من اقتلاع فلسطين إلى تفكيك المشرق.. قراءة تاريخية-ثقافية

منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن قيام (إسرائيل) في 15 أيار/مايو من العام 1948 لم يكن الأمر مجرد ولادة كيان جديد، بل كان بداية مشروع جيوسياسي طويل الأمد، أعاد تشكيل منطقة المشرق تحت النار، والقتل، والتهجير والحروب والاقتتال المذهبي. كيف؟

قبل ذلك اليوم المشؤوم، كانت قوى الاستعمار قد هيّأت البنية السياسية والثقافية والفكرية وحتى العسكرية لزرع كيان وظيفي يخدم المصالح الغربية في قلب منطقة المشرق، مستغلين لحظة انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال إبرام اتفاقيات سرية مثل Sykes – Picot (سايكس – بيكو)[1]، ثم Balfour Declaration (وعد بلفور)[2] الذي منحهم (وعداً) بإقامة (وطن قومي لليهود على أرض فلسطين) من دون أي تفويض من أصحاب الأرض التاريخيين الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من السكان.

وقد لعبت شخصيات سياسية بريطانية مثل Arthur Balfour أرثر بلفور، ويهودية مثل Theodor Herzl ثيودور هرتزل[3] وDavid Ben Gurion دافيد بن غوريون[4] دوراً مهماً في نقل الفكرة الصهيونية من مشروع استيطاني إلى مشروع دولة مسلحة ومدعومة بالكامل من الغرب.

وقد كشفت العديد من الوثائق أن لندن وواشنطن كانتا تنظران إلى هذا الكيان باعتباره قاعدة متقدمة لحماية المصالح الغربية في منطقة المشرق، إضافة إلى السيطرة على طرق التجارة والطاقة والنفط، وليس مجرد ملاذ آمن لليهود، كما روّج الخطاب الرسمي حينها.

أولاً؛ تغير وجه المشرق:

في 15 أيار/مايو 1948 لم يُعلن عن قيام (إسرائيل) فحسب، بل أُعلن تطبيقياً عن ولادة مشروع اقتلاعي نجح في تغيير وجه المشرق برمته، فقيام (الدولة اليهودية) لم يكن منفصلاً عن الهدف الاستعماري الذي أعقب انهيار الإمبراطورية العثمانية[5]، بل جاء نتيجة تقاطع مشترك بين المشروع اليهودي والمصالح الغربية في منطقتنا، ومنذ ذلك التاريخ المشؤوم دخلت المنطقة في دوامة من الحروب وارتكاب المجازر والتزوير التاريخي برسم خرائط سياسية وديموغرافية بواسطة البطش. وكانت منطقة المشرق أحد أبرز ضحايا هذا التحول الجيوسياسي الفظيع. [6]

بدأت ملامح المشروع الصهيوني السياسي تتوضح مع ثيودور هرتزل مع أواخر القرن الـ19، حين طرح فكرة (الوطن القومي اليهودي) باعتبارها حلاً لليهود الأوروبيين[7]. لكن هذا المشروع لم يكن إنسانياً أو دينياً فقط، بل كان دائماً مرتبطاً بالمنطق الاستعماري، وقد شكل (وعد بلفور) نقطة تحول جوهرية حين منحت بريطانيا الحركة الصهيونية، وعداً بإقامة (وطن قومي لليهود) على أرض فلسطين دون علم الفلسطينيين قطعاً[8].

بعد سقوط الدولة العثمانية، وتقاسم منطقة المشرق عبر اتفاقية (سايكس – بيكو)، عمد البريطانيون إلى تحضير البنية السياسية والعسكرية للمشروع (اليهودي) في فلسطين، وتحت الحماية البريطانية، تأسست مجموعة من العصابات مثل: “الهاغانا” و”الأرغون” و”شتيرن” و”البلماح” و”بيتار” وغيرها بينما جرى بالمقابل تسهيل (الهجرات اليهودية) إلى الداخل الفلسطيني، وصولاً إلى إعلان (قيام إسرائيل) سنة 1948 [9].

والجدير ذكره أنه رافق تلك الخطوة، تنفيذ عمليات تهجير واسعة وارتكاب مجازر دموية (وُضِعت في خانة التطهير العرقي) لعل أبرزها مجازر دير ياسين، الطنطورة، اللد، الرملة، صفد، سحماتا، مجد الكروم، عيلبون، صفورية في فلسطين، ومجزرة حولا في الجنوب اللبناني[10].

ثانياً؛ نسف السردية التوراتية:

لم يكن مشروع المستعمر مجرد احتلال عسكري فحسب، بل أخطر من ذلك بأضعاف. هو مشروع السيطرة على التاريخ والذاكرة والسردية؛ فمنذ انطلاقة الحركة الصهيونية، جرى توظيف النصوص التوراتية والحكايات الدينية باعتبارها “شواهد وأدلة تاريخية” تمنح الشرعية المطلقة لاحتلال فلسطين وغيرها، وكأن الوجود الكنعاني يمكن وبشحطة قلم إزالته من الأصل الوجودي لأبناء الأرض الأصليين. انطلاقا من هنا، لم تعد المعركة مجرد صراع على الجغرافيا، بل تحول إلى صراع على الذاكرة والهوية والرمز وعلى المعنى التاريخي ذاته.

لقد نجح بعض المؤرخين اليهود أكاديمياً بنسف الرواية التوراتية التقليدية، وفي هذ السياق أكد إيلان ببيه أن ما جرى سنة 1948 “كان تطهيراً عرقياً ممنهجا”، بينما ذهب شلومو ساند أبعد من ذلك حين شكّك في فكرة “شعب الله المختار” كوحدة عرقية متجانسة، واعتبرها “صناعة أيديولوجية حديثة استخُدمت لتبرير إقامة الدولة”[11]. أما إسرائيل فينكلشتاين فقد شكّك أيضاً في السرديات التوراتية التي اعتمدتها الصهيونية السياسية بهدف إضفاء العنصر التاريخي على مشروعهم الاستيطاني.[12]

ثالثا؛ إسرائيل الكبرى:

لم يكتفِ اليهودي باحتلال فلسطين فقط، بل أخذ بالتوسع تدريجياً نحو تشكيل ما عرف مؤخراً وعلى لسان بنيامين نتنياهو بـ(إسرائيل الكبرى)، ففي عام 1967 احتلت (إسرائيل) الضفة الغربية، وقطاع غزّة، والجولان وسيناء، ثم في العام 1982 احتلت مناطق شاسعة من الجنوب اللبناني وصولاً إلى العاصمة بيروت محاولة اخضاعه سياسياً وأمنياً بفرض اتفاق 17 أيار/مايو[13]. وقد أشار العديد من الباحثين اللبنانيين إن الاجتياح الإسرائيلي كان جزءاً من رؤية أوسع تقوم على ضرب المجتمعات العربية المحيطة ثم تحويلها إلى دول ضعيفة وهشة ومتصارعة.[14]

اليوم يُعيد نتنياهو وحكومته طرح مفهوم “إسرائيل الكبرى” وذلك عبر توسيع الاستيطان ورفض أي طرح لإقامة الدولة الفلسطينية، أي احتلال ما تبقى من الضفة الغربية والقدس وتهجير أصحاب الأرض الأصليين، ناهيك باحتلال مناطق واسعة من الجنوبين اللبناني والسوري، وكل ذلك بهدف واضح أن تصبح (إسرائيل) هي الدولة المهيمنة الوحيدة في منطقة المشرق.

إقرأ على موقع 180  حربُ إيران.. والتباسات وقف النار

إن أخطر ما حققته (إسرائيل) خلال العقود الماضية إضافة للإحتلال العسكري، هو إعادة تشكيل وعي جديد للمنطقة وتزوير تاريخها؛ ألم تُقدم فلسطين للعالم على أنها “أرضٌ بلا شعب”؟ ألم تُقصَ السردية الفلسطينية من الإعلام والثقافة والسياسة الدولية؟ وأليس مع كل حرب عدوانية جديدة على دول المنطقة، ومنها لبنان، تتبدى مشاريع سيطرة وهيمنة أكثر فأكثر، وبالتالي تدفع منطقتنا أبهظ الأثمان.[15].

الخاتمة:

إن قراءة الخامس عشر من أيار/مايو بوصفه مجرد ذكرى تاريخية هو اختزال لأحد أخطر التحولات الجيوسياسية والثقافية في تاريخ المشرق، فقيام هذه الكيان المؤقت لم يكن حدثاً عابراً، بل بداية مشروع اقتلاعي أعاد تشكيل المنطقة بالعنف والقوة، وفرض واقعاً جديداً ما تزال شعوب هذا المشرق تدفع أثمانه الغالية حتى يومنا هذا.

لقد أثبتت العقود الماضية أن المشروع اليهودي لم يقتصر على احتلال الأرض، بل تعداه إلى إعادة صياغة الوعي والتاريخ والخرائط والذاكرة والهوية والرمز، فالحروب والتهجير والتطبيع بالقوة وحتى تفكيك المجتمعات ليست سوى نتائج لهذا المشروع الاستعماري.

والأخطر أن هذه المنطقة بدل أن تواجه هذا المشروع برؤية ثقافية وتاريخية موحدة، قد أصبحت غارقة في الانقسامات والصراعات الداخلية. بالمقابل، نجح الكيان في تقديم نفسه للعالم باعتباره “الديموقراطية” الوحيدة في المنطقة برغم سجله الاجرامي القائم على الاحتلال والقتل والتهجير.

إن معركتنا اليوم مع هذا الكيان لا بد أن تكون معركة سردية مسندة إلى علم التاريخ. لا بد أن تكون معركة تأسيس وتطوير للذاكرة. لا بد أن تكون معركة تأكيد الهوية التاريخية. لا بد أن تُترجم بكتابة التاريخ الحقيقي من منظور الضحية، وليس من منظور المنتصر أو الجلاد؛ فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على المقاومة.

 المصادر والمراجع:

[1] هي اتفاقية سرية وقعّت عام 1916 بين بريطانيا، وفرنسا، ولاحقاً إيطاليا، بموافقة روسية لتقسيم أراضي الدولة العثمانية في منطقة المشرق، وهي اتفاقية تم بموجبها رسم حدود نفوذ دول الاستعمار، وأدت لاحقاً إلى فرض الانتداب البريطاني – الفرنسي على: فلسطين، العراق، سوريا ولبنان

[2] في فلسطين وعد بلفور 1917 هو تصريح وزير خارجية بريطانيا والذي يتعهد فيه بأن تدعم بريطانيا إقامة وطن قومي للشعب اليهودي

[3] مؤسس الصهيونية السياسية، يلقب (بابو الدولة) وقد وضع الأسس الفكرية والتنظيمية التي أدت لاحقاً إلى قيام إسرائيل

[4] هو أول رئيس وزراء وأحد أبرز مؤسسيها، وهو الذي قاد إعلان قيام الدولة كما قادها خلال حرب العام 1948 ويعتبر من أهم الشخصيات التي رسخت وجود إسرائيل في المنطقة

[5] زريق، قسطنطين – معنى النكبة – دار العلم للملايين – بيروت 1956 – ص: 15-18

[6] المسيري، عبد الوهاب – موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – دار الشروق – القاهرة 1999 – ج 1 – ص: 45-49

[7] كويستلر، أرثر – وعد بلفور: الجذور الحقيقية للمشروع الصهيوني – ترجمة فؤاد أيوب – دار الطليعة – بيروت 1981 – ص: 61-67

[8] المسيري، عبد الوهاب – تاريخ الحركة الصهيونية – دار الشروق – القاهرة 2000 – ص: 112-

[9] بابيه، إيلان – التطهير العرقي في فلسطين – ترجمة أحمد خليفة – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت 2007 – ص: 83

[10] الخالدي، وليد – كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل عام 1948 – مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت 1997 – ص: 18

[11] ساند، شلومو – اختراع الشعب اليهودي- ترجمة حازم نهار – المركز القومي للترجمة – القاهرة – 2013 – ص: 41

[12] Finkelstein, Israel and Neil Silberman التوراة اليهودية المكشوفة على حقيقتها – ترجمة سعد رستم – دار علاء الدين – دمشق 2003، ص: 32

[13] طرابلسي، فواز – تاريخ لبنان الحديث – دار رياض الريس – بيروت 2008 – ص: 231

[14] قرم، جورج – المسألة الدينية في القرن 21 – دار الفارابي – بيروت – 2007 – ص: 177

[15] سعيد، أدوار – الثقافة والامبريالية – ترجمة كمال أبو ديب – دار الآداب – بيروت 1997 – ص: 91

Print Friendly, PDF & Email
نجا حمادة

باحث في علم التاريخ، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  لليساريين والعلمانيين.. إفهموا الدين قبل رفع سيوفكم!