«ما إلنا حدا».. حين يتحول الضعف إلى قوة

تتردد بين بعض النازحين في مراكز الضيافة عبارة: «نحن ما إلنا حدا، احكوا باسمنا ولا تنسونا»، وقد نقلها إعلاميون وصحافيون زاروا بعض هذه المراكز. وفي تعبير مشابه، راجت على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة: «ما بقي لنا حدا إلا الله»، ليرد آخرون بأن المقاومة تحارب لأجلهم، وأنهم ليسوا وحدهم.

ليست هذه مجرد رسالة شفوية عابرة أو استغاثة ظرفية فرضتها الحرب والتهجير، بل تعبير عن مشاعر دفينة تشير إلى قلق وجودي وخوف من التخلي والخذلان والشعور بالعزلة. وقد يراها البعض انعكاسًا عاطفيًا للحظةً استثنائية فرضتها ظروف الحرب، لكنها تبدو أقرب إلى عدسة تكشف عن ذاكرة جماعية تستدعي الماضي لتفسير الحاضر.

لا يمكن أن ينشأ هذا الشعور من فراغ، بل هو نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية وسياسية عزّزت انعدام الثقة بالعالم الخارجي، وبالدولة، وبالحلفاء أحيانًا، وبمؤسسات لم يُنظر إليها على أنها قادرة على تمثيل مصالح هذه البيئة أو حمايتها من الحروب والتدمير. وفي المقابل، انتقلت مشاعر الثقة والاعتماد إلى الجماعة الذاتية ورموزها، وهو ما تجسد في العبارة المتداولة: «يا كل ما تبقى لنا».

ولفهم الخلفية التاريخية لهذه المقولة، لا بد من التوقف عند عناصر ساهمت في تشكيل وعي هذه البيئة، بدءًا من سرديات المظلومية المرتبطة بسيرة أهل البيت وواقعة كربلاء وما حملته من معاني الخذلان والتضحية، وصولًا إلى تجارب معاصرة رأت فيها هذه البيئة امتدادًا لمعاناة تاريخية متكررة.

***

في الحاضر، تراكمت لدى هذه البيئة ظواهر مرتبطة بصولات وجولات الصراع مع إسرائيل، لعل أبرزها التمسك بالأرض، وثمة اعتقاد راسخ بأن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا يمكن التخلي عنها مهما بلغت التضحيات.. كما ساهم الموقع الجغرافي للبنان، وما شهده الجنوب من حروب متكررة، إضافة إلى التهديدات التي انطلقت سابقًا من الحدود السورية شرقاً خلال أحداث الجرود، في ترسيخ الإحساس بأن البيئة المقاومة وجدت نفسها، في كثير من الأحيان، في مواجهة الأخطار منفردة.

وعليه، يبدو الشعور بالوحدة داخل هذه البيئة نتاج عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية وأمنية متشابكة، أكثر من كونه مجرد حالة نفسية فردية. فهذه البيئة طورت سردية جماعية تقوم على أنها «دائمًا في المواجهة»، وأن التضحيات أصبحت جزءًا من تعريفها لنفسها، بما يمنحها في الوقت نفسه شعورًا بالتماسك والانتماء والقدرة على الصمود.

وفي علم النفس السياسي، يُستخدم مفهوم «عقلية الحصار» لوصف حالة جماعات عاشت صراعات وجودية أو حروبًا متكررة، فتتشكل لديها قناعة دائمة بأنها محاطة بالمخاطر، وأن السند الخارجي غائب أو غير موثوق. ومع مرور الوقت، قد يستمر هذا الإحساس حتى بعد تغير الظروف الموضوعية.

ومع ذلك، فإن الشعور بالوحدة ليس حكرًا على جماعة بعينها، بل يمكن أن يصيب أي جماعة تُترك وحدها في لحظة مصيرية. كما أن الحروب والأزمات تكشف أحيانًا عن أنماط جديدة من التضامن، وتجعل من مقولة «رب أخ لك لم تلده أمك» حقيقة معاشة تتجاوز الانقسامات التقليدية.

غير أن مقولة «ما إلنا حدا» لا يمكن فصلها عن البيئة الاجتماعية التي أنتجتها. فثمة محطات من التهميش والإقصاء، سواء كانت حقيقية أو متخيلة، ساهمت في ترسيخ الشعور بالعزلة، وفي تعزيز التماسك الداخلي للجماعة، بحيث أصبح الخارج يُنظر إليه أحيانًا بوصفه مصدر تهديد أو خصومة أكثر منه فضاءً للشراكة.

سبق أن تناولتُ في مقالة سابقة عبارة «ما بيشبهونا» التي ترددت في الآونة الأخيرة داخل المجتمع اللبناني، وهي مقولة تعكس شعورًا بالتمايز، وربما شيئًا من النرجسية الجمعية، لكنها تقف في الاتجاه المعاكس لمقولة «ما إلنا حدا». فالأولى تنطلق من الإحساس بالاختلاف والتفوق، بينما الثانية تنطلق من الإحساس بالخذلان والوحدة. ومع ذلك، فإن كلتيهما تعبران، بدرجات متفاوتة، عن هشاشة في العلاقة مع المجتمع الأوسع.

ومن زاوية تأويلية، يمكن النظر إلى عبارة «ما إلنا حدا» بوصفها تعبيرًا عن بيئة شعرت بأنها تعرضت لسلسلة من الخسارات والانتقادات والاتهامات، فمالت إلى الانكفاء نحو ذاتها، وإلى بناء سردية قوامها أنها دائمًا في قلب المواجهة، وأن التضحيات أصبحت جزءًا من تعريفها لنفسها. وفي المقابل، منحتها هذه السردية قدرة أكبر على الصمود، وعززت لديها الشعور بالانتماء والتضامن الداخلي.

***

في علم النفس السياسي، لا تُعد «عقلية الحصار» مجرد شعور سلبي، بل قد تتحول أحيانًا إلى آلية دفاعية تدفع الجماعات إلى تطوير قدرات عالية على التكيف، وبناء مؤسساتها الخاصة، وشبكاتها الاجتماعية، وتعزيز الاعتماد على الذات. ولعل ذلك يفسر ما يُلاحظ من قدرة هذه البيئة على تحمل النزوح، وتدمير المنازل، والخسائر البشرية والمادية، والتعامل مع مستقبل غامض من دون انهيار اجتماعي شامل.

كما أن صور التضامن الداخلي التي برزت خلال الأزمات لم تأت من فراغ، بل نشأت من إحساس مشترك بأن المصير مهدد، وهو ما يدفع الجماعات عادة إلى بناء شبكات دعم ومساندة تعوض جزءًا من الخسارات، وتساعدها على الاستمرار.

قد أجد نفسي منخرطة في تفسير هذه العبارة بصورة لا تخلو من البعد الذاتي، سواء لانتمائي إلى هذه البيئة أو لأن حكاياتها مشبعة بالعاطفة وموسومة بالتضحيات. غير أن «نحن ما إلنا حدا، ما تنسونا، احكوا باسمنا» تبدو أكثر من مجرد توصيف لحظة سياسية عابرة؛ إنها اختزال مكثف لذاكرة جماعية مثقلة بالقلق الوجودي والخوف من الخذلان، ولشعور تراكم عبر تجارب متلاحقة من الحرب والفقدان.

إقرأ على موقع 180  الطائفية، الأقليات والأكثريات والأوهام

لكن ما قد يغيب عن أصحاب هذه المقولة أن مصدر هذا الضعف هو، في جانب منه، مصدر قوة أيضًا. فالبيئة التي قاومت الاحتلال لعقود، وحافظت على تماسكها، وطورت مؤسساتها وقدرتها على التكيف مع الأزمات، أثبتت أنها تملك قابلية عالية للاعتماد على الذات واستنهاض مواردها الداخلية كلما اشتدت المحن.

وما يثير القلق، من منظور علم النفس السياسي، هو انتقال بعض المعتقدات السلبية أو تمثلات التهديد إلى الأجيال اللاحقة، بحيث تتحول الذاكرة من مصدر للعبرة واليقظة إلى مصدر دائم للريبة والخوف من الآخر، فنصبح أمام شعور جماعي بالحصار لا يستند بالضرورة إلى وقائع الحاضر بقدر ما يستند إلى سرديات موروثة.

لذلك، فإن التحدي لا يكمن في التخلي عن الذاكرة، بل في كيفية إدارتها؛ أي في تحقيق توازن بين حفظ التجارب المؤلمة والاستفادة من دروسها، وبين الانفتاح على المحيط الوطني وعدم تحويل الاختلاف في الرؤى والقناعات إلى شعور بالانفصال أو امتلاك حصري للحقيقة. فالتمسك بالهوية، والسعي إلى العدالة، والحفاظ على الخصوصية الثقافية والسياسية، لا تستلزم بالضرورة العزلة أو الخوف، بل قد تكون مدخلًا إلى شراكة وطنية أوسع وأكثر ثقة بالنفس.

إن الحفاظ على الهوية، واستذكار التضحيات، لا يستلزمان بالضرورة العزلة أو الخوف، بل قد يشكلان مدخلًا إلى شراكة وطنية أوسع، شرط ألا تتحول الذاكرة من مصدر للعبرة إلى سجن نفسي دائم. فالمجتمعات لا تُبنى بالحصار المتبادل، بل بالاعتراف المتبادل، وبالقدرة على تحويل الألم إلى خبرة، والخسارة إلى وعي، والضعف إلى قوة، كما بالقدرة على تحويل الذاكرة من عبء على الحاضر إلى رصيد للمستقبل.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مستقبل العالم بيد أمريكا.. استحالة القيادة المنفردة!