عندما تولّى نيكولاس مادورو رئاسة فنزويلا، عام 2013، ورث نظاماً كان منقسماً أصلاً إلى معسكرات متنافسة. لكنه تعمّد تعميق هذه الانقسامات. لماذا؟ لضمان ألّا تتمكن أي فئة من تحدّيه. وقد نجح في ترسيخ هكذا نظام لأن جميع الأطراف كانت بحاجة إلى مادورو لإدارة الصراع وتوزيع النفوذ فيما بينها. وعملياً، لقد حافظ مادورو على مجموعتين متنافستين تحت سيطرته.
كانت فنزويلا في عهد مادورو تُدار عبر بُنية ثُلاثية الأعمدة- البراغماتيون والمتشددون والجيش- قائمة على الردع المتبادل ووجود وسيط هو مادورو شخصياً. إلا أن هذا الواقع لم يعد قائماً الآن.
يقود التيار البراغماتي ديلسي رودريغيز، الرئيسة الحالية لفنزويلا، وشقيقها خورخي، رئيس البرلمان. تولّى الاثنان إدارة الملفين الاقتصادي والخارجي. ومنذ عام 2020، لعبت ديلسي دوراً محورياً في تخفيف القيود على الأسعار، ما أثار غضب الشيوعيين في البلاد. كما دفعت باتجاه “دولرة” محدودة وسياسات أكثر انفتاحاً على السوق. أما خورخي، فيُعد بمثابة “قناة” الاتصال الرئيسية بين كراكاس وواشنطن. ففي أواخر عام 2025، ناقش مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال خروج مادورو من السلطة، وما قد يترتب على ذلك. وعلى خلاف معظم كبار المسؤولين الفنزويليين، لم يواجه أيٌّ من الشقيقين (رودريغيز) اتهامات جنائية أميركية، ما عزّز مكانتهما في واشنطن، ومنحهما مرونة أكبر في التعامل مع الأحداث.
ثم هناك التيار المتشدّد الذي يقوده ديوسدادو كابيو، وهو ضابط سابق في الجيش الفنزويلي وكان مقرّباً من هوغو تشافيز، سلف مادورو. وبصفته وزيراً للداخلية والعدل، يسيطر كابيو، بشكل مباشر وغير مباشر، على الحزب الحاكم، وجهاز الاستخبارات، والشرطة الوطنية، وكذلك على ميليشيا تضم نحو 220 ألف عنصر. نظرة كابيو للعالم أكثر صلابة من الثنائي رودريغيز؛ فبالنسبة إليه، أي صفقة مع واشنطن تعني الاستسلام، وبالتالي لا مجال للمساومة أو التسويات. وقد رصدت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 25 مليون دولار مقابل أية معلومات تؤدي إليه، ووجّهت له اتهامات تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالاتجار بالمخدرات”.
حافظ مادورو على توازن بين الطرفين (آل رودريغيز وديوسدادو كابيو) من خلال تبديل مواقفه باستمرار واتخاذ مواقف رمادية. سمح للبراغماتيين (آل رودريغيز) بتحرير الاقتصاد وفتح قنوات للحوار، ثم تراجع عندما واجه مقاومة من المتشدّدين (أنصاركابيو). كذلك اعتمد على شبكات كابيو الأمنية في أعمال القمع، ثم قدّم تنازلات رمزية تحت الضغط الدولي. لم يكن بمقدور أي من الطرفين (آل رودريغيز وكابيو) إقصاء الآخر دون انهيار النظام بأكمله. وكان كلاهما بحاجة إلى مادورو كوسيط لضمان التعايش مع بعضهما البعض.
المؤسسة العسكرية
لم يكن الجيش الفنزويلي بمنأى عن هذه المعادلة، وولاؤه لم يكن ولاءه يوماً أيديولوجياً، بل كان- وما يزال- ولاءً اقتصادياً بالدرجة الأولى.
منذ العام 2014، يقود فلاديمير بادرينو لوبيز القوات المسلحة. وفي عام 2016، منحه مادورو حق السيطرة على توزيع الغذاء وإدارة الموانئ والبرامج الاجتماعية، ما زاد من نفوذ الجيش وجعله محوراً أساسياً في الحياة المدنية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الجيش الفنزويلي يعمل كـ”حارس بوابة”. وكل الأمور المتعلقة بالاستيراد، وتوزيع الغذاء، والحصول على الأدوية، وتشغيل الموانئ، كانت تمر عبره. كما أن التحكم في تدفقات الإيرادات منح المؤسسة العسكرية قوةً تفوق قدراتها القتالية الفعلية، خصوصاً في ظلّ تدهور الاقتصاد في البلاد. والمفارقة أن العقوبات الأميركية شدَّدت هذه القبضة بدل أن تضعفها.
اليوم، يهيمن الجيش عملياً على إدارة حركة البضائع والخدمات والبنية التحتية في البلاد- من الموانئ إلى الأسواق. ويشغل كبار الضباط مقاعد في مجالس إدارات الشركات ويديرون العقود الحكومية. والأهم من ذلك أنهم يسيطرون على جميع نقاط التفتيش، ما يمكّنهم من تحصيل ضرائب مفروضة وعمولات غير مشروعة (رُشى وغيرها) تصل إلى نحو 50% من قيمة البضائع والشحنات.
ولضمان استمراره، عمد نظام مادورو إلى توسيع قاعدة كبار الضباط بشكل مستمر. إذ تضم فنزويلا اليوم أكثر من 2000 جنرال وأميرال، مقارنة بـ403 فقط في البرازيل، برغم أن حجم الجيش البرازيلي يفوق نظيره الفنزويلي بنحو ثلاثة أضعاف. وقد أدرك الضباط الفنزويليون أن الولاء يُكافأ بمسارات تهريب، وامتيازات في قطاع الذهب، وعقود توريد مربحة. وكلما اتسعت دائرة الضباط الموالين، ازداد استقرار النظام، طالما بقيت الحوافز الاقتصادية قائمة.
كانت فنزويلا في عهد مادورو تُدار عبر بُنية ثُلاثية الأعمدة- البراغماتيون والمتشددون والجيش- قائمة على الردع المتبادل ووجود وسيط هو مادورو شخصياً. إلا أن هذا الواقع لم يعد قائماً الآن
يشكّل الذهب مصدر الدخل الرئيسي في فنزويلا. ويمتلك الجيش شركة موارد خاصة به تُعرف باسم “كاميمبيغ”- لديها حقوق التعدين الرسمية، غير أن الاستخراج الفعلي للذهب يعتمد على ترتيبات مختلفة- رسمية وغير رسمية. حوالي 70 إلى 80% من ذهب فنزويلا يتم إخراجه من البلاد بطرق غير قانونية- عبر كولومبيا والبرازيل والكاريبي. ويتيح ذلك لكبار الضباط العمل باستقلالية عن القيادة المدنية. في الواقع، الجيش لا يحتاج فعلياً إلى تمويلٍ من كراكاس، إذ يستطيع تمويل كل عملياته من الذهب مباشرة. وهذا ما يجعل من الصعب جداً على الولايات المتحدة أن يكون لها تأثير فعلي على الجيش الفنزويلي، ويفسر أيضاً لماذا لم تحدث- يوماً- انشقاقات جماعية داخل المؤسسة العسكرية الفنزويلية. فحتى بعد إزاحة مادورو، لم ينشقّ أي قائد عسكري رفيع المستوى عن صفوفه. وطالما استمرت عمليات تعدين الذهب واللوجستيات، فلا يوجد سبب يدعو الضباط الكبار للقلق أو التمرد.
وحتى الآن، لم يتغير هذا الواقع. وثمة دلالة مثيرة للاهتمام- والسخرية في آنٍ- وهي أنه إذا أراد ترامب انتقالاً هادئاً نسبياً للسلطة في فنزويلا، فعليه أن يقبل ببقاء الإمبراطورية الاقتصادية بيد الجيش الفنزويلي.
جهاز الأمن
في عهد مادورو، جرى تفكيك مجتمع أجهزة الاستخبارات عمداً. كان جهاز الاستخبارات المدنية (SEBIN) وجهاز مكافحة التجسس العسكرية (DGCIM) يعملان كنظامين متوازيين بوظائف متداخلة. كانت مهمة الجهاز الأول مراقبة المعارضة المدنية والنُخب السياسية، بينما تولّى الجهاز الثاني مهمة مراقبة الجيش. وكان كل جهاز يوازن الآخر، ما منع التحركات الأحادية، وساعد مادورو على حكم البلاد.
كان تشافيز (سلف مادورو) قلقاً من أن تتآمر عليه أجهزته الاستخباراتية، فطلب المساعدة من كوبا. وفي عام 2008، بدأ ضباط استخبارات كوبيون يعملون داخل الجهازين (المدني والعسكري)، ما أنشأ نظاماً استخباراتياً ثُلاثي الطبقات: كانت الأجهزة الفنزويلية تراقب بعضها، وكوبا تراقب الجميع. كانت فنزويلا بحاجة إلى خبرة الكوبيين لضبط أمن النظام. بالمقابل، كانت كوبا بحاجة إلى نفط فنزويلا. والعملية العسكرية التي نفذتها “دالتا فورس” الأميركية، في الثالث من كانون الثاني/يناير، أكَّدت عمق هذا الارتباط، إذ قُتل أكثر من 30 ضابطاً عسكرياً واستخباراتياً كوبياً دفاعاً عن مادورو. في الواقع كان أمنه الشخصي بمعظمه كوبياً، وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لواشنطن للتأثير في صنع القرار في كاراكاس حتى بعد إزاحة مادورو.
اليوم، يرأس جهاز الاستخبارات المدنية (SEBIN) أليكسيس رودريغيز كابيو، ابن عم وزير الداخلية ديوسدادو كابيو، كما عيّنت الحكومة الانتقالية غوستافو غونزاليس لوبيز، وهو ضابط سابق في الجهاز وموالٍ لكابيو، رئيساً جديداً للحرس الرئاسي. الرسالة واضحة: القيادة المدنية غير قادرة على تحدي قبضة كابيو الأمنية- أو بأضعف الإيمان هي لا ترغب في ذلك. فالتيار المتشدّد يزداد قوة ونفوذاً، ويغدو إقصاؤه أكثر صعوبة. ومع ذلك النظام الفنزويلي ما يزال منقسماً، إذ ما يزال البراغماتيون يحتفطون بالسلطة- ربما بدعم من الولايات المتحدة- وهذا ما يحدّ من هامش المناورة لدى كابيو- أقله في الوقت الراهن.
ما دون الدولة
تنبع قوة كابيو، جزئياً، من جماعات مسلحة غير رسمية وموالية للحكومة، تُعرف باسم “الكوليكتيفوس”، وتضم آلاف المقاتلين المنتشرين في 16 ولاية، وتعمل في آنٍ واحد كميليشيات سياسية. تسيطر هذه الجماعات على أقاليم مختلفة في أنحاء البلاد، ما يمنح كابيو قدرة على استخدام القوة بشكل مستقل عن الجيش. في كراكاس وحدها، يوجد أكثر من 50 مجموعة من “الكوليكتيفوس”، يعتمدون على آلية تمويل مزدوجة: أولًا، يتلقون تمويلاً من الحكومات المحلية ومن عقود رسمية لتوزيع الغذاء، التي يتقاسمون بعضها أحياناً مع الجيش. ثانياً، يحققون دخلاً من أنشطة غير مشروعة، تشمل الاتجار بالمخدرات، والابتزاز، والمقامرة غير القانونية، وتهريب الوقود. وثالثاً، يشغل عدد كبير من عناصر “الكوليكتيفوس” مناصب فعلية داخل أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات.
ومع ذلك، تبقى قوتهم محلية الطابع. فبإمكان جماعات “الكوليكتيفوس” أن تجعل أحياء معينة غير قابلة للحكم، أو ترهيب الخصوم، لكنها لا تستطيع فعلياً فرض القوة على مستوى البلاد كلها من دون دعم من الجيش. منذ 3 كانون الثاني/يناير، كثّفت هذه الجماعات دورياتها في الشوارع. وفي الوقت نفسه، ليس لديها خيارات كثيرة مثل تلك التي لدى الجيش؛ فهي أقل تنظيماً وأكثر تبايناً في بنيتها. وبرغم اصطفافها الأيديولوجي مع “التشافيزية” المتشددة، بوصفها شكلاً من الشعبوية السلطوية اليسارية، فإن الاهتمام الأساسي لجماعات الـ”الكوليكتيفوس” ينصبّ على السيطرة على الأراضي والبقاء الاقتصادي.
تُقدّم برامج توزيع الغذاء الحكومية، التي تُديرها جزئياً جماعات “الكوليكتيفوس”، خدماتها لحوالي 6 ملايين أسرة. وإذا ما عطّلت إدارة ترامب هذه البرامج، فسيؤدي ذلك حتماً إلى اضطرابات مدنية ورد فعل عنيف من جانب “الكوليكتيفوس”. في الوقت نفسه، إذا شعر قادة “الكوليكتيفوس” المحليون أن استراتيجية كابيلو قد تضرُّ بمصالحهم الاقتصادية، فقد تتغلب غريزة البقاء على المبادئ الأيديولوجية.
رئاسة مقيَّدة
تتولى رودريغيز حالياً منصب الرئيسة بالإنابة لفنزويلا. لديها سلطة رسمية، لكن استقلاليتها محدودة. فهي تُسيطر على الرئاسة ووزارة النفط، والمصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في البلاد، وبراعتها السياسية مشهودٌ لها. على سبيل المثال، هي من دبرت اعتقال وزير النفط السابق طارق العيسمي عام 2024 بتهم اختلاس ما يصل إلى 10 مليارات دولار. ومع ذلك، فإن قوتها تعتمد كلياً على فصائل لا تخضع لقيادتها بشكل مباشر.
أولويات إدارة ترامب في فنزويلا واضحة: النفط أولاً، الديموقراطية لاحقاً- إن وُجدت. تريد شركاء ذوي نفوذ، وليس نجوماً سياسيين، ونظام يكون نسخة متوافقة من “التشافيزية” ومطواعاً لرغباتها
كانت أول خطوة لرودريغيز بعد 3 كانون الثاني/يناير ذات دلالة واضحة. فقد أقالت كامل فريق حمايتها الشخصية. كان من الواضح أنها تخشى الاختراق الأميركي، لكنها أرادت أيضاً طمأنة الفصيل المتشدّد. أما كابيلو، فقد فعل العكس. ظهر علناً برفقة أنصاره المسلحين، وحافظ على منصته الإعلامية، وأوضح أنه ما زال يدير “الكوليكتيفوس” والاستخبارات المدنية. أما الجيش فقد اختار أن يكون أكثر حذراً، إذ أعلن وزير الدفاع (لوبيز) ولاءه لرودريغيز. إلا أن ذلك لم يكن التزاماً جاداً بأي حال من الأحوال. كان لوبيز يحتاط لموقفه، ويراقب المخاطر لأنه كان يعلم أن الفصيل الإصلاحي يتفاوض مباشرة مع واشنطن. كما أنه أراد استخدام رودريغيز ليحمي نفسه من كابيلو- منافسه الرئيسي.
ومن المثير للاهتمام أن نهج إدارة ترامب يعزّز هذا التوازن. في الواقع، تهتم واشنطن حالياً بالنتائج النفعية أكثر من اهتمامها بالإصلاح الديموقراطي. على سبيل المثال- طالبت الولايات المتحدة كاراكاس بتسليم 30- 50 مليون برميل من النفط. وهذا في الواقع يعزَّز موقف رودريغيز- فهي تسيطر على شركة النفط والغاز الحكومية في البلاد- ما يمنحها نفوذاً هائلاً. كما أن طموحات واشنطن النفطية تحفّز الجيش على الإستمرار في إدارة مشاريع البنية التحتية. وهذا يترك كابيلو معلقاً في الهواء (في موقف محفوف بالمخاطر، مُهمل وغير محمي).
استنتاجات ختامية
تُحكم فنزويلا الآن بنظامٍ صُمم لمنع توحيد القوى وتمركز السلطة- أي إبقاء النظام منقسماً- لكنه يعمل من دون الشخص الذي كان يديره: مادورو. تتمتع رودريغيز بسلطة رسمية ونفوذ اقتصادي، لكنها تفتقر للقدرة على فرض السيطرة بشكل مستقل. يسيطر كابيلو على وسائل القمع، لكنه مُهدّد بملاحقات قانونية تجعل التفاوض معه مستحيلاً. ويقود لوبيز الجيش، لكنه يواصل المراوغة باستمرار والتلاعب بمواقف الأطراف. وهذا التوازن قائمٌ لعدم وجود فصيل قوي بما يكفي لكسره، ولأن هناك ما يكفي من الحوافز الاقتصادية التي تسهم في الحفاظ عليه.
لقد أوضحت إدارة ترامب أولوياتها بشكل جلي. النفط يأتي في المقام الأول. الديموقراطية تأتي لاحقاً- إن وُجدت أصلاً. فوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وصف الانتخابات بأنها “سابقة لأوانها”. وترامب نفسه قال إن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة شؤون البلاد” لفترة قبل إجراء أي انتخابات. كما أن واشنطن لا تسعى إلى قطيعة تامة مع “التشافيزية”- على الأقل ليس الآن- بل هي تريد نسخة متوافقة من “التشافيزية” تكون مطواعة لرغباتها.
وهذا يفسر لماذا همَّشت واشنطن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل، التي وصفها ترامب بـ”أنها إمرأة لطيفة للغاية.. لكنها تفتقر إلى الاحترام” في فنزويلا. في الوقت نفسه، تتلقى رودريغيز اتصالات من روبيو. الرسالة واضحة إذاً: واشنطن تريد شركاء ذوي نفوذ، وليس نجوماً سياسيين.
– ترجمة بتصرف عن موقع “جيوبوليتكس إنسايدر“.
