“البجعة السوداء” تُباغت “إسرائيل”.. أنتِ في خطر وجودي داهم!

ما أصاب "إسرائيل" وأغلب أعدائها على السّواء مع "طوفان الأقصى"، هو، برأيي، وعلى حدّ تعبير فيلسوف عدم التّيقّن اللّبناني الأصل، نسيم نيكولاس طالب.. "بجعة سوداء" (Black Swan) وبامتياز.

من وجهة نظر العلوم المعنيّة بدراسة وتقييم وإدارة المخاطر (وشؤون عدم التيقّن عموماً): يُمكن الادّعاء أنّه حدثٌ نادرُ الحصول، ذو احتمالٍ ضئيلٍ جدّاً وقريبٍ من الصّفر. أمّا تداعياتهُ فهي من الصّنف الضّخم والفريد. بل إنّها من الصّنف الذي إذا ما حصل الحدثُ ذاك: انقلبَ كلّ ما كان قائماً قبل حدوثه رأساً على عقب، وبشكل جذري.

فبينَ ليلةٍ وضحاها تقريباً، وبشكل غير متوقّع ولا منتظر عند الأغلبيّة السّاحقة من المعنيّين كافّة: انتقلت إسرائيل من موقع القويّ الذي يُحاول أن يُثبت ويُثبّت “ردعَه”.. إلى موقع الضّعيف الذي يستجدي الولايات المتّحدة والدّول الغربيّة، لا لمجرّد أن يكسبَ جولة عسكريّة آنيّة، بل ليُثبت ضمنيّاً – مع هؤلاء المنقِذين – أنّه كيان (ديموغرافي وسياسي وأمني وعسكري) قادرٌ على الاستمرار على المدى المتوسّط وعلى المدى البعيد!

إنّنا بلا شكّ أمام قَفزةٍ غير متوقّعة في الأحداث (كما نعبّر عن مثيلاتها عادةً). وهي قفزةٌ قد أدخلت جميعَ اللّاعبين، ومن كلّ المحاور، في تحدّيات جمّة ومن نوع جديد كلّيّاً. لقد غيّرت “البجعة السّوداء” الحمساويّة هذه اللّعبة جذريّاً، من زاوية الكيان ومن زاوية أعدائه (ولو عن غير قصد، وهذا ما أُرجّحه). نعم، القصّة برأيي بهذا العمق وبهذه الخطورة.

قفزة “طوفان الأقصى”: انتقال الصّراع من بُعدٍ.. إلى بُعدٍ آخر!

تخيّلوا معي السّيناريو الافتراضي – لكن المقصود – التّالي:

تتمّ عمليّة “طوفان الأقصى” فجر يوم السّبت الواقع في السّابع من أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣.. وتتوالى الأحداث كما شاهدناها على الشّاشات وقرأناها في المواقع والصّحف.

ولكن؛ ولسبب افتراضي ما – ليس الهدف نقاشه في هذا المثال طبعاً: يتراءى للّاعبين الأساسيّين، لا سيّما في المحور المعادي لإسرائيل، وفي الـ٤٨ ساعة التي تلت الحدث.. بل يتراءى للجميع تردّدٌ واضحٌ وبيّنٌ من قبل الطّرف الأميركي إزاء ما يجري. لا تُطمئنُ الإدارةُ الأميركيّةُ بما يكفي: لا الحكومةَ الإسرائيليّة ولا النّخبَ المؤيّدة لإسرائيل في الغرب.. ولا المستوطِنين.

تخيّلوا لو أنّ الولايات المتّحدة، ولسبب افتراضي ما: قرّرت في حينها عدم تقديم الدّعم المعنوي والتّقني والعسكري اللّازم، ولا هدّدت بإرسال سفنها وبوارجها وجيوشها فوراً لردع أعداء إسرائيل – والشّعوب العربيّة المتحمّسة – على مختلف الجبهات.

تأمّلوا معي بصبر وبهدوء: ما الذي كان يُمكن أن يحدث في ٧ أو ٨ أو ٩ من تشرين الأوّل/أكتوبر الحالي ضمن سيناريو مفترض كهذا (حتّى دون تواجد جيش نظامي عربي يُمكن أن يدخل إلى أرض المعركة)؟

إنّنا بلا شكّ أمام قَفزةٍ غير متوقّعة في الأحداث، وهي قفزةٌ قد أدخلت جميعَ اللّاعبين، ومن كلّ المحاور، في تحدّيات جمّة ومن نوع جديد كلّيّاً. لقد غيّرت “البجعة السّوداء” الحمساويّة هذه اللّعبة جذريّاً، من زاوية الكيان ومن زاوية أعدائه (ولو عن غير قصد، وهذا ما أرجّحه). نعم، القصّة برأيي بهذا العمق وبهذه الخطورة

“إسرائيل”: من وهم قوّة قائمة بذاتها.. إلى حقيقة قوّة قائمة بغيرها

أعتقد أنّ سيناريوهات كانت تُعدّ مجنونة ما قبل “الطّوفان” المُبين.. أصبح من الممكن تخيّلها اليوم دون أن يُتّهم صاحبها بالسّذاجة ولا بالجنون ولا بالحماقة.

فضمن السّيناريو الذي افترضناه: لو أنّ شعب الكيان قد شعر بتخلٍّ ممكنٍ للغرب عنه، وبأنّ حلفاء “حماس” على وشك أن يقوموا “بعبور” مماثل من الجبهات الأخرى، وبأنّ الشّعوب العربيّة المجاورة قد تقوم أيضاً بمسيرات نحو حدود الكيان أو ما شابه من “طوفانات” متعدّدة التّجلّي.. أعتقد أنّ الاحتمال كان ليكونَ عالياً جدّاً – في لحظة كهذه – أن “يفرط” الوضع تماماً في الكيان الصّهيوني، وأسهل وأسرع بكثير ممّا قد نتصوّره، وبلا مبالغة حقيقيّة فيما نتصوّره وندّعيه.

كان من المحتمل جدّاً برأيي، والجدّي جدّاً، لو حصل هذا السّيناريو المفترض: أن نرى مشاهد هروب المستوطنين من باقي بقاع فلسطين وبالآلاف، نحو المطارات والمرافئ والسّفارات.. بل وهروب أعداد كبيرة من عناصر الشّرطة والأمن والجيش.. وفي غضون ساعات. بعد ما رأيناه في ٧ تشرين/أكتوبر ٢٠٢٣، هل ما يزال تصوّرٌ كهذا من باب الجنون؟

لا أعتقد ذلك أبداً: فقد بيّن ما حصل درجةً عاليةً – وصادمةً جدّاً – من الوهن داخل المجتمع الصّهيوني، وداخل المنظومَتين الأمنيّة والعسكريّة الصّهيونيَّتَين. نحن، على الأرجح، أمام أجيال كاملة لم تعُد مستعدّة للنّضال وللقتال وللتّضحية.. وأمام مجتمع يميل عموماً إلى تمنّي العيش كما لو كان في أوروبا الغربيّة والشّماليّة، أو في أميركا، أو في أستراليا وما إلى ذلك.. أي إلى عيشٍ كما لو كان على جزيرة وهميّة لا وجود لها في الشّرق الأوسط الحقيقي والواقعي.

من غير المبالغ فيه، برأيي، القول إنّه، لولا التّدخّل الغربي (والأميركي بشكل خاص) الجازم والحازم والمباشر، لكنّا على الأرجح أمام احتمالٍ عالٍ لحصول انهيارٍ مفاجئ لهذا الكيان وبرمّته.

إقرأ على موقع 180  ألغام "الهدنة الثانية".. أمريكياً وإسرائيلياً وفلسطينياً

نعم؛ بعيداً عن التّفاصيل التّقنيّة والتّنظيميّة البحتة لعمليّة “الطّوفان”.. القضيّة اليوم بهذه الخطورة، وبهذا الحجم (ولو أنّ المرجّح عندي: أنّنا قد وصلنا إلى الواقع هذا “بالصّدفة” وعن غير قصد مباشر من قبل مدبّري عمليّة “الطّوفان” ولا من قبل حلفائهم).

ولذلك، أعتقد أنّ العقل الأمني-السّياسي الأميركي قد أدرك تلك الخطورة جيّداً، ممّا يفسّر أغلب مجريات الأحداث في السّاعات والأيّام الماضية.. منذ “الطّوفان” الفلسطيني المُبين.

أعتقد أنّ العقول الاستراتيجيّة والأمنيّة والعسكريّة الأمريكيّة بشكل خاص تعي تماماً جوهر ما سلف، وما يعنيه على المدَيَين المتوسّط والبعيد. خلف ضجيج القصف على غزّة، وضجيج الجرائم الانتقاميّة للعدو الإسرائيلي بحقّ الأطفال والنّساء والعزّل: يكمن الجوهر (La substance) في سؤال استمراريّة كيان كهذا الكيان، بدا بهذا الوهن المفاجئ للأكثرين.

واقعاً؛ كيف سيستمرّ هذا الكيان على المدى البعيد؟ وبأيّ ثمن؟ وما هو الرّبح النّسبي الحقيقي الذي يجلبه للدّول الغربيّة عامّةً وللولايات المتّحدة بشكل خاص؟

من هذه الزّاوية يُمكن فهم الذّعر الأميركي الحالي. ولأنّ القيادة الإيرانيّة وأغلب قيادات محور المقاومة تعي تماماً خطورة الموضوع: فمن المُرجّح أن تتعامل مع المرحلة الرّاهنة بحذر شديد، وأن تدخلَ كلَّ يومٍ بيَومِه.. بهدف عدم السّماح للأميركي بفرض تحوّل استراتيجي معاكس – وبالقوّة – من جهة. ومن جهة ثانية: بهدف استيعاب اللّحظة الرّاهنة والتّركيز على أُفق المدى الأبعد: فعلاً، كيف سيتخلّى هذا الغرب، أو يقتنع بأن يتخلّى، عن هذا الكيان.. على الأقلّ في شكله الحالي؟ وكيف يُمكن تعجيل هذا الأمر ولو بشكل تدريجي ومدروس؟ أو: هل يُمكن تحقيق هذا الأمر مع وجود الإمبراطوريّة الأمريكيّة واقعاً؟ وكيف؟

بعيداً عن ضجيج التّفاصيل اليوميّة للمعارك وللمواقف وللأحداث الجزئيّة: لقد فتح “الطّوفان”، برأيي، صفحةً اقليميّةً استراتيجيّةً جديدةً.. بكلّ معنى الكلمة، ورغماً عن “إسرائيل” وعن جميع أعدائها!

(أمّا الحكمة وراء “توقيت” ظهور الـ Black Swan وسط مجريات الأحداث الإنسانيّة، وبما يتخطّى فهم الإنسان وامكانيّة توقّعه: فهذا بحثٌ قد بدأناه، ولكنّنا نترك اكمالَه لمقالاتنا الفلسفيّة والعرفانيّة الأخرى والقادمة).

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بايدن.. لو أنّه يأخذ بنصيحة كيسنجر لنيكسون!