بابا الفاتيكان في يومه اللبناني الأول: دعوة إلى شفاء الذّاكرة وبناء مستقبلٍ مشتركٍ للبنانيّين

هي زيارة تاريخية بتوقيتها ومضمونها. البابا لاوون الرابع عشر في لبنان، لمدة ثلاثة أيام. ثاني محطة (بعد تركيا) في أول زيارة خارجية له منذ تنصيبه رئيساً للكنيسة الكاثوليكية في العالم في 18 أيار/مايو 2025 خلفاً للبابا الراحل فرنسيس. العنوان الكبير للزيارة "طوبى لفاعلي السلام".

لم يكن خطاب قداسة البابا لاوون الرّابع عشر في القصر الجمهوريّ اللبناني، أمس (الأحد) مجرّد محطةٍ عابرةٍ في سجلّ العلاقات الدّبلوماسيّة. الخطاب جاء في لحظة وجوديّة عبارة عن وثيقةٍ لاهوتيّةٍ وسياسيّةٍ معمّقة، تفكّك الأزمة اللّبنانية وتضع يدها على مكامن الخلل في بنية الحكم والمجتمع؛ فقد تجاوزت كلماته الرّسميّات لتعلن أنّ السّلام (الكلمة التي تكررت 27 مرة في خطاب واحد) في هذه الأرض ليس هدفاً يُنَالُ بالصدفة أو بمجرّد التّوقيع على هدنة، وإنّما هو، كما وصفه قداسته ببراعة، “شَوْقٌ ومصير، وعطيّةٌ وورشة عملٍ مفتوحةٌ دائمًا”، حيث يرسّخ بذلك مفهوماً لاهوتيّاً-إجرائيّاً للسّلام يرفض السكون ويدعو إلى الجهد المشترك المتواصل، كاشفاً عن عمق الأزمة التي تتطلّب تدخّلاً نبويّاً لا مجرّد تسويةٍ سياسيّة، وبذلك يضع على عاتق السّلطة في لبنان مسؤوليّة تحويل هذا “الشوق” الوجدانيّ إلى “واقعٍ” ملموس.

وفي ضوء هذا التّعريف المركّب للسلام، رفض البابا بشكلٍ قاطعٍ فكرة السّلام الزّائف أو المؤقّت، منتقداً بشدّةٍ نموذج “التّوازن الدّائم والمهترئ” الذي يجعل المكوّنات في حالة انفصالٍ قسريٍّ تحت سقفٍ واحد، وهو ما يُبْقِي بذور النّزاع كامنةً تحت السّطح؛ وبدلاً من ذلك، وضع البابا شروطاً جديدةً للحكم، إذ أعلن أنّ السّلام الحقيقيّ هو “أنْ نعرف كيف يمكننا العيش معًا جنبًا إلى جنبٍ في سبيل مستقبلٍ مشترك”، وهذا التّصوّر يفرض على السّلطات التزاماً كاملاً بوضع الذّات في “الخدمة” المطلقة للمواطن، معتبراً أنّ أيّ انفصالٍ عن هذه الحتميّة الوجوديّة يشكل خيانةً للميثاق الوطنيّ؛ وبالتالي، فإنّ دعوته للقيادة بأنْ تتوقّف عن حالة “الانفصال” التي تعيشها عن الشّعب، هي نقدٌ مباشرٌ للطّبقة السّياسيّة التي تعيش في عزلةٍ عن المعاناة اليوميّة، وتعتبر الحكم امتيازاً لا مسؤوليّة.

لم يكتفِ البابا بتشخيص الخلل، بل قدّم منهجاً عمليّاً للقيادة، مؤكداً أنّ تحويل رغبة الشّعب في السّلام إلى واقعٍ هو “واجبكم الأساسيّ الّذي لا يمكن التّهرّب منه”؛ وهذا الواجب ليس مجرّد نصيحة، بل تفويضٌ أخلاقيٌّ يُلْزِمُ المسؤولين بتطبيق حكمٍ رشيدٍ يقوم على أساسين، أولّهما التّوقّف عن “الانفصال” والالتزام بوضع الذّات في “الخدمة”، وثانيهما هو ضرورة وضع “المصلحة العامّة فوق كلّ اعتبار”، الأمر الذي يُعَدُّ نقداً لاذعاً ومباشراً لثقافة الزّبائنيّة التي سادت لعقود، معلناً أنّ شرعيّة الحكم مرهونةٌ بالتزامها بهذا المبدأ السّامي، وهذا يتطلّب تحوّلاً جذرياً في الأخلاق السّياسية، بعيداً عن المصالح الفئويّة والشّخصيّة.

الشفافية والمساءلة وشفاء الذاكرة

وفي سياقٍ متّصل، أقرّ البابا بقيمة الصّمود الشّعبي، حيث أكّد أنّ الشّعب لا يستسلم، “بل يصمد أمام الصّعاب ويعرف كيف يولد من جديد”؛ وهو ما يُلْزِمُ القيادة بالتّحدّث بـ”لغة الرّجاء” بدلاً من خطاب اليأس أو الوعود الواهية، إذ أنّ هذه اللغة ليست مجرّد عزاء، بل هي أداة قيادةٍ ضروريّةٌ تستمدّ مصداقيّتها من الشّفافيّة والمساءلة، وهما المكوّنان الأساسيّان لـبناء الثّقة العامّة؛ فالقيادة التي تتحدّث لغة الرّجاء هي القيادة القادرة على استثمار هذا الصّمود وتحويله إلى قوةٍ دافعةٍ للتّغيير والنّهوض، وهذا يفرض على القادة مسؤوليّةً مضاعفة، تتبدّى في عدم استغلال رصيد الشّعب في التّحمل، بل قيادته وتنميته نحو الأمل الفعليّ.

ولم يقتصر اللقاء على رسالة البابا، فقد جاء ردّ رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، مؤكّدا على الهويّة الجوهريّة للوطن ومرسّخا لموقف الصّمود التّاريخيّ. فقد شدّد الرّئيس، في كلمته التّرحيبية، على أنّ لبنان ليس مجرّد “أرضٍ تاريخيّة، بل وطن الحرّية والكرامة لكل إنسان،”، معتبراً هذا التّنوّع والمساواة بين أبناء الدّيانات المختلفة جوهر فرادته وسرّ بقائه في المنطقة؛ كما رفع الرئيس عون صوته ليحذّر بشدةٍ من خطر انهيار هذا النّموذج، جازماّ أنّ “سقوط مشروع العيش المشترك في لبنان لن يقتصر أثره على اللّبنانيين، بل سيعرّض الإنسانيّة والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافةً لخطرٍ لا يقدّر”، معتبراً أنّ بقاء لبنان هو شرطٌ لقيام السّلام الإقليميّ؛ واستعاد عون ما كان قد قاله من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر الماضي: إذا زالَ المسيحيُ في لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتُها.. وإذا سقطَ المسلمُ في لبنان، اختلت معادلة الوطن، واختلّ اعتدالها”. وتوافقت كلمة الرّئيس مع دعوة البابا لرفض اليأس والهجرة، وأكّد رفضه القاطع للتّخلي عن الوطن، مختتما كلمته ببيانٍ شجاعٍ يخاطب العالم: “ابلغوا العالم عنّا، بأنّنا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم. بل سنظلّ هنا، نستنشق الحرّيّة، ونخترع الفرح ونحترف المحبة”.

لكنّ العمق الفلسفيّ للخطاب البابوي تجلّى في تناوله جذور الأزمة، حيث أدرك البابا لاوون الرابع عشر أنّ الأزمة ليست اقتصاديّةً سطحيّة، بل هي أزمة ذاكرةٍ عميقة، ولذا شخّص الحالة بوجود جراحٍ تتطلّب لمعالجتها “سنواتٍ طويلة، وأحيانًا أجيالًا كاملة”؛ وفي هذا السّياق، قدّم البابا المعادلة المفتاحيّة لـ”شفاء الذّاكرة”، مُعْلِناً أنّ “الحقيقة والمصالحة تنموان دائمًا وفقط معاً”، الأمر الذي يتطلب رفض منطق النّسيان أو الإملاءات السّياسيّة، ويفرض ضرورة “اللّقاء” الصّادق بين الأطراف لـتحرير كلّ طرفٍ من أسر آلامه ورؤيته المنغلقة، مشدداً على أنّ التّحرير من أَسْرِ الماضي هو الشّرط الأساسيّ لولادة رؤيةٍ وطنيّةٍ موحّدة، إذ أنّ المصالحة، بحسب رؤيته، ليست حدثاً، بل عمليّةٌ اجتماعيّةٌ وسياسيّةٌ طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق العدالة الانتقاليّة.

إقرأ على موقع 180  حزب الله ما بعد الذروة.. العودة إلى السيرة الأولى

السلام الدائم

وفي ختام رسالته، رفع الخطاب إلى مستوى الوصّية الرّوحية ضد اليأس، حيث أكّد البابا أنّ الالتزام من أجل السّلام لا يعرف الخوف أمام “الإخفاقات الظّاهرة”، مُطالباً المسؤولين برؤيةٍ استراتيجيّةٍ تتجاوز الفشل الآنيّ وعدم الاستسلام للعدميّة السّياسيّة؛ لكنّ الرّسالة الأكثر حدّةً كانت موجهةً للشّباب والكفاءات ضد موجات الهجرة العاتية، فقد أعلن البابا أنّ فاعلي السّلام “لا يهربون، بل يجرؤون على البقاء حتّى لو كلّفهم ذلك بعض التّضحية”، وبذلك، رفع البابا قرار البقاء في الوطن إلى مستوى فعل السّلام والمساهمة في الميثاق الوطنيّ، مُحَوِّلاً التّمسّك بالأرض إلى أعلى درجات صناعة السّلام، وهو ما يُلْزِمُ الجميع بالقيام بـ”التّضحية” المطلوبة لإنقاذ النّموذج اللّبناني الفريد، بدلاً من تركه ينهار تحت وطأة اليأس.

وعندما يتحدث رئيس الكنيسة الكاثوليكية عن السلام، لا يقصد السلام الذي يُفرض بالدماء والقتل والتجويع والتشريد والتجريف والتغول، كما نُشاهد فصوله في غزة منذ سنتين حتى يومنا هذا ولا السلام الذي يُفرض على شعب على حساب أرضه ووطنه ولا السلام الذي يعكس لعبة الأكثريات والأقليات. رؤية البابا عبّر عنها في أول خطاب له بعد انتخابه عندما أطل على المحتشدين المنتظرين من على الشرفة الرئيسية لبازيليك القديس بطرس قائلاً: إن سلام المسيح هو “سلام أعزل، وسلام ينزع السلاح؛ سلام متواضع وثابت. إنه سلام من عند الله، الله الذي يحبنا جميعًا بدون شروط (…) نحن تلاميذ المسيح، والمسيح يسبقنا في الطريق. إنَّ العالم يحتاج إلى نوره، والبشرية تحتاج إليه كجسر يوصلها إلى الله ومحبّته. ساعدونا أنتم أيضًا، وساعدوا بعضكم البعض على بناء الجسور، بالحوار، باللقاء، بالوحدة، لكي نكون شعبًا واحدًا يعيش في سلام دائم”.

في الخلاصة، يُعْتَبَرُ خطاب البابا لاوون الرابع عشر وثيقةً تأسيسيّة، تُحمّل القيادة اللبنانية مسؤولية الخروج من العزلة والخدمة بشجاعة، واضطلاع الشّعب بمسؤولية البقاء والمشاركة في شفاء الذّاكرة؛ وبالتالي، لم يكن الخطاب مجرّد تحليل، بل عبارة عن ميثاق روحيّ كامل يضع مصير لبنان أمام خيارٍ حاسم، إمّا تطبيق هذه المبادئ الشّجاعة والتحوّل نحو “ورشة عملٍ” مشتركةٍ تقوم على الحقيقة والمصلحة العامّة، أو الاستسلام لدائرة الفشل الأزليّة، ليصبح مصير الجمهوريّة مرهوناً بمدى شجاعة النّخبة في تطبيق هذه الوصيّة الرّوحيّة.

 

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  دائرة بوتين.. من نخبة سانت بطرسبورغ إلى جيل الولاية الرابعة