الخليج العربي.. منطقة محمية أم جغرافية تفاوضية؟

في الخليج، يتشكل الحضور الأميركي ضمن معادلة ثلاثية دقيقة: أمن الأنظمة، استقرار تدفقات الطاقة، ومنع تشكّل قوة إقليمية مهيمنة. هذه المعادلة عملت لعقود عبر مفهوم “الردع الوقائي”، حيث يكفي التموضع العسكري لضبط السلوك الإقليمي. القيمة الاستراتيجية هنا لم تكن في استخدام القوة، بل في جعل استخدامها غير ضروري.

يتمثل التحول الجاري في انتقال هذا الحضور من “قوة ضامنة” إلى “قوة مشاركة في الاشتباك”. هذا الانتقال يغيّر وظيفة القواعد العسكرية جذريًا: من منصات ردع إلى عقد عملياتية داخل مسرح الحرب. عند هذه النقطة، تفقد القاعدة حيادها النسبي وتتحول إلى هدف محتمل، ما يعني أن الجغرافيا الخليجية نفسها تدخل في معادلة الاستهداف، وليس فقط في معادلة الحماية.

الخطورة تكمن في ما يمكن تسميته “انهيار المسافة الاستراتيجية”. سابقًا، كانت الولايات المتحدة تمارس قوتها من خارج الإقليم أو من أطرافه. اليوم، أي تصعيد واسع يمر عبر البنية التحتية الخليجية: موانئ، قواعد، مجال جوي، ومنشآت طاقة. هذا الدمج بين مسرح العمليات ومجال الحماية يخلق مفارقة: الأصول التي صُممت لتعزيز الأمن تتحول إلى نقاط جذب للتهديد.

المشهد يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم الحماية ذاته. الحماية لم تعد تعني وجود قوة ردعية كبرى في الجوار، بل القدرة على ضبط كيفية استخدام هذه القوة، وتحديد سقوف الاشتباك ضمن المجال السيادي. في هذا الإطار، يتحول الخليج من منطقة محمية إلى منطقة تفاوض مستمر على معنى الأمن، حيث تصبح الجغرافيا نفسها عنصرًا فاعلًا في صياغة القرار، وليس مجرد مسرح له

التجارب التاريخية تكشف نماذج متباينة. في التجربة الفييتنامية، أثبتت الحروب غير المتكافئة أن التفوق التكنولوجي يفقد فعاليته حين يتحول الخصم إلى شبكة اجتماعية-عسكرية ممتدة. الدراسات العسكرية تصف ذلك بانتقال الصراع من “حرب منصات” إلى “حرب أنظمة اجتماعية”، حيث يصبح استهداف البنية المعنوية أكثر صعوبة من استهداف البنية المادية . هذا النموذج يضع حدودًا صارمة لفكرة الحسم السريع.

في تجربة بنما عام 1989، قدّمت الولايات المتحدة نموذج “الضربة المحدودة عالية الكثافة”، حيث تحقّقت الأهداف خلال أيام ضمن بيئة جغرافية وسياسية مضبوطة. نجاح العملية ارتبط بثلاثة شروط: صغر حجم الخصم، عزله دوليًا، ووضوح الهدف السياسي. هذا النموذج يُغري صُنّاع القرار، إلا أن تعميمه على بيئات أكبر وأكثر تعقيدًا يؤدي إلى تقدير مفرط للقدرة على التحكم بالنتائج .

في تجربة أفغانستان، يتضح نموذجٌ ثالث: “الانتصار العملياتي والفشل الاستراتيجي”. السيطرة السريعة على الأرض تحققت، إلا أن إعادة بناء النظام السياسي واجهت مقاومة ممتدة، ما حوّل الحرب إلى استنزاف طويل. تقارير مراكز الأبحاث تشير إلى أن كلفة الحرب تجاوزت تريليوني دولار، مع محدودية العائد السياسي المستقر .

تجربة إيران تمثل نمطًا مختلفًا يمكن تعريفه بـ“الدولة-الشبكة”. هيكلها الدفاعي يقوم على توزيع المخاطر بدل تركيزها، عبر مزيج من القدرات الصاروخية، الشبكات غير المتماثلة، والعمق الجغرافي. هذا النموذج يجعل أي ضربة مباشرة جزءًا من سلسلة تفاعلات ممتدة، حيث يتم امتصاص الصدمة وإعادة توزيعها على مسارح متعددة. تقارير RAND Corporation تشير إلى أن الاستراتيجية الإيرانية ترتكز على رفع كلفة الخصم تدريجيًا بدل مواجهته في معركة حاسمة واحدة.

بالنسبة لدول الخليج العربي، يتبلور التحدي في ثلاثة مستويات مترابطة:

أولًا، مستوى البنية التحتية: منشآت النفط والغاز، التي تمثل عصب الاقتصاد العالمي، تتحول إلى أهداف عالية القيمة في أي تصعيد.

ثانيًا، مستوى القرار السياسي: العلاقة مع واشنطن تدخل مرحلة إعادة تفاوض ضمنية حول حدود الاستخدام العسكري للأراضي والقواعد.

ثالثًا، مستوى الأمن الداخلي: أي ضربة على البنى الحيوية تخلق أثرًا مضاعفًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

المعادلة الجديدة يمكن تلخيصها بمفهوم “تبادل القابلية للاستهداف”. كلما زاد اندماج الخليج في العمليات العسكرية، ارتفعت قابليته ليكون ساحة رد. هذا التحول يفرض على دول الخليج الانتقال من نموذج “الاحتماء بالقوة الخارجية” إلى نموذج “إدارة المخاطر متعددة المصادر”، الذي يجمع بين تنويع الشراكات، تعزيز الدفاعات الذاتية، وتقليل الاعتماد على تمركز واحد للقوة.

المشهد يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم الحماية ذاته. الحماية لم تعد تعني وجود قوة ردعية كبرى في الجوار، بل القدرة على ضبط كيفية استخدام هذه القوة، وتحديد سقوف الاشتباك ضمن المجال السيادي. في هذا الإطار، يتحول الخليج من منطقة محمية إلى منطقة تفاوض مستمر على معنى الأمن، حيث تصبح الجغرافيا نفسها عنصرًا فاعلًا في صياغة القرار، وليس مجرد مسرح له.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عن فلسطين التي عادت لتخرج على "إسرائيل"
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أنا ضد بشّار الأسد.. ومن حلّ محله من المتطرفين!