

عاصرتُ ظروف انعقاد قمم عربية كثيرة وأستطيع وبثقة كبيرة أن أحكم على هذه القمة، إن عقدت، بأنها ستكون بالفعل استثنائية إذا قارنا ظروف ودواعي عقدها بظروف ودواعي عقد معظم القمم الطارئة والاستثنائية السابقة.
ولا أبالغ إن قلتُ إن هذه القمة قد تكون الوحيدة التي تعقد لأن الشعوب دعت إلى عقدها قبل أن تعلن الحكومات عن نية دعوتها للانعقاد، بل لا أبالغ ولا أتردد في الإعراب عن شكوكي المتزايدة في أنها ستنعقد في الموعد الذي تحدّد لها خلال الأسبوع المقبل.
***
إن مجرد التفكير في هول ما وقع خلال الشهور الأخيرة كان في ظني كافياً لتتصدر الشعوب بغضبها وانفعالاتها وصدق مشاعرها الدعوة لعقد قمة استثنائية؛ قمةٌ تختلف في كل شيء عن القمم السابقة بما فيها القمم الطارئة والاستثنائية. وفي ظني، وقد يكون ظناً قاصراً، أن تأجيل انعقادها عن موعدها الأول خاضع لاعتبارات منها، أو في مقدمها، أمل بعض الحكومات أن يلعب الوقت الإضافي دوراً في تهدئة المشاعر وتخفيف قبضة الشعوب على حركتها، أي إعادة الوضع إلى ما كان عليه على امتداد ثمانين عاماً حين كانت الشعوب تنفعل وتهدأ ولا تُقرّر.
ومن الأهمية بمكان الاعتراف بأن الطرف الثاني، وأقصد أمريكا وإسرائيل، تعمد خلال الأيام الأخيرة تعميق الفجوة بين الشعوب العربية وحكوماتها وبالتالي رفع مستوى التوقعات من عقد هذه القمة الاستثنائية.
***
أتصوّر أن هذه العلاقة الثلاثية، أمريكا -إسرائيل من ناحية والحكومات العربية من ناحية ثانية والشعوب العربية من ناحية ثالثة، على أهميتها ليست سوى أحد العناوين الرئيسة التي صاحبت، خلال الأيام الأخيرة، مسيرة الأزمة الدافعة لعقد قمة عربية استثنائية، من العناوين الهامة الأخرى ما يلي:
أولاً؛ استئناف عملية تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية. أرجو أن يذكرنا هذا العنوان بحقيقة اشترك الكثيرون في محاولات إخفائها، وبين هؤلاء عرب مسئولون. أما هذه الحقيقة فخلاصتها أن تهجير سكان الضفة وحملة اغتيالات الشبان كانا وراء غضب المقاومة وقرارها الانتقام بعملية السابع من أكتوبر. ثم كان الظن أن القمة الاستثنائية مخصصة لتطورات غزة فإذا بإسرائيل تفجر من جديد قضية تهجير سكان الضفة برضاء أو تشجيع أمريكي؛ تأكد هذا الرضاء أو التشجيع بصفقة القنابل واسعة التدمير التي أقرها الرئيس دونالد ترامب قبل أيام قليلة. قيل فيها، ربما للتعمية، أن القنابل الثقيلة هدفها معامل تطوير السلاح الذري في إيران وقيل فيها أيضاً، عن تجربة أليمة في قطاع غزة، أن هدفها تهجير سكان مخيمات طولكرم وجنين. أما إذا كانت القنابل حقاً لمعامل إيران فهذا يعني تطوراً في حد ذاته له خطورته ومغزاه، أما المغزى فهو أن الشرق الأوسط الجديد دخل بالفعل مرحلة أكثر تطوراً وأقرب إلى الاكتمال ولإسرائيل فيه مكانة “القطب الإقليمي المهيمن”.
نزول ترامب بكامل ما يملك ويحوز على قوة سياسية واقتصادية إلى ساحة الصراع. كلاهما، اليد الطويلة الإسرائيلية والنية الترامبية المبيتة، نقلا معاً كل أو معظم ما وقع تصنيفه تحت مفهوم “الغموض الاستراتيجي” ليقع تحت مفهوم “اليقين الاستراتيجي” مع كل ما يعني هذا من أخطار وتفاعلات وحسابات لم يكن أطراف الجانب العربي في الصراع استعدوا لها
***
ثانياً؛ ترددت في الآونة الأخيرة عبارات صار لها مغزى حقيقياً ولم تعد مجرد مفاهيم نظرية يلهو أو يتباهى بها علماء السياسة. اخترت من هذه المفاهيم مفهوم “الغموض الاستراتيجي” لما له من وقع أخّاذ في نفسي، وبخاصة بعد أن أزاحه جانباً المفهوم الآخر وهو “اليقين الاستراتيجي”. أمورٌ وتطوراتٌ كثيرة تعودنا على امتداد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تصنيفها ضمن الكثير مما وضعناه تحت مفهوم “الغموض الاستراتيجي”. كل ما لم نفهمه وكل ما خفنا منه وكل ما تفادينا حمل وزره وكل ما تهربنا من مواجهته، كله وغيره كثير صنّفناه تحت عنوان نظرية المؤامرة أو تحت عنوان “الغموض الاستراتيجي”، عنوان له هيبة. ومع ذلك امتدت يد الاحتلال ونوايا التوسع وسياسات الازدراء وفرض المهانة لتحتل في الآونة الأخيرة أراضٍ جديدة من دول عربية متاخمة أو قريبة من حدود إسرائيل.
***
أضف إلى ما سبق نزول ترامب بكامل ما يملك ويحوز على قوة سياسية واقتصادية إلى ساحة الصراع. كلاهما، اليد الطويلة الإسرائيلية والنية الترامبية المبيتة، نقلا معاً كل أو معظم ما وقع تصنيفه تحت مفهوم “الغموض الاستراتيجي” ليقع تحت مفهوم “اليقين الاستراتيجي” مع كل ما يعني هذا من أخطار وتفاعلات وحسابات لم يكن أطراف الجانب العربي في الصراع استعدوا لها. عاشوا آمنين مصدقين أن الحليف الأمريكي لن يتخلى عنهم وأفاقوا على نوايا وخطط هدّدت هوياتهم وكادت تعصف بشرعياتهم. اكتشفنا مثلاً أن أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين ومساحات أكبر كثيراً من دول عربية متاخمة صارت تحت سيطرة وحكم إسرائيل الجديدة، والأيام المقبلة حتى ليلة القمة تنذر بتوسعات أكبر وأخطر.
***
ثالثاً؛ اكتشفنا أيضاً ونكتشف كل يوم نقضيه في انتظار عقد القمة العربية أن العالم من حولنا ليس هو العالم الذي نشأنا فيه وارتبطنا به حلفاء كنا أم أصدقاء أم ضمن ركب طويل وعريض لا نعرف تماماً هوية صاحبه. اكتشفنا مثلاً أن الغرب ليس الغرب الذي عرفناه. الغرب الجديد ليس موحداً داخل كلياته أو حتى داخل أجزائه. حلف الأطلسي يواجه تحديات يكاد بعضها يتسبب في تفكيكه أو تغيير هويته. من هذه التحديات السرعة التي يتحقق بها التفاهم الروسي الأمريكي يقابله تلكؤ مخيف في صنع الأمن الأوروبي. خاب أملنا في العائد لنا كأمة عربية ودول ما يزال أغلبها يعاني من مشكلات النمو المتثاقل والتوسع الصهيوني ونوايا الرئيس الأمريكي المعلنة والسرية للاستيلاء على ثروات الدول الغنية وابتزاز الدول المعتمدة على أمريكا في حياتها وأمنها.
كنا نحلم بوحدة عربية ترطب جفاء ظروفنا المنفردة والجماعية. كنا نحلم بجنوب عالمي يشد بعضه أزر البعض الآخر. ينهض الجنوب بالفعل ولكن بغير نظام أو توجيه وبغير انسلاخ حقيقي عن غرب عاد يستعيد تراثه الاستعماري وبخاصة سباقاته وحملاته لغزو الدول الغنية بالمواد الخام والطاقة ومستلزمات البطاريات وشرائح التكنولوجيا الأحدث.
***
رابعاً؛ بدا لنا من خلال أعاصير الأيام الماضية وبعثرة جزيئات الشرق الأوسط أن القطبين، أو الدولتين الكبيرتين الساعيتين لمكانة ووظيفة القطب الدولي وأقصد روسيا والصين، أنهما لم تُقدّما ما كنا نأمل تقديمه لتخفيف الضغط الصهيوني على النظام الإقليمي العربي وعلى دول أخرى في الشرق الأوسط. سمعت من أكثر من باحث وزميل في مواقع مهمة في الدولتين رجاء أن نقدر أن الدولتين ـ وبخاصة الصين ـ لم تتح لهما فرصة تقدير طبيعة وعواقب الدور الذي تقوم به الصهيونية في صنع السياسة الخارجية الأمريكية وبالتالي في صنع العالم الذي نعيش فيه.
سمعت منهم ما صرت أسمعه بكثرة منطوقاً بلسان الاقتصادي المعروف جيفري ساكس عن هذا الموضوع. هو نفسه صاحب الخبرة الطويلة والعريضة في مؤسسات صنع السياسة في أمريكا يعترف بعجزه عن فهم طبيعة العلاقة بين بنيامين نتنياهو وقادة النخبة الحاكمة في أمريكا منذ نهاية القرن الماضي. أحدهم، وأقصد أحد الأصدقاء في الصين، انتظر مني أن أتفهم ورطتهم العويصة في التعامل مع سياسيين أمريكيين تحركهم قوى صهيونية غير محددة الأوصاف والمعالم ولكن بالغة القوة والنفوذ كلما أثيرت بينهم وبين الأمريكيين مسألة تتعلق بالشرق الأوسط. زميل آخر في مؤسسة بحثية روسية كشف عن عجزه فهم التطور الغريب خلال الشهور الأخيرة في علاقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمؤسستي صنع القرار السياسي والعسكري في الولايات المتحدة وهما المنظمة الصهيونية والدولة العميقة، وكلاهما له علاقة قديمة وقوية بالرئيس الأوكراني منذ كان يُمثّل ويلعب دور المهرج على مسارح كييف وغيرها من مدن أوكرانيا.
***
أتفهم حاجة بعض الحكومات العربية إلى وقت إضافي يسمح لها بفهم أفضل لمطالب ونوايا أمريكا وإسرائيل. لم تعد غائبة عنها خفايا الدور المزدوج الذي أدته ببراعة مكشوفة الدبلوماسية الأمريكية حين اقترحت أو فرضت نفسها، وهي طرف أصيل، وسيطاً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولم يكن غائباً تعيين مبعوثين للرئيس الأمريكي أو لوزير خارجيته من مزدوجي الجنسية أو من ضباط الاحتياط في جيش إسرائيل. الجديد في هذا الموضوع هو تسرب أنباء عن بعض نوايا وإمكانات كافة الأطراف ومنها القمة العربية المزمع عقدها بعد أيام، ولذلك وعلى ضوء استمرار عمليات الابتزاز والازدراء والتوسع الإسرائيلي – الأمريكي يظل الاحتمال قائماً ألا تعقد وإن عُقدت فلإصدار بيان يُهدّئ المشاعر ويتيح مزيداً من الوقت لترتيب أوضاع داخلية.