نبوءة بوكانن تتحقق: الأسطورة الغربية تسقط أخلاقيًا

في مطلع القرن الحادي والعشرين، أطلق السياسي والمفكر الأميركي باتريك جيه بوكانن صرخة تحذيرية في كتابه الشهير "موت الغرب"، معتبرًا أن الحضارة الغربية تسير نحو حتفها بسبب ما أسماه الانتحار البيولوجي الناتج عن نقص الولادات، والتآكل الثقافي الناجم عن ضياع الجذور المسيحية والقيم التقليدية. الأفول الذي تنبأ به بوكانن بات يتخذ مسارات أشد قتامة ووحشية مما خطه قلمه. فالغرب اليوم لا يواجه موتًا ديموغرافيًا صامتًا فحسب، بل يعيش حالة انكشاف أخلاقي كامل، تتجلى بوضوح في حرب الإبادة الجماعية على غزة، وفي سياسات البلطجة  تجاه كل من يرفض الانصياع لهيمنة الغرب المطلقة.

يُعدّ السقوط الأخلاقي الغربي في قطاع غزة نقطة فاصلة في تاريخ السردية الغربية المعاصرة؛ فقد قدّمت هذه الحضارة نفسها طويلًا بوصفها حارسًا أمينًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان وحرية الشعوب. إلا أن ما جرى من حرب إبادة شاملة شنتها إسرائيل، بدعم عسكري وسياسي ومادي غير محدود من أميركا وأوروبا، أثبت أن هذه القيم ليست سوى أدوات انتقائية تُستخدم ذريعة للتدخل في شؤون الدول النامية، بينما يتم تعطيلها بالكامل عندما تتعارض مع مصالح مشروع استعماري حليف.

ولعل المشاهد القادمة من غزة، حيث تُدمَّر الأحياء السكنية فوق رؤوس ساكنيها وتُستهدف المستشفيات والمدارس بأسلحة ذكية مصنَّعة في المصانع الغربية، شكّلت الإعلان العملي عن وفاة الليبرالية العالمية كمرجعية أخلاقية. هذا الانكشاف أكد أن الإنسانية في العرف الغربي قيمة عرقية محصورة بالإنسان الأبيض ومن يدور في فلكه، ما يعمّق فكرة بوكانن عن انعزالية الغرب، ولكن بصورة أكثر قبحًا، حيث تتحول الحضارة إلى قلعة مسلحة تدافع عن امتيازاتها بالدم والنار، ضاربةً عرض الحائط بكل المواثيق التي صاغتها بنفسها بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتوازي مع هذا السقوط الأخلاقي في الشرق الأوسط، يبرز نموذج آخر من أفول الحضارة يتمثل في تحوّل القوة العظمى إلى كيان يمارس البلطجة السياسية كمنهج وحيد في العلاقات الدولية. ويجسّد دونالد ترامب وتياره اليميني، المتقاطع في جوهره مع أفكار بوكانن القومية، ذروة هذا التوحش السياسي. فسياسة أميركا الخارجية تجاه دول مثل إيران وفنزويلا لم تعد تلتزم بأدنى معايير الدبلوماسية، إذ تحولت العقوبات الاقتصادية الشاملة إلى أداة لتجويع الشعوب وتدمير البنى التحتية المدنية، في شكل من أشكال الإرهاب الاقتصادي الذي يفتقر إلى أي مسوّغ أخلاقي. هذه البلطجة لا تقتصر على الخصوم، بل تمتد إلى الحلفاء والجيران، حيث يتم التعامل مع العالم كساحة للمساومات العقارية أو الصفقات التجارية القسرية، بعيدًا عن مفاهيم السيادة الوطنية.

وقد كشفت أطماع ترامب السياسية عن عقلية استعمارية متجددة لا تعترف بحدود أو بقوانين. فالحديث العلني عن رغبة أميركا في ضم غرينلاند من الدنمارك وكأنها مجرد عقار معروض للبيع، أو تهديد كندا، الجار والحليف الأقرب، بفرض رسوم جمركية خانقة تستهدف تقويض اقتصادها، يعكس تفكك الرابطة الحضارية التي كانت تجمع المنظومة الغربية. كما أن أسلوب التعامل مع كوبا وكولومبيا والمكسيك، القائم على الوعيد والابتزاز السياسي، يؤكد أن الغرب فقد ما كان يُسمّى بالقوة الناعمة أو القدرة على الإلهام، ولم يتبقَّ في جعبته سوى القوة الغاشمة والترهيب المادي. هذا التحول من نموذج مُلهِم إلى كيان مُهدِّد يمثل التعبير الأصدق عن الأفول الحضاري، فحضارة التخويف حتمًا هي حضارة فقدت روحها وبدأت بالتحلل من داخل بنيتها الأخلاقية قبل بنيتها السكانية.

ولا يمكن فهم هذا السقوط بمعزل عمّا أشار إليه بوكانن حول دور مدرسة فرانكفورت واليسار الثقافي في تفكيك المجتمع الغربي من الداخل. فقد رأى أن الغرب خضع لعملية تفريغ ثقافي أفقدته الإيمان بذاته وبقيمه التاريخية، ما أدى إلى حالة من العدمية الأخلاقية. هذه العدمية تفسر اليوم التناقض الفجّ بين الخطاب والممارسة، حيث يرفع الغرب شعارات حماية الحريات بينما يقمع التظاهرات الطلابية في جامعاته لأنها تندد بجرائم الاحتلال، ويتحدث عن العدالة فيما يحاصر شعوب فنزويلا وكوبا بذَرائع واهية. هذا الانقسام العميق بين الشعارات المعلنة والواقع العملي خلق فجوة مصداقية لا يمكن ردمها، ودفع شعوب الشرق والجنوب العالمي إلى فقدان الثقة نهائيًا بأي خطاب أخلاقي صادر عن العواصم الغربية.

إن ما نشهده اليوم هو عملية انتحار حضاري مزدوجة. فمن جهة، هناك التآكل القيمي الذي كشفت عنه دماء عشرات آلاف الأبرياء في غزة، حيث ضحّى الغرب بكل إرثه القانوني والإنساني لحماية كيان وظيفي يخدم مصالحه الاستعمارية. ومن جهة أخرى، هناك الانتحار السياسي الذي يقوده اليمين المتطرف عبر تفتيت النظام الدولي واللجوء إلى سياسات الهيمنة الفجّة التي لا تحترم صديقًا ولا عدوًا. ولم يعد انكشاف زيف الحضارة الغربية مسألة نظرية أو جدلًا فكريًا، بل حقيقة يعيشها المواطن المحاصر في كاراكاس، والمريض المحروم من الدواء في طهران، والطفل الذي يواجه آلة الموت في غزة. لقد سقطت الأسطورة التي بُنيت على مدى قرون، ولم يبقَ سوى هيكل تقني وعسكري ضخم يمتلك أحدث التكنولوجيات، لكنه يفتقر إلى أي مشروع إنساني حقيقي قادر على إلهام العالم.

يمكن القول أخيرًا إن موت الغرب لم يعد قضية ديموغرافية مرتبطة بمعدلات الخصوبة، كما تصوّر بوكانن، بل أصبح إفلاسًا في المعنى وانحلالًا في الضمير العالمي. فالحضارة التي تبارك الإبادة الجماعية، وتستخدم سلاح التجويع لتركيع الدول، وتهدد جيرانها بالابتزاز والضم، هي حضارة تعيش أفولها الأخير كقوة مُلهِمة للبشرية. لقد سقط القناع الأخلاقي بالكامل، وبدأت البدائل الدولية تتشكل بعيدًا عن الهيمنة الغربية، لا بدافع الرغبة في الصدام، بل هروبًا من منظومة لم تعد تتقن سوى لغة السلاح والبلطجة السياسية. إن نبوءة بوكانن تتحقق اليوم، ولكن بصورة مأساوية تجعل الغرب يسحب العالم معه نحو الهاوية، تاركًا خلفه إرثًا من الوعود المحطمة ودماءً لم تجف بعد.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  إيران.. الحرب على مدى كاتيوشا؟  
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  حصاد 2022.. الربح للصين وفنزويلا وتركيا والخسارة لروسيا وأوكرانيا