طوفان الفضائيات العربية.. ووظيفة صناعة الإستسلام!

برغم مرارة الحرب ومشاهدها الدموية، في قاعدة الحرب ثمة انتصارات أوصلت المنتصرين إلى الهزيمة، وثمة هزائم أعادت للضحية دورها الفاعل في التاريخ، وكانت خطوة على طريق الانتصار.

في اللحظة الأولى من 7 أكتوبر/تشرين الأول، التقط الفلسطيني لحظة الهجوم، حيث نقل المعركة إلى أرض العدو “المفترضة”، فكانت معنويات المقاتلين ومعظم الجمهور العربي مُرتفعة. وفي الوقت نفسه، تفكّكت صورة الجيش الإسرائيلي المتفوق عسكريًا وأمنيًا وإستخباراتيًا في مخيال كل إنسان في هذا العالم الذي كان يرى إسرائيل دولة متفوقة لا تُهزم.

بنقاط سريعة، كيف ساهم الإعلام في تصدير صورة مُغايرة لما يجري على أرض الواقع من تضليل إعلامي وكيّ لوعي الجمهور؟

في علم النفس السياسي والاجتماعي، تُكرّس مقولة “المقاومة الفلسطينية بدأت الحرب وعليها أن تدفع ثمن خياراتها” من خلال:

أولاً؛ الاستمرار باستضافة شخصيات صهيونية وتصديرها للعالم العربي.

ثانيًا؛ بث صورة الفلسطيني كمحتاج للمساعدة الدولية من أجل رفع الحصار والاكتفاء بوقف المجازر.

ثالثًا؛ الإصرار على تصديرالفلسطيني كَضحية.

رابعًا؛ الاكتفاء بنقل الدمار إلى الشاشة، وتصديره إلى العامة.

خامسًا؛ التركيز على المساعدات الإنسانية.

سادسًا؛ تصدير موقف الحكومات الغربية على اعتبارها كتلة واحدة تتحرك ضد الفلسطينيين، برغم موقفها المعروف مسبقًا.

الإحباط يسود العالم العربي عمومًا، جراء نقل مثل هذه الصورة بما تحمله من خطابات مُخالفة لوقائع المعركة على الأرض، حيث يُثبّط الإعلام معنويات الجمهور العربي، علمًا أن ما جرى ويجري وسيجري على الأرض يُرسَم ببنادق المقاومين لا بتصدير صورة الفلسطيني “المُحتاج إلى التضامن”، فمن بدأ الحرب وحده من يقرر متى وكيف ستنتهي.

المهمات التي كان يتولاها الإعلام الغربي في بث صورة الإسرائيلي “الضحية” يتكفل الإعلام العربي، اليوم، بها من خلال إسماعنا الرأي الإسرائيلي في المعركة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا، يمكن فهم أدوات اللوبيات الإخبارية الجديدة، وارتباطها بنيوليبرالية عالمية تدّعي اليسار

يُصدّر خطاب التهجير والإبادة والمحو على الفضائيات العربية، كأن الفلسطيني لُقمة سائغة يُمكن محوها عن وجه الأرض. هذه المقولات تُسلّط المؤسسات الإخبارية العربية عليها الضوء من خلال بث كل ما هو مرعب ومخيف، ونشر فظاعات الحرب والدمار والبكاء وصور الأطفال والجثث، ما أوصل المواطن في العالم العربي إلى حالة من التردد والضعف والخوف والترويع. في هذه الصورة، يُقدّم الفلسطيني ضحية ومشردًا ولاجئًا يبحث فقط عن الأمان. في المقابل، يبثُ هذا الإعلام صورة جيش صهيوني متغطرس وقادر على تنفيذ المجازر، وتتم استضافة من يُمثله وبالتالي إسماع صوته وإقحام صورته بوصفه “رأيًا آخر”، أو تحت ذريعة ما يُسمى “الرأي الآخر”!

هذه هي السياسات الإعلامية التي يعمل من خلالها من لديه مصلحة كبرى في تحويل الصراع من حرب وجود إلى مجرد معركة أو جولة، تخفيفًا لحدة حصار مُزمن أو تحسينًا لشروط معيشة في بقعة جغرافية إسمها قطاع غزة. لذا، يتم التباكي على الفلسطيني من جهة، وإدانة الإسرائيلي “الضيف” على الشاشات العربية من جهة أخرى. وبين صورة الضحية والجلاد، تُمحى صورة المقاوم القادر على المواجهة وحسم المعركة، وتُركّب صورة المشرد والنازح واللاجئ، وما بين تكرار صورة وتركيب أخرى وما بين المشهد السياسي والمشهد الإنساني، تقتحم عقول ملايين المتابعين العرب تساؤلات نتيجة لبث صور الدمار والأشلاء والعويل من داخل قطاع غزة، وأبرزها متى ستنتهي الحرب؟ أو ما هي النتائج التي يُمكن للمقاومة تحقيقها سياسيًا بعد كل هذا الدمار؟ ومن هنا يُمكن فهم سياسات الفضائيات الإخبارية ومواقع التواصل الإجتماعي في تكرار مشاهد الدمار والبكاء والدمار، فقط الدمار، والدمار كخيار لكل من يفكر في مواجهة الكيان الصهيوني، فكيف إذا تجرّأ على المقاومة؟

وبحجة الكارثة الإنسانية، يصبح دور بعض الفضائيات الإخبارية العربية، مشاركة الكيان الصهيوني الوظيفة نفسها، بالرغم من تعدد الطرق، لكنها تصبح فعليًا في خدمة مراكز إمبريالية تُعيد تشكيل محاورها في المنطقة والعالم، فالمهمات التي كان يتولاها الإعلام الغربي في بث صورة الإسرائيلي “الضحية” يتكفل الإعلام العربي، اليوم، بها من خلال إسماعنا الرأي الإسرائيلي في المعركة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن هنا، يمكن فهم أدوات اللوبيات الإخبارية الجديدة، وارتباطها بنيوليبرالية عالمية تدّعي اليسار، فمن يمين قديم أدواته قمعية، إلى يمين جديد يُعيد إنتاج الفضاء الإخباري، نرى صورة الإسرائيلي هي المهيمنة، وبالتالي ننتقل من نظام إعلامي رجعي تشكّل، إلى نظام إخباري يتشكل يقحم إسرائيل في المجال الحيوي كرأي وآخر موجود. فماذا يعني استضافة مُحلّل إسرائيلي، وسؤاله عن تصريحات أعضاء الحكومة الإسرائيلية التي تتوعد بإبادة سكان قطاع غزة؟

مع الإنتقال من الراديو والتلفزيون إلى الفضائيات والمنصات الإعلامية والسوشال ميديا، يتبدى أمامنا خطاب إعلامي عربي وظيفته إنتاج صورة الفلسطيني الضحية وصاحب ردة الفعل.. لا الفلسطيني المقاوم المبادر صاحب القضية المحقة

من هنا يُمكن فهم الدور الذي يصبح فيه الرأي الإسرائيلي مهمًا بوصفه جزءًا من المشهد الإخباري العام، وذلك عندما يُستضاف المحلّلون الإسرائيليون الذين يربطون بين “داعش” و”حماس” وكأن إسرائيل تخوض حربًا ضد “حماس” فقط، وليست حربًا ضد شعب بأكمله. هذا جزءٌ يُراد منه للمواطن في العالم العربي فهم الصراع على أنه ضد “ميليشيات إسلامية” (طبعًا إرهابية) تُقاتل ضد حضارات أخرى، أو هو صدام حضارتين بين شرق وغرب! “دعشنة” حركة “حماس” وتصويرها المعركة على أنها حرب دينية لا حرب تحرير قومية يخوضها شعب ضد الاستعمار.. وأن المعركة هي معركة وجود وبقاء.

إقرأ على موقع 180  "صفقة الضرورة".. جرعة أوكسجين في تابوت الاتفاق النووي

أما المقولات التي تبثها وسائل الإعلام العربية مثل “الإبادة الجماعية” فهي تُعيدنا في الذاكرة الجمعية إلى عام النكبة (1948)، بمعنى إذا فعّل الفلسطيني أي مقاومة سيُمحى ويُباد كما حدث في قريتي الطنطورة والدوايمة وغيرهما في العام 1948. فما أن هبّ رجال القرية للدفاع عنها حتى ارتُكبت المجزرة، بحيث رُكّبت السردية على هذا الأساس. لو لم يُطلق الفلسطينيون والعرب النار لما وقعت المجزرة! مما يعني أنه، بمجرد اشتعال مقاومة الفلاحين ستحدث إبادة جماعية.. فرسّخت في وعي الفلاحين قاعدة لوم الضحية وتحقير مقاومته، وهنا تبدأ المقارنات: ماذا نمتلك نحن وماذا يمتلك عدونا من تجهيزات ومعدات حربية وهل توصلنا المعركة إلى نتيجة مفادها السكون وصناعة القبول (الإستسلام) لدى الضحية؟

يمكن هنا فَهم آلاف الصور والفيديوهات التي تبثها بعض الفضائيات العربية ومواقع التواصل الاجتماعي، وإعادة إنتاج صور الشتات والمخيمات واللجوء التي تعيد إلى الأذهان ما جرى في عام النكبة (1948)، ومن خلالها يُمكن فهم حديث الفضائيات العربية وبعض المؤسسات الإعلامية عن النزوح (الترانسفير) إلى سيناء، وتهجير البلدات المجاورة للمستوطنات إلى مناطق خارج القطاع.

إن استخدام هذا الأسلوب من الإيحاء يُعيد تصوير معارك خاضها العرب وهُزموا فيها، فمن خلال تحليل الخطاب الإعلام على مدى الـ 75 عامًا الماضية، تُرسّم وتُضخّم صورة الكيان الصهيوني لضمان تفوقه العملي، وترسيخ فكرة نبوغه، وفكرة الشعب المُختار وجيشه الذي لا يقهر.

في الخلاصة؛ مع الإنتقال من الراديو والتلفزيون إلى الفضائيات والمنصات الإعلامية والسوشال ميديا، يتبدى أمامنا خطاب إعلامي عربي وظيفته إنتاج صورة الفلسطيني الضحية وصاحب ردة الفعل.. لا الفلسطيني المقاوم المبادر صاحب القضية المحقة.

Print Friendly, PDF & Email
مالك الجيزاوي

كاتب وباحث، الأدرن

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المفاوضات الأميركية - الإيرانية.. فوق سور الصين