لبنان.. حين يصبح التمويل اختبارًا للدولة لا للخزينة

تطرح ورقة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سؤالًا ماليًّا في ظاهره: هل من تمويل متاح للبنان لإعادة الإعمار؟ لكن الإجابة عبر تفكيك مصادر التمويل ومستوياته وشروط تحريكه، تكشف عن سؤال أعمق لا يخص الاقتصاد وحده، بل نمط إعادة إنتاج المجتمع بعد الكارثة. فحين تميّز الورقة بين "إعادة الإعمار" بوصفها إصلاحًا للبنية المادية، و"التعافي" بوصفه عودة الناس إلى دخلهم وخدماتهم ودورة حياتهم اليومية، فإنها تضع، من دون أن تسمّي ذلك صراحة، مسألة سوسيولوجية مركزية: من يعود، وإلى أي بنية اجتماعية يعود، وبأي شروط يُعاد إنتاج وجوده فيها؟

هذا المدخل يسمح بقراءة الورقة من موقع مختلف عن القراءة المالية البحتة. فالأرقام التي تسوّقها الورقة، من فجوة تمويلية تقارب 20 مليار دولار، إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، إلى تضرر أو تدمير أكثر من 68 ألف وحدة سكنية، ليست مؤشرات محاسبية فحسب، بل مؤشرات على حجم الاقتلاع الاجتماعي الذي أحدثته الحرب. والسؤال الذي يطرح هنا ليس فقط: كم يكلّف الإعمار؟ بل: أي نوع من الروابط الاجتماعية يعاد بناؤه حين تُصرف هذه الأموال، إن صُرفت؟

الزمن المؤجّل

تميّز الورقة بدقة بين ثلاثة مستويات من التمويل: تمويل موجود وقابل للصرف الفوري، تمويل قابل للتحريك عبر آليات طارئة ضمن قروض قائمة، وتمويل محتمل مشروط بالإصلاح وبالثقة السياسية. هذا التمييز، من زاوية سوسيولوجية، يعيد إنتاج علاقة معروفة في الأدبيات النقدية حول الدولة الريعية والدولة الهشة، وهي علاقة الدولة بالزمن الاجتماعي لمواطنيها. فحين يبقى التمويل معلّقًا بين الالتزام والصرف الفعلي، كما تصف الورقة تجربة سد بسري وإلغاء 244 مليون دولار منه في 2020 بسبب عدم استكمال الشروط، فإن الزمن الذي يُقاس بالنسبة إلى الدولة والمانحين بوحدة “الإجراءات الإدارية” يُقاس بالنسبة إلى الأسر النازحة بوحدة مختلفة تمامًا: فصل دراسي إضافي بلا مدرسة، وشتاء إضافي بلا مأوى دائم، ودورة إنتاج زراعية أو تجارية تُفقد كل مرة يتأخر فيها القرار.

هذه الفجوة الزمنية بين “الدولة المؤسسية” و”المجتمع المعيوش” ليست عارضة، بل هي جوهر ما تسميه الورقة “الجاهزية”، حين تشترط لتحريك التمويل توفر جاهزية قانونية وإدارية ولوجستية ورقابية. فالجاهزية، في القراءة السوسيولوجية، ليست شرطًا تقنيًّا محايدًا، بل هي كاشف لبنية السلطة وتوزع الصلاحيات بين مجلس الإنماء والإعمار والوزارات والبلديات، أي لبنية سياسية سبق أن أنتجت الأزمة قبل الحرب، ولم يطرأ عليها تغيير جوهري بعدها.

ثمن الإعمار

تشير الورقة إلى أن أي تمويل إضافي، سواء عبر البنك الدولي أو عبر برنامج مرتقب مع صندوق النقد الدولي، هو دين يُضاف إلى دولة متعثرة أصلًا عن سداد ديونها منذ آذار/مارس 2020. من زاوية النظرية النقدية للفعل الاجتماعي، لا يمكن التعامل مع الدين بوصفه أداة تمويل محايدة، بل بوصفه علاقة اجتماعية تعيد توزيع المخاطر بين الدولة والمجتمع والدائنين. فحين تُشترط استعادة استدامة الدين بمشاركة كافية من الدائنين، كما تنقل الورقة عن صندوق النقد الدولي، فإن الأثر الاجتماعي المباشر لهذا الشرط يقع على شريحة المودعين الذين ما زالوا خارج أي حل واضح لأزمة الودائع، وعلى فئات اجتماعية سبق أن تحملت كلفة الانهيار المالي منذ 2019، وستتحمل الآن كلفة إضافية من دون أن يتغير موقعها في بنية توزيع الثروة والمخاطر.

هذا ما يجعل السؤال الذي تطرحه الورقة في خاتمتها، وهو: هل يزيد التمويل قدرة الاقتصاد على النهوض أم يضيف دينًا جديدًا فوق اقتصاد عاجز، سؤالًا سوسيولوجيًّا بقدر ما هو اقتصادي. فالإجابة عنه تتوقف على معيار لا تذكره الورقة صراحة، وهو: من يستفيد من إعادة تشغيل أي قطاع يموَّل، ومن يتحمل كلفة الدين الذي يموّله؟ فمشروع مياه أو طاقة يُموَّل بالدين يمكن أن يعيد توزيع الدخل نحو الأسر والمؤسسات الصغيرة إذا خفّض كلفة التشغيل عليها، كما يمكنه أن يعيد إنتاج نفس بنية الريع إذا احتكرت شركات التلزيم والتوريد عوائده.

سؤال التمويل، مهما بدا ماليًّا وتقنيًّا، هو في جوهره اختبار لبنية السلطة وتوزع الصلاحيات وعلاقة الدولة بالزمن الاجتماعي لمواطنيها. فالمبالغ المتاحة، مهما بدت ضئيلة قياسًا بحجم الحاجات، يمكن أن تنتج أثرًا مضاعفًا إذا أُديرت ضمن رؤية موحدة تربط الخدمات بالدخل وبالعودة الفعلية للسكان

الهشاشة كحالة بنيوية

يمكن قراءة ما تصفه الورقة بأنه “العودة الشكلية إلى هشاشة قائمة” من خلال مفهوم الهشاشة (précarité) كما تطور في التقليد السوسيولوجي الفرنسي، حيث لا تعني الهشاشة غياب الموارد فقط، بل غياب القدرة على التخطيط للمستقبل بثقة، بفعل انعدام استقرار العمل والدخل والسكن. والورقة، حين تصف الاقتصاد اللبناني بأنه لم يكن أصلًا قادرًا على امتصاص صدمة كبرى، وأن قطاعه المصرفي معطل عن وظيفته التمويلية منذ سنوات، تصف بالضبط حالة هشاشة بنيوية سابقة على الحرب، تراكمت الحرب فوقها ولم تنتجها من الصفر. وهذا فارق جوهري: فالتعافي الذي تتحدث عنه الورقة لن يعيد مجتمعًا كان مستقرًّا إلى استقراره، بل سيعيد إنتاج مجتمع كان هشًّا أصلًا، ما لم يوجَّه التمويل عمدًا نحو كسر هذه الحلقة، عبر خلق دخل محلي مستدام لا عبر ترميم الأضرار المادية فقط.

بهذا المعنى، فإن التمييز الذي تقترحه الورقة بين إنفاق “يعالج الضرر” وإنفاق “يعيد تشغيل المجتمع” هو تمييز بين منطقين لإدارة الهشاشة: منطق إغاثي يعيد الأشخاص إلى وضعهم السابق الهش، ومنطق تنموي يحاول تغيير موقعهم داخل بنية الإنتاج والخدمات. والورقة، بإشارتها إلى ضرورة الجمع بين مشاريع المياه والطاقة والزراعة والصحة والإدارة المالية ضمن تصور اقتصادي واحد، تقترح ضمنيًّا المنطق الثاني، لكنها تقر في الوقت نفسه بأن الجاهزية المؤسسية اللبنانية الراهنة أقرب إلى المنطق الأول.

إقرأ على موقع 180  حين تصبح الطبقة وطناً

النازحون ليسوا وحدات إحصائية

تعرض الورقة أرقام النزوح والدمار السكني ضمن جدول الحاجات التمويلية، وهذا منطقي من زاوية التخطيط المالي. لكن القراءة السوسيوأنثروبولوجية تضيف بعدًا لا يظهر في الجداول: النازح ليس وحدة إحصائية تنتظر خدمة تُعاد إليها، بل فاعل يطور، خلال فترة الانتظار نفسها، استراتيجيات بديلة للبقاء، من إعادة تشكيل شبكات القرابة والجوار، إلى تعديل مصادر الدخل، إلى تغيير علاقته بمكان الإقامة الأصلي. وكلما طال أمد الفجوة بين الإعلان عن التمويل وتنفيذه الفعلي، ازداد احتمال أن تتحول هذه الاستراتيجيات المؤقتة إلى أنماط دائمة، بمعنى أن جزءًا من النازحين قد لا “يعودون” بالمعنى الذي تفترضه خطط إعادة الإعمار، حتى لو تحررت الأموال لاحقًا وأعيد بناء المسكن. هذا ما يجعل عامل الزمن، الذي تناقشه الورقة من زاوية إدارية بحتة عبر مسار الالتزام والصرف والتلزيم، عاملًا حاسمًا أيضًا من زاوية بقاء النسيج الاجتماعي المحلي في المناطق المتضررة، لا مجرد عامل كفاءة في إنفاق الأموال.

الخلاصة التي تفرضها قراءة هذه الورقة هي أن سؤال التمويل، مهما بدا ماليًّا وتقنيًّا، هو في جوهره اختبار لبنية السلطة وتوزع الصلاحيات وعلاقة الدولة بالزمن الاجتماعي لمواطنيها. فالمبالغ المتاحة، مهما بدت ضئيلة قياسًا بحجم الحاجات، يمكن أن تنتج أثرًا مضاعفًا إذا أُديرت ضمن رؤية موحدة تربط الخدمات بالدخل وبالعودة الفعلية للسكان. وهي، في المقابل، يمكن أن تتبخر في دورة جديدة من الالتزامات المعلقة والتلزيمات المتأخرة والردميات غير المرفوعة، كما حدث سابقًا مع مشاريع أخرى. والفارق بين المسارين لا يحدده حجم القرض أو المنحة، بل يحدده ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة، هذه المرة، على تحويل التزام مالي إلى فعل اجتماعي ملموس، قبل أن يتحول الزمن الطويل للإجراءات إلى زمن إضافي من النزوح والهشاشة بالنسبة إلى من ينتظرون.

(*) ورقة صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-بيروت بعنوان: هل من تمويل متاح للبنان لإعادة الإعمار؟ بين مطرقة الاقتراض وشروط التعافي، 17 تموز(يوليو) 2026

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "بروجيكت سانديكيت": الذكاء الإصطناعي وسيلة للنمو الإقتصادي!