المتباكون على الشهداء.. مرثيّة لوطن بلا وطنية

في ظل هذا المناخ الملبّد بالموت والدمار والنزوح والانقسام، تتكاثر السرديات التي تحاول تفسير الحرب الإسرائيلية على لبنان أو تحميل مسؤولياتها. ولعل أخرها تلك التي تنزع الاحتلال من المشهد، وتُحوّل المأساة إلى خلاف داخلي لبناني، كأن إسرائيل ليست موجودة أصلًا، وكأن الجنوب احترق بفعل المقاومة لا بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. هنا تحديدًا يصبح النقاش أبعد من السياسة اليومية، وأقرب إلى سؤال التاريخ نفسه: كيف تبدأ الأوطان بخسارة ذاكرتها قبل أن تخسر أرضها؟

 يرى الجبناء أن العجزَ عقلٌ/ وتلك خديعةُ الطبع اللئيم

وكل شجاعةٍ في المرء تُغني/ ولا مثل الشجاعة في الحكيم

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً/ وآفتُه من الفهم السقيم

ولكن تأخذ الأفهام منه/ على قَدْرِ القرائح والعلوم

(المتنبي)

***

لم يستخدم الاحتلال الإسرائيلي في حروبه السابقة على لبنان هذا القدر الهائل من الأسلحة الفتاكة التي ما زالت أميركا ترمب تمدّه بها من دون انقطاع، ولم يسبق للاحتلال أن خاض حرباً بلا توقّف كهذه التي تبدو حرباً أبدية لن تعرف نهاية إلا بنهاية لبنان أو نهاية إسرائيل. وفقاً لتصريحات الإسرائيليين بأنها حرب وجود. وهذا ما فتح الباب أمام القوى السياسية اللبنانية في هذه اللحظة التاريخية المصيرية، للاصطفاف إما في صف المقاومة وإنقاذ لبنان من الاحتلال، وإما في صف إسرائيل ومساعدتها على ضم الجنوب، وفقاً للمخطط الصهيوني (تغيير خريطة الشرق الأوسط)، ووفقاً لإرادة لبنانيين كانوا يحلمون بأن يكون لبنان منذ إنشائه من دون جنوبه، ويَعِدون أنفسَهم بما وعدتهم به إسرائيل وهي تضحك في وجوههم ضحك المتنبي في وجه خصومه، جاهلين أنها ستفترسهم بيدها وتلتهمهم بفمها:

ومَدَّهُم في جهلهم ضَحِكي/ حتى أتتهم يدٌ فرّاسةٌ وفَُم

منذ بداية الحرب، كانت الولايات المتحدة والسعودية قد مهّدتا لهذا الاصطفاف بسلطة جديدة في لبنان، تولّى تشكيلها “أبو عمر”، لتتولّى إدارة الاصطفاف لِما فيه مؤازرة إسرائيل في حربها على المقاومة. فعادت أصوات القوى السياسية اللبنانية المؤبدة لإسرائيل إلى البروز مجدداً، بعدما خفتت طوال الفترة الماضية الممهورةً بانتصار المقاومة وتحرير الجنوب. يتراوح موقف هذه القوى المؤيدة لإسرائيل بين إعلانه جهاراً نهاراً، وبين إخفائه وتمويهه بإظهار الحرص على اللبنانيين، لا بالنقمة على جرائم الاحتلال، بل بإلقاء اللوم على المقاومة والتحريض عليها وتحميلها مسؤولية الخراب الحاصل في لبنان.

هل تحتلّ إسرائيل لبنان بالطريقة نفسها التي احتلّت بها فلسطين؟

دمار الجنوب فتح الباب أمام كل أنواع التعليقات، وفتح شهيّة الصامتين إلى الكلام والتباكي على ضحايا الحرب. والحقّ، أن ثمة فئتين في جماعة المتباكين على لبنان وجنوبه: خبثاء يُبطنون العداء للمقاومة ويُظهِرون تعاطفَهم مع ضحايا الحرب اللبنانيين، وأغبياء يجهلون عفواً أو عمداً جغرافيا وتاريخ حروب إسرائيل على لبنان، فيتحدثون عن مآسي حرب كما لو أن أحداثها تجري خارج الجغرافيا والتاريخ؛ حربٌ لا أطرافَ فيها سوى الشعب اللبناني والمقاومة فقط، حذفوا منها الأطراف المنخرطة في تأجيج سعيرها، كما لو أنه لم يبقَ في هذه الحرب التي يصفونها بـ”المغامرة” سوى مقاومة “تغامر” في مجابهة المحتل، وشعبٌ لبناني يعاني تبعات هذه “المغامرة”. غيّبوا عن هذه الحرب إسرائيل وحذفوها تماماً من المشهد وغيّبوا ملابسات الحرب الإقليمية وتشابكاتها الدولية، ساعين بذلك إلى صنع سردية تتجاهل تماماً حكمة “أُكِلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض” التي تدعو إلى التضامن والتبصر في مصير الثيران الأخرى، بعدما احتلت إسرائيل فلسطين وأكلت الثور الأبيض، وتجهد اليوم لأكل الثور الثاني (لبنان) بعدما اطمأنت إلى أن الثور الثالث بات أكلُه مضموناً (سوريا). لا تُظهِر هذه السردية التي يسعون إلى تعميمها على اللبنانيين، أن في الحرب الجارية هي احتلال لبنان المقاوِم، مستفيدين من مناخ التطبيع العربي ومن صمت العرب تجاه إبادة الشعب الفلسطيني، الشبيه بتواطؤهم على فلسطين عام 48، وتواطؤهم اليوم على لبنان لتسليم جزء منه إلى إسرائيل لتقضمه، تمهيداً لقضم أجزائه الأخرى، مثلما قضمت الصهيونية العالمية فلسطين جزءاً تلو الآخر.

يتحدث المتباكون على ضحايا الحرب التي يحمّلون المقاومة وزرَها، عن حرب كأنها تجري على كوكب رمادي بعيد، سطحُه مُعتِمٌ بلونٍ بين الأسود والأزرق، كما في أفلام “حرب النجوم”، فينظرون إليها من خلال منظر واحد ونتيجة واحدة من نتائجها، وهي أن الشعب اللبناني، هذا الشعب الوديع والمُبدِع، أصبح من دون بيوت بعدما دُمِّرَت مدنُه وقراه، بفعل المقاومة لا بفعل أي طرف آخر في هذه الحرب من الأطراف التي غيِّبوها جميعاً واختفت في هذه السردية التي يسعون إلى صنعها وتعميمها، يدعون فيها إلى التعقّل والتعفّف والكفّ عن المقاومة، تماماً كما تفعل إسرائيل حين تُبدي حرصها على أرواح اللبنانيين وتدعوهم (عَبْرَ نصائح أفيخاي أدرعي والرسائل التي يُوجّهها إلى اللبنانيين) إلى الكفّ عن مقاومتها.

المتباكون على شهداء لبنان، يحذفون العنوان الكبير لهذه الحرب، وينفون تعقيداتها وتشابك جوانبها المحلية والإقليمية والدولية، وينصحون الشعب اللبناني بالانصراف عن التفكير بمقاومة إسرائيل، من دون أن يقدّموا وصفةً بديلة عن المقاومة تنفع لبنان في تعامله مع إسرائيل وتقيه شرّ الاحتلال، في حين أنّ مفكرين وسياسيين فلسطينيين سبقوهم، وتباكوا على شهداء فلسطين ونصحوا الفلسطينيين، فقدّموا لهم وصفة أوسلو التي أدّت إلى قتل قادتهم جميعاً واحتلال كامل ترابهم. ليس الشهداء أنفسهم هو ما يتباكى عليه المتباكون في لبنان، بل إنهم يبكون فعلاً من صلابة المقاومة ورؤية ثباتها في وجه الاحتلال، ويقولون بإلحاح إن من العبث قتالَ إسرائيل والوقوف في وجه الاحتلال، ويدعون إلى الكف عن القتال لأنه عبثي وغير مجدٍ، من دون أن يقدّموا بديلاً مُجدياً، أو كيف يكون القتال مجدِياً، بل يكتفون بالتهويل بعِظََمِ المصاب، ويرفعون شعار “بدنا نعيش” ويعني ذلك أن ننسى أن ثمة احتلالاً قد يدهمنا في أي لحظة، كالنعامة تدفن رأسها في الرمال لتجاهل الخطر، ويدعون اللبنانيين إلى الانصراف إلى العيش واللهو والجلوس في المقاهي وارتياد أندية السباحة والرياضة والمطاعم والملاهي إلخ.. وكتابة الأبحاث والمقالات التي تبحث في أي شيء باستثناء البحث في كيفية مجابهة الاحتلال. فلا يأتون أبداً على ذكر ما يستشهد الشهداء من أجله، مع أنّ المتباكين بينهم أساتذة جامعيون وصحافيون وشعراء وعلماء اجتماع ومؤرخون ومناضلون سابقون، لطالما تغنّوا ببطولات الفيتناميين والجزائريين وغيرهم وغيرهم ممن صانوا كرامة أوطانهم ودافعوا عن بلادهم ودفعوا الغالي والنفيس في سبيل ذلك، فكان ثمن كرامتهم في مواجهة المحتلين الأميركيين والفرنسيين ملايين الشهداء وآلاف القرى والمدن المدمّرة، أما اليوم حين يتعلّق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي فإنّ بطولات المقاومين اللبنانيين تصبح عبثاً وعبئاً على لبنان وحياة اللبنانيين بوصفهم غير معنيين بالاحتلال الإسرائيلي.

إقرأ على موقع 180  يا الله، هل وصلتك أخبار بلادنا؟

من دون إنكار صدق العواطف الوطنية النبيلة التي تغلي في نفوس الغالبية العظمى من اللبنانيين، ومشاعر الغضب والنقمة لديهم على الأوضاع المأسوية الكارثية، مِن فقد الأبناء والآباء والأعزّاء، ودمار البيوت وخراب القرى والبلدات، والنوم في العراء، والعيش في العوز والحاجة والفاقة، ومن دون إنكار أن اللبنانيين في جنوب لبنان يُقاسون أكثر من سواهم الويلات على اختلاف أشكالها وألوانها، دماراً وسفكَ دماءٍ وتهجيراً ونزوحاً، يسود الهرج والمرج تصريحات المسؤولين ومواقفهم السياسية، ويكثر الكلام في وسائل التواصل على الأوضاع المأسوية التي يعيشها اللبنانيون والجنوبيون منهم بخاصة، ما خلق على الصعيد الاجتماعي والمعيشي والسياسي حالةً من التعقيد لم يعرفها لبنان على مدى تاريخ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، منذ مجازر حولا عام 1948 ومجازر قانا وغيرها في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وصولاً إلى “الأربعاء الأسود” وغيره من الأيام السود حين تسقط قنابل الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين اللبنانيين وتحصد أرواح الأطفال والنساء والشيب والشبّان.

ندرِك الجانب الإيجابي في الحزن على الشهداء ومشاعر الغضب ضد الاحتلال، لكن المتباكين يريدون أن يخلقوا انطباعاً لدى اللبنانيين بأن السبب هو مقاومة الاحتلال، هو المقاومة نفسها، وليس الاحتلال الإسرائيلي. ولكن إن لم يكن هناك اليوم مقاومة، فمتى ستكون المقاومة؟ أياً كان شكل المقاومة، على اللبنانيين دعمها ليتكوّن تيار لبناني وطني مقاوم، فلا شكل للمقاومة ولا معنى لها إلّا إذا كانت ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وعلى الرغم من الأجساد المستشهدة والأراضي المحروقة، فكرة المقاومة تبقى كما تبقى الروح، روح لبنان المقاومة، وقدر لبنان أن يقاوم، ولن نُعطي إسرائيل نصراً عَبْرَ أن تجعلنا نشكّ في أنفسنا، فهذه الحرب ليست مباراة ركض لمسافة مائة متر، مرة واحدة فقط، وإنما هي حرب ماراتونية مستمرة منذ مائة عام وفيها تقنيات سباق البدل الماراتونية، عبر تسليم الراية من عدّاء إلى عدّاء لمواصلة السباق. وهذه العودة إلى أحداث من التاريخ، ليست من باب “الانغلاق في الماضي” كما يقول بعض الجهلة، بل هي من باب الشغف بعلم التاريخ، وبما في هذا العلم من رقِيٍّ َمَعرفيّ، فمَن لا ماضيَ له لا مستقبل له، ومن لا يعرف ماضيه لن يعرف مستقبله. هذا الماضي هو تاريخ شديد الالتصاق بالحاضر، ومفاعيله ما زالت تفعل في الحاضر بأكثر مما تفعل فيه الأحداث الراهنة.

لبنان “دولة” غير وطنية

كان ممكناً أن نرى في موقف المتباكين على الشهداء جانباً إيجابياً لولا أنهم يستنكفون عِن تسميتهم شهداء، ويُصِرّون على تسميتهم “قتلى”، ويوغلون في عدم إجلالهم، فيسمّونهم “تحت الركام” (على حد تعبير أحد المثقفين اللبنانيين المعتاشين من المال الخليجي). وكان يمكن أن يتضمّن موقفهم جانباً إيجابياً لو أنّهم يبدون أسفهم على عدم قيام الحكومات اللبنانية المتعاقبة بتحصين لبنان بكل ما من شأنه أن يصونه من مخاطر الاحتلال الإسرائيلي. ولكن، ليس في “دولة” لبنان معنى لوطنية نابعة من كونه وطناً لجميع أبنائه، فتارة يكون التناقض بين اعتبار سورياً بلداً صديقاً وبين اعتبارها بلداّ عدواً، وطوراً يكون التناقض بين اعتبار إسرائيل عدواً وبين اعتبارها صديقاً، وتارةً أخرى بين اعتبار إيران صديقاً وبين اعتبارها عدواً، وهذا التناقض ينسحب على جميع الاعتبارات التي تتضمنها بنية الدولة اللبنانية وآليات تسييرها، من مراعاة الانتماءات الطائفية إلى مناهج التعليم، فهذا المعنى متناقض لدى هؤلاء الأبناء، والحروب التي جرت بينهم هي من نتائج تناقض هذا المعنى بين الأطراف المتحاربة؛ وقد عبَّر عن هذا التناقض خيرَ تعبير سياسيٌّ لبناني كان قد أسس جريدة (L’Orient) (التي أصبحت فيما بعد L’Orient-Le Jour) كما شارك في تأسيس حزب الكتائب ثم انسحب منه، وهو جورج نقّاش الذي كتب (عام 1949) في جريدته مقالةً تحت عنوان: “نفيان (أو تناقضان) لا يصنعان وطناً” (Deux négations ne font pas une nation) شرح فيها التناقض في معنى الوطنية عند اللبنانيين. وقد سُجِن بسبب هذا المقالة. هذا التناقض الذي قام عليه لبنان باتفاق بين الدول الاستعمارية الظافرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، جُعِل أساساً لـ”وطن” لم يعرف طريقه إلى الوطن منذ تأسيسه. تطوّر هذا التناقض في معنى الوطنية عند اللبنانيين، مواكباً جميع الأحداث الكبرى التي وقعت في المنطقة. حالياً ثمة لبنانيون يرون الوطنية في الولاء لإسرائيل، ويرى لبنانيون آخرون أن إسرائيل هي العدو. لم تنشأ في لبنان مواطنة، ولم تنشأ مدرسة لتعليم النشء الوطنية، فتخرّج متعلّمونا من مدارس شتّى ثم صاروا “مسقّفين” بسقوف إيديولوجية مختلفة بعضها ينظر إلى الخارج على أنه داخل وينظر إلى الداخل كأنه خارج فيختلط الحابل بالنابل، ولا يعود هناك أي تمييز بين الخارج والداخل ولا بين آخرين وآخرين، ولا بين حروب الآخرين وحروب الآخرين على أرضنا.

Print Friendly, PDF & Email
حسين جواد قبيسي

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "أتلانتك" عن حزب الله وإسرائيل: سؤال الحرب.. متى تقع؟