أية تداعيات إستراتيجية ستترتب على الرد الإيراني.. الحتمي؟

تمرّ المنطقة والإقليم، بل ودول القرار في العالم، منذ 12 يوماً في حالة تأهب وترقّب استثنائية قلّما شهدت مثلها في السنوات الماضية، انتظاراً للرد العسكري الإيراني على العدوان "الإسرائيلي" الذي استهدف في بداية نيسان/أبريل الجاري القنصلية الإيرانية في دمشق، والتداعيات المحتملة التي ستنجم عن الرد.

يأتي هذا التطور في خضم أحداث جسام تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي مع استمرار المأزق العسكري “الإسرائيلي” في غزة واستفحال حملة الإبادة التي يقوم بها جيش الإحتلال. هذا المزيج مما حصل وما قد يحصل أطلق توقعات بأن المنطقة مقبلة على تطورات ستترك تداعيات هامة باتجاهات شتى، ولا سيما في ما يتعلق بآفاق تطور الصراع مع إسرائيل.

وقد أطلقت الدوائر الأميركية و”الإسرائيلية” تقديرات متباينة حيال الخطوة العسكرية الإيرانية، تراوحت بين تمنّي أن تكون شكلية لردّ الإعتبار لإيران، وبين التخوف من أن يُكرّس ذلك مزيداً من الضغط على “إسرائيل” ومزيداً من التورط العسكري الأميركي في الإنحياز إلى جانبها، بينما تحاول إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حصر الأضرار والتوصل الى صفقة تطبيع جديدة بين دول عربية و”إسرائيل” قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إيران مرّرت – بحسب موقع “إكسيوس” الأميركي – رسالة واضحة للولايات المتحدة: إذا تدخلت أمريكا إلى جانب “إسرائيل” في الإشتباك، فإن إيران ستُهاجم القوات الأميركية في المنطقة. وهذا الموقف ينمُّ عن قرار جريء بالمضي في معاقبة “إسرائيل”، من دون الإلتفات إلى الضغوط والتحذيرات ومحاولة رسم سقف منخفض للخطوة المرتقبة

دلالات الرد الإيراني

يمكن القول إن الرد الإيراني تجاوز مرحلة التكهن، ويتعامل معه الجانبان “الإسرائيلي” والأميركي على أنه حاصل، بعد فترة من الضبابية الإعلامية ونشر توقعات عن تجنب إيران الصدام مع “إسرائيل” مباشرة. ويحمل الرد الإيراني المرتقب دلالات غاية في الأهمية، بالنظر إلى مسار الأحداث الراهنة ودخول إيران رسمياً على خط الصدام العسكري المباشر مع الكيان “الإسرائيلي”. ومن بين هذه الدلالات:

 أولاً؛ يُؤسس الردّ لمعادلة جديدة في المنطقة، وليس مجرد تسجيل ردّ اعتبار لطهران. يُدرك الإيرانيون أن الرد المباشر على الاعتداءات “الإسرائيلية” المتكررة أفضل اليوم من عدم الرد مطلقاً أو تأخير الرد إلى أجل غير مسمى، وأن مخاطر الرد على العدو أقل أهمية من مخاطر تحمل التكلفة التي تزداد خطورة مرة بعد أخرى.

الجدير ذكره أن الاعتداءات “الاسرائيلية” السابقة على مواقع يوجد فيها إيرانيون في سوريا كانت تستهدف في وقت من الأوقات المنشآت والمعدات العسكرية، وكان العدو يتجنب إيقاع خسائر بشرية لتفادي ردّ إيراني لاحق. وعندما قضى سبعة من المستشارين الإيرانيين في قاعدة “تي فور” في حمص في نيسان/أبريل 2018، يُقال أن الإيرانيين تجاهلوا أو لم يستجيبوا في الوقت المناسب لإنذار وردهم من جهة صديقة (روسيا) بشأن الغارة، وكانت تلك أول خسارة إيرانية معروفة في مسلسل الغارات “الاسرائيلية” على سوريا. بعدها، أصبحت المراكز الإيرانية عرضة لغارات “إسرائيلية” متكررة.

ومنذ بدء “طوفان الأقصى”، إستشهد عدد من كبار الضباط الايرانيين في سوريا في ثلاث ضربات، كان أولهم رئيس المستشارين الإيرانيين في سوريا العميد رضي الموسوي في دمشق، ومن ثم مجموعة من استخبارات حرس الثورة في مبنى في حي المزة بدمشق، ثم قائد فريق حرس الثورة في سوريا ولبنان العميد محمد رضا زاهدي ونائبه في قصف القنصلية. وعلى ذلك، أصبح واضحاً بالنسبة لطهران أن مسار الإعتداءات “الإسرائيلية” تصاعدي ولا بد من إيقافه بخطوة رادعة وليست شكلية.

وعليه، تريد الجمهورية الإسلامية، كما عبّر مرشدها السيد علي خامنئي، أن تُوجه “صفعة” لـ”إسرائيل” يبقى أثرها طويلاً على الوعي “الإسرائيلي” الذي تفلَّت من عقاله منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ثانياً؛ لم تُعر إيران أذناً صاغية للرسائل الأميركية بعدم مهاجمة “إسرائيل”، وهي رسائل اقترنت بالتأكيد أن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب تل أبيب في حال وقوع هجوم إيراني عليها، حتى أن بايدن نفسه قال للصحافيين “سندعم إسرائيل وسنساعد في الدفاع عنها.. وإيران لن تنجح”.

ولم تستجب طهران لاتصالات عبر العديد من القنوات التي شغّلتها أمريكا على وجه السرعة (عربية وأوروبية وصينية ويابانية) لعدم ضرب “إسرائيل” مباشرة (والإقتصار إذا أمكن على ضربة من قبل حلفاء لإيران) أو للقيام بردّ شكلي. وبالتأكيد، تجاوزت إيران اعتراض الرئيس الأميركي وتحذيراته، في الليلة ما قبل الماضية وكذلك تحركات القطع الأميركية الجوية والبحرية وتمديد قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي وجوده في فلسطين المحتلة. بل إن إيران مرّرت – بحسب موقع “إكسيوس” الأميركي – رسالة واضحة للولايات المتحدة: إذا تدخلت أمريكا إلى جانب “إسرائيل” في الإشتباك، فإن إيران ستُهاجم القوات الأميركية في المنطقة. وهذا الموقف ينمُّ عن قرار جريء بالمضي في معاقبة “إسرائيل”، من دون الإلتفات إلى الضغوط والتحذيرات ومحاولة رسم سقف منخفض للخطوة المرتقبة.

ثالثاً؛ حتى من دون إطلاق صاروخ واحد، قطعت الجمهورية الإسلامية بالفعل حتى الآن نصف المسافة في الرد، بفعل طريقة إدارة الحرب النفسية. ويكفي الوقوف على انعكاسات حالة الإنتظار “الإسرائيلية” في كل المرافق المدنية والعسكرية لمعرفة حجم التوتر الذي يعيشه كيان العدو.

رابعاً؛ ما بعد الضربة الإيرانية ستكون مرحلة مختلفة عما قبلها. إيران دخلت ساحة القتال المباشر مع “إسرائيل” من دون قفازات، ولا يهمّ كم سيدوم الأمر؛ المهم هو القرار والأثر. وقد وفّرت الغطرسة “الإسرائيلية” السبب والعذر الكامل لإيران في اتخاذ هذه الخطوة. قال محللون “إسرائيليون” في الساعات الماضية إن “إسرائيل” لم تتوقع مثل هذا الرد القوي من إيران، “وربما النخب السياسية الإسرائيلية تأسف على اغتيال القادة الإيرانيين في دمشق مؤخراً”.

إقرأ على موقع 180  حزب المصارف.. الحاكم الفعلي للبنان

خامساً؛ هناك دولة إسلامية في المنطقة تتحدى “إسرائيل” عسكرياً، من بين كل الدول العربية والإسلامية التي لم تتجرأ على اتخاذ قرار مقاطعة كيان العدو إقتصادياً وسياسياً (بالنسبة للدول التي تُطبّع فعلياً) أو لم تُهدّد بوقف مفاوضات التطبيع نهائياً في حال استمرار الإبادة في غزة (بالنسبة للدول التي تفاوض تحت الطاولة وفوقها من أجل التطبيع). من بين ركام هذا الصمت المدوّي، هناك صوت واحد لا يتقيد باللعبة، ويزعزع استقرار “إسرائيل” من تحت الطاولة، والآن من فوقها، ويحسب نَقْلاته بصبر استراتيجي طويل، من دون حماسة زائدة، وأيضاً من دون أي وجل أو خوف.

كيف ستتعامل “إسرائيل” مع الضربة المرتقبة؟

من المفيد الإشارة إلى أن الجانب “الإسرائيلي” يتعامل مع الرد الإيراني المنتظر بتقديرات متفاوتة:

1- بدايةً، كان لديه اعتقاد بأن ايران لن تلجأ إلى الرد المباشر، بل ستترك لحلفائها هذه المهمة.

2- عندما تأكد “الإسرائيلي” بأن ايران عازمة على الرد مباشرة، بدأ يُطلق تصريحات بأنه سيقوم بالرد على الرد.

3- عندما توفرت إشارات لدى المصادر الاستخبارية الأميركية تفيد بأن الرد الإيراني “سيكون كبيراً”، بدأت “إسرائيل” تُشيع بأنها “قد تتسامح مع رد إيراني يقتصر على أضرار مادية، لكنها ستردّ إذا وقع قتلى”، وفق ما نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن دبلوماسيين.

الواضح مما سبق أن “إسرائيل” لم تُدرك عواقب الهجوم على المقر الدبلوماسي الإيراني في دمشق، وأنها جعلت دولة إقليمية مُقتدرة تتجرأ على اتخاذ قرار بضربها في عقر دارها، من الآن فصاعداً، وهذا يُوجه ضربة لقوة الردع “الإسرائيلية”.

سيؤدي الرد الإيراني إلى إضافة تهديد آخر لعمق “إسرائيل” الجغرافي لم تنجح الوحشية الفائقة في قطاع غزة في إبعاده عنها. وسيترتب على ذلك تأكيد حاجة “إسرائيل” مرة أخرى إلى الحماية الأميركية العاجلة للمرة الثانية خلال ستة أشهر، وهذا ما يضعها في موقف ضعف استراتيجي

ما هي المعايير الإيرانية للرد؟

من الواضح أن المعايير الإيرانية تتجاوز الحسابات “الإسرائيلية”. فلم يعد بمقدور إيران أن تواصل الصبر على تشييع شهدائها الذين يقضون بين وقت وآخر في غارات على مواقع في سوريا. حينها كانت طهران ترى أن قضية فلسطين تستحق هذه التضحيات، وأن الربح الإستراتيجي هو في استمرار المقاومة واستنزاف العدو. لكن العدوان على مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، وهو ملاصق تماماً للسفارة الايرانية، نقطة فاصلة دفعت للتقدم خطوة هجومية في سيرورة قرار القيادة الإيرانية التي تتأنى في العادة في اختيار خطواتها.

وعليه، من المتوقع أن يلحظ الرد الإيراني معايير عدة:

  • ضرب أهداف “إسرائيلية” ذات قيمة رمزية سياسية أو أمنية لها علاقة بالهجوم على القنصلية الإيرانية، أو أصول عسكرية استراتيجية أنيط بها تنفيذ الغارة.
  • إيقاع قتلى في الجانب “الإسرائيلي” بشكل يستوفي ثمن العدوان على القنصلية.
  • توجيه ضربة معنوية قاسية للغطرسة “الإسرائيلية” في المنطقة.
  • رفع مستوى حصانة أصول الجمهورية الإسلامية الدبلوماسية والعسكرية داخل ايران وخارجها.
  • تعزيز التلاحم العملي مع بقية أطراف محور المقاومة، وهذا قد يظهر في شكل الرد ونطاقه.

هل سيكون لهذه الضربة أثر على المواجهة الدائرة على جبهة غزة أو جبهة جنوب لبنان؟

من المُبكر تقدير الموقف، لكن بشكل عام هناك سيناريوهان:

  • أن تؤدي الضربة الإيرانية إلى تراخي قبضة العدو على غزة، انطلاقاً من إعطاء أولوية مستجدة للتعامل مع التحدي العسكري الإيراني. ويمكن أن تتحجّج حكومة العدو بهذا التطور للنزول عن شجرة التعنت في المواجهة الجارية في غزة. ومن شأن تصاعد المواجهة مع ايران أن يؤدي إلى إرهاق إضافي للقدرات الدفاعية “الإسرائيلية” ويسهم في تآكل الردع “الإسرائيلي”: مرة أمام المقاومة الفلسطينية، ومرة أمام المقاومة اللبنانية، ومرة ثالثة ربما أمام إيران. وسبق لنتنياهو أن هدّد ايران مراراً في الماضي، وها إن الفرصة قد واتته للمواجهة العسكرية التي قد تكشف قلة حيلة “إسرائيل”، وفق هذا السيناريو.
  • أن تؤدي الضربة الإيرانية إلى تصعيد “إسرائيلي” في اتجاه لبنان وسوريا على نحو خاص لاستعادة نوع من الإعتبار في حال عدم حصول العدو على الدعم الأميركي الكافي في مواجهة إيران مباشرة، بناءً على رؤية واشنطن لمصالحها وأمن قواتها في المنطقة. وفق هذا السيناريو، ستعمل “إسرائيل” تحت سقف معادلة إيران الجديدة المبنيّة على تقليص قوة الردع “الإسرائيلي”. لكن يُمكن الإفتراض أن العوامل التي حالت حتى الآن دون توسيع العدو جبهة القتال مع لبنان ستبقى ضاغطة عليه، وبخلاف ذلك سيُخاطر العدو بالإنزلاق إلى مخاطر جسيمة قد تفضي إلى تداعيات أمنية وسياسية تضاف إلى ما يعانيه في المواجهة التي لم يتمكن من حسمها ضد المقاومة في غزة.

في مطلق الأحوال، سيؤدي الرد الإيراني إلى إضافة تهديد آخر لعمق “إسرائيل” الجغرافي لم تنجح الوحشية الفائقة في قطاع غزة في إبعاده عنها. وسيترتب على ذلك تأكيد حاجة “إسرائيل” مرة أخرى إلى الحماية الأميركية العاجلة (أقله على مستوى توفير درع مضاد للصواريخ والمُسيّرات) للمرة الثانية خلال ستة أشهر، وهذا ما يضعها في موقف ضعف استراتيجي إضافي أمام التهديدات الخارجية.

Print Friendly, PDF & Email
علي عبادي

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الأزمات المالية العربية.. نقاط على حروفها