أحمد الشرع.. رئيسٌ عابرٌ يملأ الفراغ!
SYRIA-TURKEY-DIPLOMACY

في المجتمعات المأزومة، يحتاج الجمهور إلى وجوه كاريزماتية رمزية، حتى يُسقط عليها، وبشكل غير واعٍ، الكثير من الصور المُتخيلة، ومع الوقت تُصبح هذه الوجوه مثال الأنا، أفرادًا وجماعات؛ فترفع أناهم العاجزة وتُهدئ من قلقها، وتُوظف حاجاتهم النفسية المكبوتة وتملأ الفراغ القيادي، وثمة أمثلة تاريخية عديدة في هذا الإتجاه.

كنا قد تحدثنا في مقالة سابقة عن الأسطورة الافتراضية التي صاغها الطبيب والمحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد في كتابه “الطوطم والحرام”، والتي تحكي عن أساس نشأة المجتمع البشري. هذه الأسطورة تفيد أن جماعة من البدائيين كان يحكمها ذكر قوي استحوذ على نساء القبيلة جميعهنّ، فارضًا نظامًا من التحريم الجنسي الصارم على أفراد العشيرة. وتحت تأثير القمع والكبت لأبناء العشيرة، ثار الأبناء على أبيهم وقتلوه لاستحواذه على ما لذُّ وطاب، وعلى الأثر، عمَت الفوضى وتنازع الأخوة فيما بينهم على تقسيم التركة من الامتيازات التي قد حرموا منها طويلاً في حياة الأب الزعيم، ووقع الأخوة في صراع واقتتال في غياب سلطة الأب والنظام الذي كان يسود بين أبناء القبيلة، وعلى الأثر، عاش الأبناء الشعور بالذنب بعد عملية القتل، وتحوّل الزعيم القتيل إلى أب رمزي بعد أن أقيمت له طقوس تكريمية تكفيرًا عن ذنوبهم، وفي أعقاب ذلك شيّدوا نظامًا جديدًا من القيم والقانون يشمل التحريم والتقديس إلخ..

لو غصنا تحليليًا، لاستطعنا معاينة أسباب أخرى لتحويل زعيم القبيلة الظالم إلى آخر عادل، ورفعه إلى مكانة الرمز؛ ففي كتاب “علم نفس الجماهير” للعالم الأنثروبولوجي غوستاف لوبون، يُصبح التحويل الرمزي لصورة الأب حاجة غريزية ملحّة، فالجمهور لا يستطيع العيش من دون إجماع عاطفي حول شخصية ما؛ وبالتالي تعطش الجمهور للطاعة هو تعطش نزوي لدى الجماعات، ومع وجود رجل في السلطة يضع القوانين والأعراف، يشعر الجميع بالأمن والطمأنينة حتى لو لم يكن ذلك الشخص مثاليًا..

أنطلق من هذه المقدمة للقول إن المشهد السوري بيّن لنا أنه بعد القتل الرمزي للرئيس السوري السابق بشار الأسد، دخل الجمهور السوري بأكثريته تحت عباءة أبو محمد الجولاني أو أحمد الشرع، رئيس سوريا الجديد، بأمل العثور على ميراث الحقوق السورية التاريخية الضائعة؛ من خلال شخصية تملأ الفراغ القيادي الذي نشأ بعد الإطاحة بنظام ديكتاتوري.

ثمة حاجة إلى “المنقذ”، والأسماء المتداولة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فكان أن وقع الاختيار على أحمد الشرع؛ وبحسب ما كشفه السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرت فورد، فإن جهات دولية، بينها الولايات المتحدة، اختارت “هيئة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع المعروف سابقًا بالجولاني، ليكون بديلاً سياسياً في سوريا بعد فشل المفاوضات مع بشار الأسد، وعلى هذا الأساس أخضِع الشرع للتدريب على أيدي سفراء وضباط استخبارات بريطانيين وأميركيين وبعد ذلك جاء دور الإعلام والسوشيل ميديا لتضخيم الدور وتجميل الصورة، وذلك حتى يجد كل باحث عن المنقذ (البطل) ما يشتهيه في الشخصية الجديدة، مع الأخذ بالاعتبار أن ظروفاً معينة ساهمت في تقدم اسم الشرع وأبرزها أنه ينتمي إلى درعا التي تُصنّف بأنها “معقل الثورة السورية” ونقطة انطلاقتها في ربيع العام 2011.

وتشير الأحداث في سوريا، إلى أنه برغم تنصيب أحمد الشرع رئيسًا مؤقتًا لسوريا ووهبه كل الصور القيادية المثلى من قبل أكثرية السوريين، إلا أنهم لم يدخلوا الجلباب الجولاني إلا من بابه الافتراضي المتخيل وربما الوهمي، إذ أنهم يراهنون عملياً على المجهول.

واللافت للانتباه أن أكثرية السوريين، ممن بايعوا الرئيس الجديد كانوا يفتقرون بداية إلى معرفة هوية الرجل، وكيف ومن أين أتى، وتلك حقائق تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت عن لسان الكثير منهم، حتى أنني توجهت بالسؤال إلى بعض النازحين السوريين في لبنان العاشقين لزعيمهم الجديد حول ما إذا كانت لديهم أية فكرة عن هويته، فكانت معظم الإجابات سلبية.

لقد نال أحمد الشرع المبايعة حتى من الذين لا يعرفونه، أو حتى قبل تأمينه كسرة الخبز، أو الحاجات الأساسية مثل الأمن، فهو لم يراكم رصيدًا من النجاح، ولم يتبع خططًا استباقية إنمائية لسد الفراغ المتراكم، ولم يسترجع الحقوق الضائعة، ولم يحقق نجاحًا يُحقّق الصدمة المطلوبة، حتى أنه لم يغرد خارج سرب أسلافه ليصنع محتوى وطنياً أكثر جودة، ولم يهمس في نفسيات ناسه ويلتمس حاجاتهم كما هي شروط القادة، حتى أنه لم يخلق وعياً مزيفاً ليخدر به المواطن، ولم يتناول خطابًا تاريخيًا عميقًا لمستقبل الشعب السوري. ما نشهده هو مجرد انصياع أعمى لزعيم يفتقد إلى تجربة ناجحة، وكل ما قام به هو الانتقام من “فلول النظام السابق” ومن حكم الأقلية (العلوية)، واستحالة ضبط المجموعات المتنافرة وخير دليل ما جرى في الساحل السوري ثم في السويداء.. وهي أحداث وثّقت معظمها الكاميرات على أرض سوريا.

وما يسري على أحمد الشرع، من صور ومفردات، ألقاه السوريون على زوجته “سيدة سوريا الأولى” حيث اعتبرها بعض المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي في أول ظهور لها بأنها “سيدة نساء العرب”. ووضع البعض الآخر صورتها في بروفايله الخاص.

إقرأ على موقع 180  حقان فيدان.. الإبن البار للأردوغانية!

قد يكون عالم التواصل الاجتماعي الواسع ساهم في تماهي رأي كثيرين مع صورة الشرع (المنقذ) وبالتالي ساهم في الإكثار من الصور الخيالية أو المتخيلة لما يرغبه كل مواطن سوري، فالشعوب المقهورة غالبًا ما تميل إلى الإحساس بالفوز حتى لو كان الأمر تخيليًا.

تاريخيًا، أفرزت الأمم نماذج متعددة من الزعامات وارتهن بها مصير الشعوب ومستقبلها، كما عرف عن القادة على مر التاريخ أنهم استطاعوا فهم ومعرفة سيكولوجية شعوبهم والعمل على تغذية حاجاتهم النفسية أو اللعب على الوتر العرقي والعصبي أحيانًا أخرى والسّيطرة عليها من خلال الوعود أو الوعود المضخّمة، أو من خلال عبارات عاطفية تضرب أوتاراً حسّاسة تتسلل إلى لاوعي الجماهير؛ فالشعور بالعجز يحتاج دائمًا إلى ميكانيزمات أخرى أكثر جاذبية ليحصل على جمهور أكثر تفاعلًا، إلا أن المشهد السوري بين الجمهور ورئيسه الجديد أحمد الشرع لم يعطِ تفسيرًا حقيقياً لأسباب الولاء الذي كنَا نعرفه؛ فالرئيس الجديد لم نسمع منه خطابًا تاريخيًا أو سيلًا من الوعود، ولم يتحسس حاجات شعبه الأساسية، أو تحمس لأفكارهم، ولم يتّخذ تلك القرارات التي تنهض بشعب كبير وبلد عريق، ولم يثر الصور المكنونة في أعماقهم، أو يستخدم المفردات في خطابه التي تجعل كل جمهور يربط مصيره بمصير قادته كخطاب الرئيس ياسر عرفات “على القدس رايحين شهداء بالملايين” أو كما تصرف الزعيم العربي جمال عبد الناصر بعد هزيمة العام 1967 أو كما خاطب السيد حسن نصرالله جمهوره “يا أشرف الناس”.

حتى الآن، ما يحدث في سوريا هو غياب زعيم وحضور آخر.. وكلنا نعلم أنه حين يعمّ الخوف والقلق والفوضى وتتعمق حالة الفراغ يندفع الناس المأزومون غرائزياً للبحث عن زعيم آخر، فيستحضرون الأساطير لتجسيدها في آخر عابر ولو من وراء البحار.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  حقان فيدان.. الإبن البار للأردوغانية!