مارتن إنديك: إنه 11 أيلول الإسرائيلي!

منى فرحمنى فرح10/10/2023
"حزب الله هو الطرف الذي يجب مراقبته عن كثب لمعرفة التداعيات التي ستؤول إليها عملية طوفان الأقصى بالنسبة لإسرائيل والفلسطينيين والمنطقة ككل". هذا ما يراه مارتن إنديك، عضو مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، الذي أكد في حديث مع "فورين أفيرز" أن "النظام الأمني والإستخباراتي في إسرائيل "فشل بالكامل.. والإستخبارات الأميركية أيضاً تتحمل المسؤولية"، وأن إسرائيل في مأزق حقيقي وأمام خيارات أحلاها صعبٌ ومر". وفي ما يلي بعض ما جاء في المقابلة.

في صباح يوم السبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نفذت الفصائل الفلسطينية هجوماً مفاجئاً على إسرائيل على نطاق غير مسبوق: حيث أطلقت آلاف الصواريخ، وتسلل مئات من مقاتليها إلى الأراضي الإسرائيلية، وأسروا عدداً غير معروف من الرهائن. وقد قُتل ما لا يقل عن 100 إسرائيلي (تجاوز الرقم الـ 600 اليوم الأحد)، وجُرح ما لا يقل عن 1400 آخرين (تجاوز الرقم الألفين اليوم الأحد)؛ وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده “في حالة حرب” (أعلن اليوم الأحد حالة الحرب متخطياً الحكومة الموسعة). وعندما ردّت القوات الإسرائيلية، قُتل نحو 200 فلسطيني وجُرح حوالي 1600 آخرين (صارت أرقام الضحايا من الفلسطينيين مضاعفة في الساعات الأخيرة).

قال مارتن إنديك لـ”فورين أفيرز” إن ما حدث في صباح يوم السبت 7 تشرين الأول/أكتوبر، “كان فشلاً كاملاً للنظام الأمني والإستخباراتي في إسرائيل”. وأضاف الإستخبارات الأميركية أيضاً تتحمل المسؤولية، “لأنه كان عليها أن تلتقط بعض المؤشرات لا أن تتفاجأ هي الأخرى بما حدث”. وأضاف: “بالعادة يتفاخر الإسرائيليون بأن لديهم وسائل تجسس متطورة وحديثة، وإنهم قادرين على معرفة ما يفعله الفلسطينيون بالضبط، وما قد يفعلونه وبالتفصيل. لقد بنوا جداراً ضخماً بين غزة والمستوطنات كلفهم مبالغ كبيرة جداً. ولطالما إدعوا بأنهم واثقين من أن مقاتلي حماس قد تم ردعهم ولن يجرؤوا على شن هجوم كبير لأنهم سوف يُسحقون إذا فعلوا ذلك، ولأن الفلسطينيين سوف ينقلبون ضدهم.. وأي هجوم ستتبعه حرب أخرى”. كان الإسرائيليون يعتقدون أن حركة “حماس” متمسكة بوقف إطلاق نار طويل الأمد، ومتمسكة بالمنافع الاقتصادية التي تجنيها بفضل فرص العمل التي تؤمنها إسرائيل لأكثر من 19 ألف فلسطيني، وأنها تعمل وفق مبدأ “عش ودع غيرك يعيش” الذي يستفيد الطرفان من ترتيباته.

“لكن اتضح أن هذا كله غير واقعي”، بحسب إنديك، الذي يعتبر أن ما حدث في يوم السبت، 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان “صدمة” بكل معنى الكلمة، وسيكون له تأثير على الإسرائيليين مماثل لتأثير هجمات 11 أيلول/سبتمبرعلى الأميركيين. ويقول: “كيف لمجموعة من المقاتلين أن تتمكن من تحقيق كل ما حققته في ظرف ساعات قليلة جداً؟ كيف استطاعوا اقتحام مقر الاستخبارات الإسرائيلية المحصن ومقر قوات الدفاع الإسرائيلية الجبارة؟ نحن لا نملك إجابات شافية حتى الآن، ولكنني متأكد من أن الغطرسة الإسرائيلية تشكل جزءاً كبيراً من الأسباب. إسرائيل تتباهى بقوتها المطلقة وبأنها قادرة على ردع حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تتهرب من الحلول السياسية وتتبجح بأنها غير معنية بمعالجة المشاكل المزمنة التي يتكبدها الفلسطينيون منذ عقود وعلى كافة الأصعدة: الاقتصادية والاجتماعية والأمنية”.

وعن مغزى التوقيت الذي اختارته الفصائل الفلسطينية لتنفيذ عملية “طوفان الأقصى”، أجاب إنديك: “لا يسعني الآن إلا أن أتكهن، فأنا بصراحة ما زلت في حالة صدمة. لكن إذا فكرنا في السياق الذي جاءت فيه فلا يسعنا إلا أن نأخذ بالإعتبار صفقات التطبيع التي وقعتها بعض الدول العربية مع إسرائيل، وما يجري بخصوص إتمام صفقة مماثلة مع الرياض تتضمن ضمانات أمنية أميركية للسعودية، وفرض ضغوط على الإسرائيليين لتقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية (التي لا تتفق كثيراً مع حماس). لذلك، لربما أرادت حماس وداعميها الإيرانيين عرقلة تلك الصفقة؛ على الأقل في المدى القريب. أنا لا أعتقد أن حماس تتبع إملاءات من إيران، لكن هناك تنسيق مشترك بينهما بالطبع (…)”.

وتابع: “كانت الفكرة تتلخص في إحراج المُطبعين ومن ينوي التطبيع، وإثبات أن حماس وإيران قادرتان على إلحاق الهزيمة العسكرية بإسرائيل (…). فعندما تنجح حماس في إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، ويحدث ما يجعل العالم، وخصوصاً العرب والمسلمون، يشاهدون كيف يقتل الجيش الإسرائيلي الأطفال والمدنيين الفلسطينيين بأسلحة أميركية متطورة، فإن ذلك سيشعل ردود فعل قوية للغاية. وسيضع القادة العرب، وفي مقدمتهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أمام تحدٍ كبير: إما مواجهة غضب ومعارضة شعوبهم لأي تصالح مع إسرائيل. وإما تقديم كل ما يلزم لإقناعهم بأن التطبيع سيجلب فوائد للفلسطينيين، بينما حماس لا تجلب لهم سوى البؤس والموت. وأنا أعتقد أن هذا النوع من الشجاعة هو أمر لا يمكن توقعه من أي زعيم عربي في مثل هذا النوع من الأزمات”، يقول مارتن إنديك.

وعن الخيارات المُتاحة الآن أمام الحكومة الإسرائيلية، قال إنديك “سبق وتكررت هذه الأحداث من قبل. حماس ومعها الفصائل الفلسطينية خاضت خمس حروب مع إسرائيل، وهناك قواعد لعب واضحة. اليوم إسرائيل تحشد جيشها، وتهاجم من الجو، وتعمل على تدمير غزة. إنها تحاول قطع رأس قيادة حماس على وجه التحديد. وإذا لم تنجح في إجبار الفصائل الفلسطينية على وقف إطلاق الصواريخ والدخول في مفاوضات لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، فأعتقد أن إسرائيل ستنفذ عملية غزو واسعة النطاق لقطاع غزة”.

لكن خيار غزو قطاع غزة سيضع إسرائيل أمام مشكلتين كبيرتين وخطيرتين، على الأقل، بحسب إنديك. الأولى أنها سوف تقاتل في مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة أسلحتها الأميركية المتطورة. وهذا سيتسبب بوقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين الفلسطينيين. “ما يعني أن الاحتجاجات والإدانات الدولية؛ التي ستتبع ذلك؛ ستوجه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وستفرض ضغوطاً على إسرائيل لحملها على وقف عملياتها العسكرية”، والكلام دائماً لإنديك.

إقرأ على موقع 180  أمريكا بعد الثالث من ت2/نوفمبر

والمشكلة الخطيرة الثانية، هي أنه إذا اختارت إسرائيل توسيع الحرب فذلك يعني أن قطاع غزة سيكون تحت سيطرتها مرة ثانية، “وهنا عليها أن تجيب على الأسئلة التالية: كيف ستخرج من هناك؟ متى؟ ولصالح من ستنسحب؟ ولنتذكر أن الإسرائيليين انسحبوا بالفعل من غزة عام 2005، وهم لا يريدون العودة إليها”.

أما عن المسار الذي سيختاره نتنياهو شخصياً، ومن منطلق العلاقة الشخصية والمهنية التي جمعتهما لعقود من الزمن، يقول مارتن إنديك: “أول شيء يجب معرفته هو أن نتنياهو حريص جداً على عدم شن حروب واسعة النطاق. لذا أعتقد أن خياره الأول سيكون الإستمرار في استخدام القوة الجوية المفرطة بهدف معاقبة الفصائل الفلسطينية وإجبارها على وقف إطلاق النار والتفاوض من أجل إعادة الرهائن الإسرائيليين. أي العودة إلى الوضع السابق. وسيستعين بواشنطن والقاهرة والدوحة لتحقيق هدفه هذا. وإذا لم ينجح، وأنا أشك في أنه سينجح، فعليه أن ينظر في خيارات أخرى”.

وعن سبب عدم ثقته بنجاح نتنياهو في مسعاه، يجيب إنديك أنه يخشى أن تكون نوايا الفصائل الفلسطينية هي التصعيد ودفع إسرائيل إلى الانتقام وتوسيع رقعة الصراع، “ما يعني أننا سنكون أمام انتفاضة في الضفة الغربية، وهجمات من حزب الله، وثورة في القدس”.

“حماس”، ومعها الفصائل الفلسطينية، لن تنسجم مع أي رد إسرائيلي يهدف إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه من قبل، بحسب تقديرات إنديك، الذي يُشدّد على أن الطرف الذي يجب مراقبته عن كثب هو حزب الله. ويؤكد “إذا ارتفع عدد القتلى الفلسطينيين، فسوف يضطر حزب الله للإنضمام إلى المعركة. فلدى الحزب 150 ألف صاروخ، وهو قادرٌ على إطلاقها على المدن الرئيسية في إسرائيل، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى حرب شاملة تتخطى حدود قطاع غزة ولبنان.. وربما تجر جميع أطراف محور المقاومة للمشاركة فيها”.

ويضيف إنديك: “على الجانب الآخر، فإن الدول التي وقعت على “اتفاقات أبراهام” (الإمارات والبحرين والمغرب) ومعها السعودية ومصر والأردن، لديها مصلحة في تهدئة الأمور والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، لأنه كلما طال أمد التصعيد العسكري والتوتر الأمني، كلما أصبح من الصعب على أنظمة هذه الدول الدفاع عن مصالحها وعلاقاتها بإسرائيل”.

ورداً على سؤال ما إذا كان عدم الاستقرار السياسي في إسرائيل سيؤثر على عملية صنع القرار هناك، يجيب إنديك: “ما بدأ مع عملية طوفان الأقصى وبعدها يشكل أزمة عميقة لإسرائيل ذات أبعاد غير معروفة بعد. نتنياهو؛ على وجه التحديد؛ يواجه مشكلة حقيقية وكبيرة، ليس فقط في الدفاع عن مواطنيه، بل وأيضاً في كيفية تخليص نفسه من إلقاء اللوم وتحميله مسؤولية ما حدث. صراحة أنا لا أعرف كيف سيتصرف. عليه أن يجد طريقة لتخليص نفسه. يجب أن لا يستسلم لأعضاء إئتلافه من اليمين المتطرف وتركهم يملون عليه ما يجب فعله وما لا يجب، لأن هؤلاء المتشددون سوف يأخذون إسرائيل إلى مكان بالغ السوء. عليه أن يعرف كيف يسيطر عليهم؛ وهو ما لم يتمكن من القيام به حتى الآن، أو الإستغناء عنهم والقبول بالعرض الذي قدمه يائير لابيد، زعيم المعارضة، بخصوص تشكيل حكومة طوارئ ضيقة تضم حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، وحزب لابيد، وحزب زعيم المعارضة بيني غانتس. ربما يقتنع نتنياهو بهكذا مخرج: تحمل المسؤولية، تهميش المتطرفين، وتوحيد البلاد”.

ويلفت إنديك الإنتباه إلى أنه ليس من قبيل الصدفة أن تنفذ فصائل المقاومة الفلسطينية عملية “طوفان الأقصى” في الذكرى الخمسين لعملية عبور الجيوش العربية “خط بارليف” في حرب تشرين الأول/أكتوبر1973، ويقول: “برغم أن إسرائيل هي التي انتصرت في تلك الحرب في النهاية، فإن الشعوب العربية لا تزال تحتفل بالانتصارات التي حققتها جيوشهم في الأيام الأولى. لذا، فإن إظهار المقاومة الفلسطينية أنها قادرة على تحقيق انتصارات مماثلة بعد 50 عاماً يُعد بمثابة دفعة كبيرة لمكانتها في العالم العربي، وتحدياً كبيراً لتلك الدول والزعماء الذين أقاموا علاقات مع إسرائيل”.

ويختم إنديك قائلاً: “كانت الغطرسة، ولا شيء غيرها، هي التي دفعت إسرائيل إلى الاعتقاد، في عام 1973، بأنها لا تُهزم، وأنها القوة العُظمى في الشرق الأوسط، وتصرفت على أساس أن مطالب المصريين والسوريين لا تعنيها.. تلك الغطرسة تجلت أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، حتى عندما كان الجميع يقول لإسرائيل أن السياسة التي تتبعها مع الفلسطينيين غير مقبولة. لطالما تصرف الإسرائيليون من منطلق أن كل شيء يقع تحت سيطرتهم. ولكن الآن تم نسف كل افتراضاتهم، تماماً كما حدث في عام 1973. وعليهم أن يتصالحوا مع الواقع الجديد”.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) شغل مارتن إنديك منصب سفير أميركا لدى إسرائيل مرتين (1995-1997) و(2000-2001). كما شغل منصب المبعوث الخاص للرئيس الأميركي باراك أوباما خلال المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية (2013-2014). ومنصب المساعد الخاص للرئيس بيل كلينتون، والمدير الأول لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى.

(**) أجرى الحوار المحرر التنفيذي في “فورين أفيرز” جاستن فوغت.

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية مقيمة في الكويت

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إيران: هل يستدرج المحافظون واشنطن بالضغط النووي؟