من جزيرة هامشية إلى عقدة دولية: غرينلاند ومعركة رسم العالم الجديد

باتت جزيرة غرينلاند، التي لطالما بدت هامشية في خرائط العالم، في قلب أحد أهم الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لماذا؟

تحوّلت جزيرة غرينلاند الواقعة بين أميركا الشمالية والدائرة القطبية الشمالية، خلال العقدين الأخيرين إلى مساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، في لحظة دولية حسّاسة يعاد فيها رسم موازين النفوذ والهيمنة على مستوى العالم.

لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة نائية تغطيها الصفائح الجليدية، بل أصبحت عقدة استراتيجية يتحكم موقعها، وثرواتها الباطنية، بديناميات الصراع بين القوى الكبرى، وصولًا إلى أمن أوروبا ومكانتها في النظام الدولي.

تدرك الولايات المتحدة، منذ زمن الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أهمية غرينلاند في منظومة الأمن القومي. فوجود قاعدة ثول الجوية فيها ليس مسألة رمزية، بل نقطة ارتكاز حيوية في نظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية، ومركزًا متقدمًا لمراقبة النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي.

ومع تفاقم التوتر بين واشنطن وموسكو من جهة، وبين واشنطن وبكين من جهة أخرى، أصبحت جزيرة غرينلاند بمنزلة عين الرقابة الأميركية على المسرح القطبي الذي ينفتح تدريجيًا مع ذوبان الجليد، وما ينتج من ممرات بحرية جديدة قد تُغيّر طبيعة التجارة العالمية. لذلك لم يكن مستغربًا أن يعيد دونالد ترامب في 2019 طرح فكرة شراء الجزيرة من الدنمارك، في سلوك اعتبره البعض غريبًا، لكنه يعكس إدراكًا مبكرًا من الإدارة الأميركية السابقة (الحالية) لأهمية غرينلاند في الصراع على التحكم بالعالم وممراته وثرواته.

تبدو غرينلاند اليوم أكثر من جزيرة تتصدع تحت تغير المناخ. إنها إحدى النقاط المفصلية في الصراع على النظام العالمي الجديد، حيث تختبر القوى الكبرى أدواتها وموازينها، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما تراقب الصين وروسيا لحظة التحول الجليدي التي قد تمنح من يسبق إليها مكانًا أكثر رسوخًا في خريطة النفوذ العالمي

لم يتعامل ترامب مع غرينلاند كمسألة جغرافية، بل كأصل استراتيجي يمكن عبره توسيع النفوذ الأميركي في قلب منطقة تتجه لتصبح أحد أهم مسارح المنافسة الدولية. موقع الجزيرة يُتيح لواشنطن ليس فقط تعزيز منظومتها الدفاعية، بل أيضًا تطويق صعود روسيا في خطوط الملاحة القطبية التي تعمل موسكو على احتكارها، وقطع الطريق أمام الصين التي تحاول التسلل اقتصاديًا عبر مشاريع تعدين وبنى تحتية.

أثار قرار ترامب غضب الدنمارك والاتحاد الأوروبي، لأن طرح شراء الجزيرة يُعدّ تهديدًا مباشرًا للنفوذ الأوروبي في منطقة يُنظر إليها بوصفها امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا للقارة العجوز. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، خسارة غرينلاند- أو تحولها إلى منطقة نفوذ أميركي كامل- تعني انكشاف الجبهة الشمالية لأوروبا، وتراجع قدرتها على المشاركة في تشكيل مستقبل القطب الشمالي، فضلًا عن خسارة موارد استراتيجية مثل المعادن النادرة التي قد تمنح اقتصادها التكنولوجي دفعة مستقبلية حاسمة.

في المقابل، تسعى الصين إلى بناء نفوذ هادئ داخل هذه الجزيرة الهادئة حتى الآن، عبر الاستثمارات في التعدين والبنى التحتية، مستفيدة من حاجات حكومة غرينلاند التي تنشد التنمية والاستقلال المالي عن الدنمارك. بكين تدرك أن السيطرة على المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات المتقدمة والبطاريات والتقنيات العسكرية قد تمنحها ورقة ضغط هائلة في الصراع العالمي، وأن غرينلاند واحدة من أهم الخزانات البديلة عن الاحتكار الصيني الحالي لهذه المعادن. هذا الحضور يُقلق واشنطن، ويدفعها إلى منع أي اختراق صيني في منطقة تعتبرها جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي.

أما روسيا، التي تعيد بناء قوتها القطبية منذ سنوات، فتنظر إلى غرينلاند بوصفها نقطة تمركز محتملة لحلف “الناتو” قبالة خطوط الملاحة الروسية الجديدة، ما يجعلها تراقب بحذر كل توسع أميركي هناك. ومع ذوبان الجليد وفتح الممرات البحرية الشمالية، ستتحول السيطرة على الممرات القطبية إلى عنصر حاسم في مستقبل الاقتصاد العالمي، إذ قد تختصر الرحلات بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 40%. هذا التطور يُهدّد مكانة أوروبا بوصفها جزءًا من عقدة التجارة العالمية التقليدية، ويزيد من أهمية غرينلاند في تحديد شكل النظام الاقتصادي القادم.

كل هذه التحولات تجعل غرينلاند أكثر من مجرد مساحة جغرافية. إنها اليوم جزء من معركة أوسع على مستقبل الهيمنة العالمية، حيث تتقاطع ثلاثة ملفات كبرى: التنافس العسكري بين “الناتو” وروسيا؛ الصراع التكنولوجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين؛ أمن أوروبا التي تشعر بأن موقعها الجيوسياسي يتآكل أمام تحولات المناخ والاقتصاد والطرق البحرية الجديدة. لذا، لم يعد الصراع على غرينلاند قضية ثانوية، بل فصلًا أساسيًا من فصول إعادة رسم خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة.

قد يخرج الاتحاد الأوروبي من هذا المشهد بوصفه الخاسر الأكبر، إذا تعذر عليه حماية نفوذه في الجزيرة. فاستقلال غرينلاند المحتمل، المدفوع بارتفاع قيمتها الاقتصادية، قد يفتح الباب أمام انتقالها تدريجيًا إلى النفوذ الأميركي، في وقت يُعاني فيه الاتحاد من هشاشة داخلية وتراجع في قدرته على حماية حدوده الشمالية. وفي المقابل، ترى واشنطن في تعزيز حضورها هناك ضمانة لقيادة النظام الدولي المقبل ومنع الصين وروسيا من تحويل القطب الشمالي إلى منطقة نفوذ مضاد.

إقرأ على موقع 180  حرب الإبادة الصهيونية-الأميركية على غزة: الخلفية التاريخية والمآلات (1)

بهذا المعنى، تبدو غرينلاند اليوم أكثر من جزيرة تتصدع تحت تغير المناخ. إنها إحدى النقاط المفصلية في الصراع على النظام العالمي الجديد، حيث تختبر القوى الكبرى أدواتها وموازينها، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما تراقب الصين وروسيا لحظة التحول الجليدي التي قد تمنح من يسبق إليها مكانًا أكثر رسوخًا في خريطة النفوذ العالمي.

Print Friendly, PDF & Email
علي المقداد

باحث في العلاقات الدولية، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  عندما يسقط لبنان.. سقوطه الأخير!