا يمكن أن تكون قد أغفلت إمكانية حصول حركة بهذا الحجم، وبالتالي يصبح السؤال لماذا أوحت موسكو أنها فوجئت وخرج الرئيس بوتين على الرأي العام الروسي غاضباً ومهدداً باستخدام القوة ضد قوات “فاغنر”؟

في المحصلة، سرعة الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو بالتنسيق مع نظيره الروسي و”الحل السحري” الذي أنزل بريغوجين وقواته عن الشجرة وصولاً إلى الإنسحاب من روستوف، كلها معطيات تحتاج إلى الرصد.

إقرأ على موقع 180  بوتين في دمشق وإسطنبول: ليبيا ثاني قاعدة متوسطية؟

في الحروب والنزاعات كل شيء مباح لكن العبرة تبقى في الخواتيم، وبالتالي، لا يمكن للمراقبين والباحثين الإستراتيجيين، حتى مع التسريبات المحتملة من هنا وهناك، معرفة خفايا الأحداث قبل انجلاء غبارها.

الأكيد أن هناك قطبة مخفية والكثير من الغبار الذي ما أن ينكشف حتى تتبدى من بعده أسرار وحقائق كثيرة لن يتأخر بوتين في كشف بعض خيوطها في المستقبل القريب، حفاظاً على المعنويات العسكرية والروح الوطنية الروسية ككل.. لننتظر ونسمع ونرَ.

Print Friendly, PDF & Email
شربل أبو زيد

عميد ركن متقاعد، باحث إستراتيجي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  دويّ "طوفان الأقصى".. لا عروبة بغيرِ فلسطين!