إسرائيل تُرمّم صورتها باغتيال “الجوكر”.. صالح العاروري

مثّل اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي في حركة "حماس" صالح العاروري خشبة خلاص لعدو غارق في وحل غزة، فتعمّد اختيار شخصية توازي في أهميتها "الحماسية" محمد ضيف ويحيى السنوار ومروان عيسى، وتعمّد أيضاً، اختيار المكان والتوقيت المناسبين، بحسبه، لكي يصطاد أكثر من عصفور برشقة صاروخية واحدة.

خسرت حركة “حماس” باغتيال الشيخ صالح العاروري محرك العمل الفلسطيني المقاوم في الضفة الغربية، منذ إطلاق سراحه من السجون الإسرائيلية التي أمضى فيها نحو ثلث عمره (18 سنة متقطعة) في آذار/مارس 2010، وطوال الأعوام الـ 13 التي أمضاها في المنفى، متنقلاً بين تركيا وماليزيا وسوريا ولبنان، لم ينفك عن العمل الدؤوب لدعم المقاومة في الضفة بكل أطيافها انطلاقاً من فكره الوحدوي، لا سيما في العمل المقاوم.

واستفاد العاروري من علاقته المُميزة بـ”حزب الله”، وتحديداً بأمينه العام السيد حسن نصرالله، وبالقيادة الإيرانية كما بالقيادة السورية التي لم يقطع علاقته بها حتى في عز الأزمة بين “حماس” ودمشق. عمل على تنظيم الجناح العسكري لـ”حماس” (كتائب القسّام) في مخيمات الشتات في لبنان وسوريا، وهو من أشرف على عمليات إطلاق الصواريخ من لبنان نحو المستوطنات الإسرائيلية بعد عملية “طوفان الأقصى” وقبلها أيضاً. ويزيد على ذلك، المحلل العسكري في “هآرتس”، عاموس هرئيل، بأن العاروري ترفّع بالمناصب الحركية “بفضل قدرته على المبادرة والتحريض والتخطيط لهجمات ضد إسرائيل، انطلاقاً من الأماكن التي يعيش فيها، مثل تركيا وسوريا ولبنان”.

وثمة من يعتبر أن العاروري محسوبٌ أكثر على الجناح العسكري في “حماس”، لذلك تُصنّفه إسرائيل الرقم 2 بعد محمد ضيف من حيث ترتيبه في لائحة الاغتيالات، على اعتبار أن الأخير هو القائد العسكري لـ”كتائب القسّام” في غزة.. وصالح العاروري نظيره في الضفة.

ويقول في هذا الصدد، رون بن يشاي، المراسل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إن العاروري صحيح أنه شغل منصب نائب رئيس المكتب السياسي في “حماس”، إسماعيل هنية، لكن مهمته الأساسية كانت القائد العسكري لـ”حماس” في الضفة الغربية. وبسبب الخطر الكبير الذي يُمثله، في رأي الاستخبارات الإسرائيلية، طُبعت في الأوراق التي وُزعت على عناصر الاستخبارات بشأن المطلوبين من “حماس”، صورة العاروري على ورقة “الجوكر”، هو ومحمد ضيف.

رمزية مكان الاغتيال

لم يكتفِ العدو باغتيال ثاني أخطر شخصية بنظره في “حماس”، إنما تقصّد أن يُضفي على مكان الاغتيال (الضاحية الجنوبية لبيروت) بُعداً أمنياً استراتيجياً هدفه كسر إحدى أهم قواعد الاشتباك التي أطلقها السيد حسن نصر الله في 28 آب/أغسطس 2023، بتأكيده أن أي اغتيال على الأرض اللبنانية، “يطال لبنانياً أو فلسطينياً أو سورياً أو إيرانياً أو غيرهم بالتأكيد، سيكون له رد الفعل القوي ولن نسمح أن تُفتح ساحة لبنان للاغتيالات ولن نقبل على الإطلاق بتغيير قواعد الاشتباك”؛ وبالتالي، وضع العدو “حزب الله” عند مفترق طرق: إما أن يحافظ على قاعدة الاشتباك المذكورة، فيعمد إلى الرد وتحمل تبعاته، ويقع حينها في فخ التوقيت الإسرائيلي للحرب على الجبهة الشمالية، أو يمتنع عن الرد ويؤجله لوقت آخر، مما يجعل الحزب عرضة للانتقاد أو يضعه في خانة العاجز!

رمزية التوقيت

إختار الإسرائيليون التوقيت قبل يوم واحد من ذكرى اغتيال قائد “قوة القدس” في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي (العراقي) أبو مهدي المهندس، وبعد يوم واحد من اغتيال القيادي في الحرس الثوري الإيراني رضي الموسوي في سوريا. وهذا التوقيت هدفه التعويض عما عجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيقه في غزة، فإذا به يُحقق أهدافاً متتالية في كل من سوريا (رضي الموسوي) ولبنان (العاروري) والعراق (تمكن الأميركيون، أمس (الخميس) من اصطياد أبو تقوى السعيدي أحد قادة “الحشد الشعبي” و”حركة النجباء” العراقية).

يقول الكاتب الإسرائيلي طال ليف رام في “معاريف” إنه “بعد التصفية المنسوبة لإسرائيل تعود الكرة الآن الى جانب حزب الله – كيف وهل سيرد وهل نحن في الطريق الى تصعيد إضافي في الحدود الشمالية – والأيام القادمة ستحدد اغلب الظن ما سيأتي”، أما زميله عاموس هرئيل، فإنه يشير إلى أن الرد “سيأتي بواسطة إطلاق كثيف للصواريخ من عناصر الحركة في لبنان، أو من خلال شن هجمات في الضفة الغربية. الأيام المقبلة في الضفة والقدس ستكون حساسة للغاية، فالعديد من عناصر الذراع العسكرية لـ”حماس” في الضفة الغربية، الذين حصلوا منها على مال وتوجيهات، سيرغبون الآن في الانتقام، إلى جانب مشاعرهم القوية إزاء أعمال القتل في غزة”.

بدوره، يقول يؤاف ليمور في “يسرائيل هيوم” إن تصفية العاروري تزيد جداً احتمال توسع الحرب وان تتحد كل الساحات، بما في ذلك الضفة التي للعاروري فيها علاقات واسعة. ويعتبر أن التحدي الإسرائيلي الآن سيكون منع هذا وإبقاء حزب الله مردوعاً، “فاذا حصل هذا يمكن لإسرائيل أن تتنفس بعض الهواء لأول مرة منذ السبت الأسود، مع علمها أن “حماس” بدأت تدفع الحساب وبأمل ان تدفع في المستقبل القريب جداً”.

إقرأ على موقع 180  شجرة العبادة.. وثمرة العدالة

وفي إنتظار ما سيقوله الأمين العام لحزب الله في خطابه اليوم (الجمعة)، كان واضحاً في خطابه الأخير بتأكيده أن الرد حتمي على جريمة اغتيال العاروري، قبل أن يستدرك بالعودة إلى موضوع الحرب التي تُهدّد إسرائيل بشنها على لبنان قائلاً: “من يفكر بالحرب معنا بكلمة واحدة سيندم إن شاء الله، الحرب معنا ستكون مكلفة جداً جداً جداً، إذا كُنا حتى الآن ‏نُداري الوضع اللبناني والمصالح الوطنية اللبنانية، فإذا شُنّت الحرب على لبنان فإن مُقتضى المصالح ‏الوطنية اللبنانية أن نذهب بالحرب إلى الأخير بدون ضوابط”.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  أحداث الشرق الأوسط تداهم بايدن.. ماذا بعد؟