ديموقراطية النار.. صناديق الاقتراع تتحكم بخنادق الشرق الأوسط

​في قلب الشرق الأوسط، لم يعد دويّ المدافع يتردد في غرف العمليات العسكرية ومراكز التخطيط الاستراتيجي وحسب، بل باتت أصداؤها تتداخل، بشكل غير مسبوق، مع ضجيج الحملات الانتخابية وحسابات صناديق الاقتراع في العواصم الفاعلة.

لم تعد القراءة التقليدية للصراعات الإقليمية من منظور الأمن القومي المجرد كافية لتفسير مشهد معقد امتزجت فيه العقيدة العسكرية بالحسابات الحزبية البحتة، وتحول فيه قرار الحرب والسلم من ضرورة استراتيجية لحماية الحدود إلى أداة بقاء سياسي وجودي في الداخل. ولم يعد هذا الرابط مجرد استنتاج صحفي، بل بات يجد تأصيلاً له في صلب النظريات السياسية الحديثة؛ وفي مقدمتها “نظرية الحرب الالتفافية” (Diversionary Theory of War)، التي تفسر كيف يميل القادة المأزومون محلياً إلى افتعال أو إطالة أمد نزاعات خارجية لتشتيت الانتباه عن أزماتهم الداخلية، وحشد الرأي العام خلف راية الوطن في مواجهة “خطر خارجي” داهم.

من هنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: إلى أي مدى أصبحت هذه الحروب نفسها جزءاً من المعارك الانتخابية وأداة لإعادة تشكيل الخرائط السياسية داخل بعض البلدان؟

​يتجلى هذا الارتباط الوثيق بين الميدان وصندوق الاقتراع عند النظر إلى الساحة الإسرائيلية، حيث يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه راقصاً على حبل مشدود بين جبهات القتال وضغوطات القضاء والانقسام الداخلي غير المسبوق. بالنسبة لنتنياهو، لم تعد العمليات العسكرية مجرد خيار تكتيكي، بل تحولت إلى تطبيق حيوي لـ”نظرية النخبة الناخبة” (Selectorate Theory)، والتي تشير إلى أن القادة يستندون في قراراتهم المصيرية إلى تلبية رغبات التحالف الضيق الذي يضمن بقاءهم في السلطة؛ وفي حالته، هو ائتلافه اليميني المتطرف.

إن إطالة أمد المواجهة وتجنب أي تسويات – قد تُفسر في الداخل كتراجع أو هزيمة – هي الضمانة الوحيدة لمنع تفكك تحالف نتنياهو الانتخابي وذلك سعياً إلى انتخابات تحول دون طوي صفحة مسيرته السياسية وبالتالي اعادته إلى قاعات المحاكم. هكذا، تلتقي المصلحة الذاتية بالقوة العسكرية لتمثل جوهر الحرب الالتفافية، حيث يصبح استمرار الصراع صمام الأمان الوحيد في وجه رياح المحاسبة الداخلية.

​وعلى المقلب الآخر، يعيش الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بيئة سياسية تحكمها معادلة مختلفة تماماً تفسرها “نظرية تكلفة الجمهور” (Audience Costs Theory). وتفترض هذه النظرية أن القادة الديموقراطيين يواجهون عقاباً سياسياً قاسياً من ناخبيهم إذا أطلقوا تهديدات عسكرية وتراجعوا عنها، أو إذا تورطوا في حروب ممتدة تستنزف دماء دافعي الضرائب وأموالهم دون حسم واضح. هذا التوازن الدقيق يفسر التأرجح المستمر في السلوك الأميركي بين خطابين؛ خطاب القوة والوعيد والتحشيد العسكري لإرضاء الجناح اليميني والمحافظ وإظهار صورة “الزعيم القوي” الذي لا يفرط بالهيبة الأميركية، وخطاب التهدئة والدعوة إلى صفقات سريعة تجنباً للانزلاق إلى مواجهات برية واسعة يكرهها الناخب الأميركي. هذا التذبذب ليس دليلاً على عشوائية الرؤية، بل هو استراتيجية احتواء متبادلة للجمهور، تسعى إلى إبقاء الملف الأمني ساخناً بالقدر الذي يخدم الأجندة المحلية، دون تجاوز العتبة التي قد ترتب تكلفة انتخابية باهظة في حال اندلاع حرب شاملة غير محسوبة النتائج.

​من هذه الزاوية، تبدو الساحة اللبنانية، وتحديداً في الجنوب، مرآة تعكس هذه الحسابات النظرية والعملية بدقة متناهية؛ فالعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة والضربات الموضعية والاغتيالات لا تهدف إلى حسم عسكري نهائي بقدر ما تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تدريجية يمكن تسويقها للرأي العام الإسرائيلي كـ”إنجازات أمنية” تُعوّض خسارة الشعور بالأمان الاستراتيجي. وفي المقابل، تجد القوى المناهضة نفسها أمام معضلة حقيقية تفرضها فجوة الإمكانات العسكرية والاقتصادية، ما يجعل خيار الحرب المفتوحة شديد الكلفة ومدفوعاً نحو تبني استراتيجية الصمود واحتواء الضربات والمحافظة على الحد الأدنى من الردع، بدلاً من السعي لتغيير ميزان القوى بشكل جذري، مستوعبين أن أي اندفاعة غير محسوبة قد تمنح الطرف الآخر الذريعة الكاملة لتصعيد أوسع يغذي حملته السياسية الداخلية.

​هكذا يتحول “الوقت” في هذه الصراعات الحديثة إلى سلاح بحد ذاته، حيث يسعى كل طرف إلى “تمطيط” الزمن وعبور المرحلة الانتخابية بأقل خسائر ممكنة، محتفظاً بأوراقه السياسية لمنع خصمه من تحويل أي إنجاز عسكري إلى رصيد انتخابي ملموس.

هنا ثمة مفارقة مأساوية هي أن هذا الوقت المستقطع يُدفع ثمنه يومياً من حياة المدنيين واقتصادات المنطقة المنهكة، لتتحول المعاناة الإنسانية، بمرارة شديدة، إلى ورقة ضغط في كواليس التفاوض، وكأن دماء الشعوب أصبحت العملة الصعبة التي تُشترى بها أصوات الناخبين على بعد آلاف الأميال. وبطبيعة الحال، لا يمكن اختزال تعقيدات الشرق الأوسط، من طموحات إقليمية وملفات نووية وصراعات نفوذ بين القوى الكبرى، في العامل الانتخابي وحده، غير أن تجاهل هذا العامل يغفل حقيقة أن السياسة الداخلية باتت المحرك الأساسي لصناعة القرار الاستراتيجي، لتبقى المنطقة رهينة حرب استنزاف منضبطة ومقننة، تدفع شعوبها كلفة حسابات تتجاوز حدودها، بانتظار إرادة سياسية حقيقية تُقدّم الاستقرار الإقليمي على المكاسب الحزبية الآنية.

إقرأ على موقع 180  مفاوضات عُمان.. ماذا يحمل إليها الأميركيون والإيرانيون؟

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الإسلاميون والعلمانيون.. هل يتصالحون ضمن دولة مدنية؟