إنتخابات إيران.. فرصة بزشكيان في “الأولى”.. وإلّا قاليباف في “الثانية”!

في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو الجاري، تشهد إيران انتخابات رئاسية مُبكّرة، ميزتها أنها تُحرّك المياه الراكدة في المسرح السياسي الإيراني، لا سيما في ضوء الانتقادات التي وُجِّهت للنظام في السنوات الأخيرة لجهة تمركز السلطة بيد رموز التيار الأصولي بعد استبعاد رموز التيارين المعتدل والإصلاحي من الشراكة في معظم مؤسسات النظام.

وأن تصدر مثل هذه الانتقادات لتجربة السنوات الأخيرة عن الإصلاحيين، فهذا أمر مألوف، بسبب ما يعتقده هؤلاء من “تعمد ابعادهم عن مفاصل المؤسسات، بواسطة أحد أبرز أذرعة السلطة، ألا وهو مجلس صيانة الدستور”، الذي ينظر عادة في أهلية المرشحين للانتخابات البرلمانية والرئاسية ومجالس البلديات؛ ولكن اللافت للانتباه أن هذه الانتقادات تصدر هذه المرة تلميحاً أو مباشرةً عن بعض النخب ومراكز التفكير والأبحاث، وبعضها مقرب من الوسطيين في التيار المحافظ.. ولسان حال هؤلاء أن سيطرة لون واحد من التفكير علی مراكز القرار أفقد النظام مساحة كبيرة من الحركة والحيوية في اتجاهات مختلفة وعطّل طاقات وامكانات وخبرات وقدرة على الاستفادة من تجارب كان يُمكن توظيفها في مجالات سياسية وإدارية وفنية واقتصادية وثقافية إلخ.

بهذا المعنى، يُصبح قرار مجلس صيانة الدستور بتزكية شخصية مرشحة من قبل “الجبهة الاصلاحية”، مسعود بزشكيان، للدخول في السباق الانتخابي، نقطة مضيئة تُحسب للنظام السياسي الذي ربما شعر بضرورة اشراك تيار سياسي شعبي يمتلك حضوراً لا يقلّ اتساعاً عن منافسه التيار الأصولي. زدْ على ذلك أن اقصاء الإصلاحيين أدی إلی انخفاض نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية السابقة لأقل من 50 بالمئة، كما انعكس ذلك بتراجع الاقبال الشعبي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

سيكون بزشكيان الخاسر الأكبر إذا ما رُحّلت الانتخابات إلى مرحلة الإعادة (5 تموز/يوليو)، أي أنه إذا لم يتمكن من حسمها لمصلحته من الجولة الأولی ستكون لمصلحة قاليباف في الثانية، أما جليلي، فإنه يضمن الــ 30% من أصوات الأصوليين، لكن من الصعب تحريك “الكتلة الرمادية” لمصلحته بسبب مواقفه المتشددة حيال القضايا المطروحة في الداخل الإيراني

وتشير التقديرات الأولية إلی أن الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الراهن سيشهد اقبالاً أفضل من سابقه بل ربما ـ كما يعتقد المهتمون بالاجتماع السياسي ـ نشهد تكرار تجربة العام 1997 عندما فاز الرئيس محمد خاتمي على منافسه المدعوم حينذاك من كافة مراكز القرار الإيرانية (المحافظة) علي أكبر ناطق نوري.

لا أريد المبالغة بشأن امكان تكرار تجربة العام 1997 في العام 2024 بسبب تغير الكثير من الظروف والمعادلات السياسية، سواء الداخلية منها أو الاقليمية والدولية؛ لكن محاولة قراءة اتجاهات الرأي في المجتمع الانتخابي الإيراني ربما تُسهّل علينا حل بعض أحجية المعادلات الانتخابية المعقدة في الشارع الإيراني.

ويُمكن تقسيم المجتمع الانتخابي الإيراني إلی ثلاثة أقسام: الأول يُمثّله الأصوليون المتحزبون العقائديون بنسبة 30%؛ الثاني يُمثّله الاصلاحيون المتحزبون العقائديون بنسبة 30% أيضاً؛ الثالث تُمثّله نسبة 40% المتبقية وهؤلاء يندرجون في خانة “الكتلة الرمادية”، وهي كتلة متحركة قابلة للانزياح في هذا الاتجاه أو ذاك تبعاً لدوافع ومصالح وحسابات خاصة. وإذا أردنا تفكيك تركيبة “الكتلة الرمادية”، يُمكن أن تتوزع بنسبة 10% على كل من التيارين الأصولي والإصلاحي؛ أما النسبة المتبقية من “الرمادية” (20%)، فيصح القول عنها إنها “كتلة صامتة” ليس من السهل تحريكها إلا بموجب عناصر جذب واغراء عالية جداً.

ومن الطبيعي أن أي مرشح من أيٍ من التيارين يضمن نسبة 30% لاعتبارات حزبية وعقائدية؛ لكنّه يُركّز جهده على استقطاب “الكتلة الرمادية” في صناديق الاقتراع؛ مُستفيداً من مناخ المنافسة المحمومة. واستناداً إلی ذلك عندما بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية السابقة نسبة 43% فإنها في حقيقة الأمر شملت الـ 30% الأصولية المحافظة إضافة إلی 13% من “الكتلة الرمادية”، وهي المؤيدة والصديقة للتيار المحافظ فيما قرّر التيار الإصلاحي وجمهوره عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع وترك الباب مفتوحاً أمام من يريد التصويت بورقة بيضاء، بسبب عدم المصادقة علی أهلية أيٍ من المرشحين الإصلاحيين. واستناداً إلی ذلك، فقدت الانتخابات السابقة مشاركة 60% بسبب انكفاء وسط سياسي ـ اجتماعي (الإصلاحيون) عن المشاركة في الانتخابات.

راهناً؛ سيُشارك التيار الاصولي المحافظ بزخم كعادته في الانتخابات، وفق حجمه الانتخابي، في الوقت الذي يطمح فيه إلی تحفيز المنضوين في خانة “الكتلة الرمادية” لكي يعطوا أصواتهم لأحد المرشحين المحافظين (محمد باقر قاليباف أو سعيد جليلي على سبيل المثال لا الحصر)؛ وهذا ما يطمح إليه أيضاً التيار الإصلاحي، لكن ثمة مُحدّدات أمام كلا التيارين، فالتيار الأصولي المحافظ ينزل إلى الانتخابات بخمسة مرشحين، وهذا يعني احتمال تشتت الأصوات، اللهم إلا إذا وافق عددٌ منهم على الانسحاب لمرشح أصولي واحد، وهذا غير ممكن بناءً علی تصريحات هؤلاء المرشحين حتى الآن؛ لكن الاحتمال الأقوی هو أن ينسحب مرشحان اثنان هما علي رضا زاكاني، وأمير حسين قاضي زادة هاشمي لمصلحة المرشح سعيد جليلي، وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن ينسحب المرشح الأصولي مصطفی بور محمدي لمصلحة المرشح محمد باقر قاليباف، وهذا يعني بقاء جليلي وقاليباف في مضمار السباق، وهي أفضل حالة للتيار الأصولي المحافظ لكنها أيضاً ليست لمصلحة هذا التيار لأن الاصوات ستتشتت أو تتوزع على المرشحين قاليباف وجليلي. أما التيار الإصلاحي فإنه سيتكمثل بمرشح واحد هو مسعود بزشكيان، برغم أن الأخير لم يحظَ حتى الآن بقبول من جميع الأحزاب والتجمعات الاصلاحية حيث تعمل شخصياته وأحزابه لاقناع هذا الجمهور بوجوب المشاركة في الانتخابات لوضع حد لتفرد الجناح الأصولي بالسلطة.

إقرأ على موقع 180  قائد الجيش اللبناني يُحذِّر السياسيين.. هل يُنفّذ؟

واذا نجح بزشكيان في اقناع جميع الشخصيات والأحزاب الاصلاحية بدعمه، تُشير التوقعات الی احتمال حصول مرشح هذا التيار علی أغلبية قاطعة، كما حدث تحديداً خلال انتخابات العام 1997 بسبب صب “بلوك” من الأصوات الإصلاحية لمصلحة مرشح واحد (بزشكيان).

ووفق استطلاعات رأي انتخابية؛ يُمكن القول إن إيران مقبلة على عملية انتخابية ستتوزع علی مرحلتين.. وبالتالي ستكون المنافسة في المرحلة الأولى بين المرشحين الثلاثة مسعود بزشكيان، سعيد جليلي ومحمد باقر قاليباف. أو تنحصر إما بين بزشكيان وقاليباف أو بين بزشكيان وجليلي؛ لكن الاحتمال الأضعف أن تكون بين الأصوليين جليلي وقاليباف.

وباعتقادي، سيكون بزشكيان الخاسر الأكبر إذا ما رُحّلت الانتخابات إلى مرحلة الإعادة (5 تموز/يوليو المقبل)، أي أنه إذا لم يتمكن من حسمها لمصلحته من الجولة الأولی ستكون لمصلحة قاليباف في المرحلة الثانية، أما جليلي، فإنه يضمن الــ 30% من أصوات الأصوليين، لكن من الصعب تحريك “الكتلة الرمادية” لمصلحته بسبب مواقفه المتشددة حيال القضايا المطروحة في الداخل الإيراني.

بكل الأحوال، تبقی حسابات الدولة العميقة، وهذه الحسابات لا دخل لي بها، ولا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم.. وأنا لست واحداً منهم!

([email protected])

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الطاقة النووية VS حروب "كسر العظم"!