الحرب التجارية الأميركية – الكندية تحتدم: من يدفع الكلفة؟

لم يعد التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وكندا مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية، ولا مجرد جولة جديدة من المساومة بين واشنطن وأوتاوا حول شروط التجارة. ما يجري اليوم يكشف عن أزمة أعمق في العلاقات الرأسمالية داخل أميركا الشمالية، وعن تحول متزايد في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي نفسه، حيث أخذت قواعد العولمة التي حكمت التجارة الدولية لعقود تفقد قدرتها على تأمين التوازن الذي استفاد منه رأس المال العالمي طويلًا.

في 22 أغسطس/آب، وبعد انهيار المفاوضات بين واشنطن وأوتاوا، فرضت إدارة دونالد ترامب رسومًا أميركية جديدة بنسبة 50 في المئة على على نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية، فيما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن كندا سترد برسوم «دولار مقابل دولار» ابتداءً من 8 سبتمبر/أيلول 2026 على مجموعة من السلع الأميركية. وتشمل الإجراءات قطاعات ومنتجات مختلفة، بينها الصلب، والألبان، والإلكترونيات، وغيرها.  

لكن أهمية ما حدث لا تكمن في الرسوم وحدها، بل في المسار الذي سبقها. فقبل أيام قليلة فقط كانت المفاوضات الأميركية ـ الكندية قد وصلت إلى مرحلة وصفت فيها بأنها «قريبة جدًا» من التوصل إلى اتفاق، وأعلنت واشنطن تأجيل فرض الرسوم ثلاثة أيام لإتاحة فرصة إضافية للمفاوضات. وكان الطرفان يناقشان تخفيض الرسوم على السيارات والصلب والألمنيوم، وتعديل بعض قواعد المحتوى المحلي، وغير ذلك من القضايا. ثم انهارت المفاوضات وعادت الرسوم إلى الواجهة.

هذه العودة السريعة من التفاوض إلى التصعيد تكشف أن السياسة التجارية الأميركية الحالية لا تقوم فقط على البحث عن تسوية مستقرة، وإنما تستخدم الرسوم بوصفها أداة ضغط وانتزاع تنازلات. وهي سياسة تعكس، في جانب منها، محاولة الرأسمال الأميركي التعامل مع ظروف اقتصادية وجيوسياسية أكثر صعوبة من تلك التي سادت في مرحلة العولمة الليبرالية. ومن هنا يصبح من الضروري النظر إلى الحرب التجارية من زاوية أوسع من شخصية ترامب.

من يتحمل كلفة الأزمة؟

الرأسمالية لا تعيش فقط من خلال الإنتاج، وإنما من خلال تحقيق الربح وتوسيع التراكم. وعندما تزداد المنافسة، وتتقلص بعض هوامش الربح، وتضطرب الأسواق وسلاسل الإمداد، يبدأ الصراع حول السؤال الأكثر جوهرية: من سيتحمل كلفة الأزمة؟

في ظروف الاستقرار النسبي، يكون تحرير التجارة وانتقال رأس المال والسلع عبر الحدود أمراً مرغوباً. أما عندما تتعرض شروط التراكم للاهتزاز، تعود الدولة القومية إلى الواجهة، وتبدأ الحكومات باستخدام الرسوم والحماية والدعم والقروض والسياسة الصناعية للدفاع عن رأس المال الموجود داخل حدودها. وهذا هو جوهر التحول الذي نشهده اليوم. فالولايات المتحدة تحاول حماية رأس المال الأميركي، حتى لو أدى ذلك إلى تحميل جزء من الكلفة للشركاء التجاريين. كندا، من جهتها، تحاول منع واشنطن من نقل أعباء أزمتها إلى الاقتصاد الكندي. بعبارة أخرى، كل طرف يقول للآخر: لن أتحمل وحدي كلفة الأزمة. وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية للرأسمالية المعاصرة. فالرأسمال يتحرك عالميًا عندما تكون العولمة مربحة، لكنه يعود إلى الدولة القومية عندما يحتاج إلى الحماية. الدولة التي يُطلب منها في الظروف العادية ألا تتدخل كثيرًا في السوق، تصبح في لحظة الأزمة الأداة الأساسية لحماية السوق، والشركات، والاستثمار، والوظائف.

هل يعود ترامب إلى التصعيد؟

من اللافت للانتباه أن العودة إلى التصعيد الأميركي جاءت بعد فترة قصيرة من التفاؤل بإمكان الوصول إلى اتفاق. ولا يمكن الجزم بأن اضطراب مضيق هرمز هو السبب المباشر لهذا التحول، كما لا توجد حتى الآن معطيات كافية لإثبات علاقة سببية مباشرة بين الأمرين. لكن من المشروع وضع التطورات في سياق أوسع. فالاقتصاد العالمي يواجه اضطرابات متراكمة في الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، وأي تصعيد جيوسياسي كبير، بما في ذلك اضطراب حركة الطاقة عبر الممرات البحرية، يرفع من درجة عدم اليقين ويزيد كلفة الإنتاج والنقل. وفي هذه الظروف قد تصبح الإدارة الأميركية أكثر ميلًا إلى استخدام موقع الولايات المتحدة الاقتصادي والتجاري لانتزاع تنازلات من الشركاء بدل تقديم تنازلات لهم. وهنا تصبح الرسوم الجمركية وسيلة لإعادة توزيع الأزمة جغرافياً. أي أن السؤال لا يعود: كيف نحل الأزمة؟ بل: كيف نجعل الآخرين يتحملون جزءًا أكبر منها؟ وهذا، في جوهره، هو المنطق الذي يحكم الصراع التجاري الحالي.

كندا في مواجهة الأقوى منها

لا يمكن وضع الولايات المتحدة وكندا على قدم المساواة في هذا الصراع. فالولايات المتحدة هي القوة الاقتصادية والسياسية المهيمنة في أميركا الشمالية، فيما يعتمد الاقتصاد الكندي بدرجة كبيرة على السوق الأميركية. وتشير رويترز إلى أن نحو 70 في المئة من الصادرات الكندية تتجه إلى الولايات المتحدة. لذلك فإن قدرة واشنطن على الضغط على كندا أكبر بكثير من قدرة كندا على الضغط على الولايات المتحدة. لكن هذا لا يعني أن الرد الكندي بلا معنى.

عندما تعلن أوتاوا رسومًا مقابلة «دولارًا مقابل دولار»، فهي تحاول منع الولايات المتحدة من تحويل التفوق الاقتصادي إلى حق دائم في فرض الشروط. وهي في الوقت نفسه تستخدم الدولة لحماية مصالح قطاعات من الرأسمال الكندي وللدفاع عن موقع الاقتصاد الكندي. وقد أعلن رئيس الحكومة الكندية كارني بالفعل أن كندا ستقدم دعمًا للقطاعات المتضررة، في الوقت الذي تتجه فيه إلى تنويع علاقاتها التجارية وتقليل الاعتماد على السوق الأميركية. لكن الرد الكندي لا يلغي التناقض الأساسي. فإذا فرضت واشنطن رسومًا على السلع الكندية، فإن كندا تتضرر. وإذا ردت كندا برسوم على السلع الأميركية، فإن الاقتصاد الأميركي يتضرر أيضًا. وهكذا يدخل الطرفان في لعبة يكون فيها السؤال الأساسي ليس من سيربح الحرب التجارية، وإنما من يستطيع أن ينقل أكبر قدر من خسائرها إلى الطرف الآخر.

كيبيك تتدخل لإنقاذ المؤسسات

بعد فرض الرسوم الأميركية الجديدة، أعلنت رئيسة حكومة كيبيك كريستين فريشيت أن حكومتها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تأثيرها على المؤسسات والعمال. ثم أعلنت الحكومة برنامجين لمساعدة الشركات المتضررة.

البرنامج الأول، FORCE، تديره Investissement Québec ويستهدف المؤسسات في القطاعين الصناعي والأولي، ويوفر تمويلًا بشروط ميسرة، بينها إعفاء من فوائد القروض خلال السنة الأولى وفترة تمتد 24 شهرًا بالنسبة إلى رأس المال. أما البرنامج الثاني، PAUPME ـ Tarifs douaniers américains، للمساعدات الطارئة ويستهدف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتراوح مبيعاتها بين مليون ومليوني دولار، ويوفر قروضًا تصل إلى 150 ألف دولار بفائدة صفرية، مع تأجيل سداد رأس المال لمدة عام. كما يشمل بعض الموردين والمتعهدين الذين يتأثرون بهذه المؤسسات. وهذه الإجراءات تذكّر بمنطق التدخل الحكومي الواسع الذي شهدته كندا وكيبيك خلال أزمة كوفيد، عندما أصبح تدخل الدولة ضرورة لمنع انهيار المؤسسات والإنتاج والعمالة. لكن هنا تظهر المسألة من منظور مختلف.

الدولة لا تتدخل لأنها أصبحت اشتراكية، ولا لأنها خرجت من منطق السوق. إنها تتدخل لأن السوق، في لحظة الأزمة، يصبح عاجزًا عن تأمين شروط استمرار الإنتاج والتراكم. وهذا يكشف وظيفة الدولة الرأسمالية بصورة واضحة. عندما يكون السوق مربحًا، يُترك رأس المال لحركته. وعندما تهدد الأزمة بقاء الشركات وسلاسل الإنتاج، تدخل الدولة لتوفير التمويل والحماية والدعم. لكن السؤال يبقى: من يدفع ثمن هذا التدخل؟ العمال يدفعون أكثر من مرة. هنا نصل إلى جوهر المسألة.

إذا كانت شركة كندية تعتمد على السوق الأميركية وتواجه تعرفة مرتفعة، فإنها ستواجه ضغطًا على أرباحها وقد تضطر إلى تخفيض الإنتاج، أو تأجيل الاستثمار، أو تقليص العمالة، أو الضغط على الأجور. وإذا فرضت كندا رسومًا على السلع الأميركية، فإن الشركات المستوردة قد تنقل جزءًا من التكلفة إلى المستهلك من خلال رفع الأسعار. وهكذا يدفع المواطن الكندي ثمن الحرب التجارية أكثر من مرة. يدفع أولًا باعتباره عاملًا، من خلال خطر البطالة أو خفض ساعات العمل أو الأجور. ويدفع ثانيًا باعتباره مستهلكًا، من خلال ارتفاع أسعار السلع. وقد يدفع ثالثًا باعتباره مواطنًا ودافع ضرائب، عندما تستخدم الدولة المال العام لدعم المؤسسات المتضررة. وهنا تظهر المفارقة الطبقية.

الحكومات تتحدث عن حماية العمال. والشركات تتحدث عن حماية الوظائف. لكن العامل نفسه قد يجد أن تكلفة حماية الوظيفة تُموّل من المال العام، وأن تكلفة الرسوم تظهر في الأسعار، وأن الخطر النهائي يقع على مستوى معيشته. وهذا لا يعني أن الدعم الحكومي غير ضروري. على العكس، قد يكون ضروريًا لمنع انهيار قطاعات كاملة ولحماية آلاف الوظائف. لكن السؤال الماركسي لا يتوقف عند ضرورة التدخل، بل ينتقل إلى طبيعة التدخل، ومن يستفيد منه، ومن يتحمل تكلفته.

تعميق تناقضات الرأسمالية العالمية

لا يمكن فهم هذا التحول الأميركي من دون إدخال الصين في الصورة. لكن من الضروري تجنب القول إن الصين هي التي «سببت» الأزمة الرأسمالية. فهذا التفسير يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة. الأزمة نابعة من التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي نفسه، ومن صراع رأس المال على الأسواق والأرباح والموارد ومجالات الاستثمار. لكن الصعود الصيني أصبح أحد أهم العوامل التي عمّقت هذه التناقضات وأعادت تشكيل موازين القوى داخل النظام العالمي. لقد دخلت الصين في قلب العولمة التي قادتها الولايات المتحدة. استفادت من تقسيم العمل العالمي، ومن انتقال الصناعات والاستثمارات والتكنولوجيا إلى آسيا، وأصبحت خلال عقود قاعدة صناعية ضخمة للعالم. لكن الصين لم تبقَ مجرد مصنع منخفض الكلفة. لقد طورت قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، وأصبحت تنافس الشركات الغربية في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والإلكترونيات والآلات وعدد متزايد من الصناعات المتقدمة. وهنا تظهر إحدى المفارقات التاريخية الكبرى للعولمة. النظام الذي ساعد رأس المال الغربي على خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع أرباحه، ساهم في الوقت نفسه في بناء قوة صناعية أصبحت تنافس المراكز التي قادت ذلك النظام.

إقرأ على موقع 180  الاستراتيجية العربية.. مَن هم أعداؤها ومن هم حلفاؤها؟

لقد استفادت الصين من العولمة، ثم أصبح صعودها أحد العوامل التي تدفع الولايات المتحدة نفسها إلى إعادة النظر في قواعد العولمة. ومن هنا جاءت الحمائية، والقيود التكنولوجية، ومحاولات إعادة توطين بعض الصناعات، وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد، وتعزيز الإنتاج داخل أميركا الشمالية. الصين، بهذا المعنى، ليست قوة خارج النظام الرأسمالي جاءت لتخلق أزمته، بل أصبحت جزءًا من التناقضات الداخلية للنظام العالمي الرأسمالي.

أين أهمية كندا في مواجهة الصين؟

من هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم جزء من أهمية كندا بالنسبة إلى الولايات المتحدة. إذا كانت واشنطن تخوض منافسة استراتيجية واقتصادية مع الصين، فإنها تحتاج إلى تأمين مصادر قريبة ومستقرة للطاقة والمعادن والمواد الأولية، وإلى بناء سلاسل إنتاج أكثر اعتمادًا على أميركا الشمالية وأقل اعتمادًا على الصين. وهنا تصبح كندا ذات أهمية استراتيجية كبيرة. لكن المفارقة أن الولايات المتحدة، بدل أن تتعامل مع كندا كشريك متساوٍ، تستخدم قوتها الاقتصادية للضغط عليها. وهذا يكشف عن تناقض داخل التحالف نفسه. واشنطن تحتاج إلى كندا في مواجهة المنافس الصيني، لكنها في الوقت ذاته تحاول انتزاع شروط أكثر ملاءمة للرأسمال الأميركي منها. أي أن الصراع بين المراكز الرأسمالية لا يختفي حتى عندما تتشارك في مواجهة قوة منافسة.

وقد بدأت نتائج الضغط الأميركي على كندا تظهر في اتجاه آخر قد لا يكون في مصلحة واشنطن على المدى الطويل. فكلما دفعت الولايات المتحدة أوتاوا إلى الشعور بأن الاعتماد المفرط على السوق الأميركية أصبح مصدرًا للخطر، ازدادت الحاجة الكندية إلى البحث عن أسواق وشركاء بديلين. وفي هذا السياق جاء الاتفاق الكندي ـ الصيني الذي أُعلن في كانون الثاني/ناير 2026، والذي سمح لكندا بإدخال ما يصل إلى 49 ألف سيارة كهربائية صينية سنويًا بتعرفة جمركية لا تتجاوز 6.1 في المئة، بعدما كانت التعرفة على السيارات الكهربائية الصينية تبلغ 100 في المئة. كما ربط الاتفاق بين فتح السوق الكندية أمام السيارات الصينية وبين تسهيلات صينية لصادرات كندية أخرى، ولا سيما المنتجات الزراعية.

ولا تكمن أهمية هذه الخطوة في عدد السيارات التي ستدخل كندا فحسب، وإنما في دلالتها الاستراتيجية. فواشنطن، وهي تحاول استخدام السوق الأميركية لإجبار كندا على الالتزام أكثر بمصالحها التجارية، قد تدفع أوتاوا، على نحو مفارق، إلى توسيع علاقاتها مع الصين وأوروبا وآسيا، وإلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة. وهكذا يمكن للضغط الأميركي أن ينتج نتيجة معاكسة لما تريده واشنطن: بدل تثبيت كندا داخل المجال الاقتصادي الأميركي، يدفعها تدريجيًا إلى تنويع ارتباطاتها.

وهذا لا يعني أن كندا تستطيع ببساطة استبدال السوق الأميركية بالسوق الصينية. فالاعتماد الاقتصادي والجغرافي على الولايات المتحدة عميق جدًا، ولا يمكن تجاوزه بقرار سياسي واحد. لكن الاتجاه نفسه مهم: كلما أصبحت علاقة كندا مع واشنطن أكثر كلفة وأقل استقرارًا، ازدادت القيمة الاقتصادية والسياسية لتنويع الشركاء. وفي المقابل، تحصل الصين على فرصة لتوسيع حضورها في سوق أميركية شمالية كانت مغلقة أمامها بدرجة كبيرة.

ومن هنا قد تتحول الحرب التجارية إلى عامل يعيد رسم الخريطة الاقتصادية لأميركا الشمالية. فالولايات المتحدة تريد إعادة بناء سلاسل إنتاجها وتقليل اعتمادها على الصين، لكنها باستخدام التعرفة والضغط على كندا قد تدفع الأخيرة إلى فتح أبواب جديدة أمام رأس المال والمنتجات الصينية. وفي قطاع السيارات الكهربائية تحديدًا، يمكن أن يؤدي ذلك إلى نشوء منافسة جديدة داخل السوق الكندية بين الشركات الأميركية والأوروبية والآسيوية والصينية، وربما إلى جذب استثمارات وتكنولوجيا صينية إلى كندا إذا تطورت التفاهمات الحالية في اتجاه التصنيع المحلي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى في الأزمة: السياسة التي تهدف إلى تعزيز المجال الاقتصادي الأميركي قد تساهم، على المدى الأبعد، في تفكيك احتكاره النسبي للسوق الكندية. فإذا أصبحت كندا مضطرة إلى تنويع تجارتها، فإن الصراع لن يعود مجرد مواجهة بين واشنطن وأوتاوا، بل سيصبح جزءًا من إعادة توزيع أوسع لمراكز التجارة والاستثمار داخل أميركا الشمالية.

من العولمة إلى تنافس المراكز الرأسمالية

لقد دخل النظام العالمي مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. في تلك المرحلة بدا أن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين هيمنتها السياسية والعسكرية والمالية وبين نظام عالمي يقوم على تحرير التجارة وتوسع حركة رأس المال. أما اليوم، فقد أصبحت إدارة هذه الهيمنة أكثر كلفة، وأصبح صعود الصين والمراكز الرأسمالية الأخرى يفرض حدودًا متزايدة على قدرة واشنطن على إدارة الاقتصاد العالمي بالشروط القديمة. لذلك تعود الدولة القومية بقوة. وتعود معها الرسوم الجمركية، والسياسة الصناعية، والدعم الحكومي، والحماية، والقيود على التكنولوجيا، وإعادة بناء سلاسل الإمداد. وهكذا يتحول الاقتصاد العالمي من فضاء للتوسع المتواصل في العولمة إلى فضاء يتزايد فيه التنافس بين المراكز الرأسمالية على الأسواق والموارد والتكنولوجيا ومواقع الربح. الحرب التجارية الأميركية ـ الكندية ليست خروجًا من العولمة بقدر ما هي إحدى علامات أزمتها.

ليست حربًا بين الشعبين الأميركي والكندي

من السهل أن تتحول الحرب التجارية إلى خطاب قومي: أميركا في مواجهة كندا، أو كندا في مواجهة أميركا. لكن هذا الخطاب يخفي جوهر المسألة. العامل الأميركي لا يقرر السياسة التجارية الأميركية. والعامل الكندي لا يقرر السياسة التجارية الكندية. هما لا يملكان الشركات الكبرى، ولا يحددان سلاسل الإنتاج، ولا يقرران أين تستثمر الشركات وأين تنقل إنتاجها. ومع ذلك، عليهما أن يتحملا جزءًا أساسيًا من نتائج الصراع. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من انتصر، واشنطن أم أوتاوا؟ السؤال الحقيقي هو: من سيدفع ثمن الحرب التجارية؟ قد تنجح الولايات المتحدة في حماية بعض شركاتها. وقد تنجح كندا في حماية بعض قطاعاتها. وقد تتمكن كيبيك من إنقاذ بعض المؤسسات والوظائف. لكن إذا أصبحت كلفة الحماية تقع في النهاية على المستهلك ودافع الضرائب والعامل، فإن الأزمة تكون قد انتقلت من مكان إلى آخر بدل أن تكون قد حُلّت. وهنا تتضح طبيعة التناقض.

كل طرف يقول للآخر: لن أدفع ثمن أزمتك. لكن العامل والمواطن العادي قد يجد نفسه يدفع جزءًا من ثمن الأزمة في كلا البلدين.

أزمة الهيمنة لا أزمة ترامب وحده

لذلك لا ينبغي اختزال ما يجري في شخصية ترامب، رغم أن أسلوبه العدواني في استخدام الرسوم والتفاوض والتهديد جعل الأزمة أكثر وضوحًا. ترامب ليس بالضرورة صانع هذه الأزمة. إنه أحد أكثر التعبيرات السياسية وضوحًا عن محاولة الرأسمالية الأميركية إدارة تناقضاتها في مرحلة أصبحت فيها الهيمنة الأميركية أكثر كلفة، والمنافسة الدولية أكثر حدة، والصعود الصيني أكثر تأثيرًا. وكذلك فإن كندا، عندما ترد بالرسوم وتدعم مؤسساتها، لا تخرج من المنطق الرأسمالي، بل تستخدم الدولة لحماية موقع رأس المال الكندي في مواجهة قوة أكبر. أما كيبيك، عندما تطلق برامج الدعم، فهي تحاول حماية مؤسساتها وعمّالها من صدمة خارجية لا تملك السيطرة عليها. لكن كل ذلك لا يلغي السؤال الأساسي: من يتحمل الكلفة النهائية؟

إنها ليست حربًا بين الشعب الأميركي والشعب الكندي، وإنما صراع بين دول ومراكز رأسمالية تحاول كل منها حماية موقعها في نظام عالمي تزداد فيه التناقضات. والخطر أن يتحول هذا الصراع إلى وسيلة لإقناع العمال في كل بلد بأن العامل في البلد الآخر هو خصمهم، بينما الحقيقة أن العامل الأميركي والعامل الكندي يواجهان، بدرجات مختلفة، المشكلة نفسها: رأس المال يحاول حماية أرباحه، والدولة تحاول حماية شروط التراكم، والخسائر يجري توزيعها على المجتمع. وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى. كل مركز رأسمالي يحاول أن يقول: لن أدفع أنا ثمن الأزمة. لكن الأزمة لا تختفي عندما تُنقل من مركز إلى آخر. إنها تنتقل إلى العمال والمستهلكين ودافعي الضرائب.

ولهذا فإن الحرب التجارية الكندية ـ الأميركية ليست مجرد نزاع على الرسوم الجمركية. إنها واحدة من الصور الملموسة للتحول الجاري في النظام الرأسمالي العالمي: أزمة في الهيمنة الأميركية، صعود الصين، تصاعد التنافس بين المراكز الرأسمالية، عودة الدولة الحمائية، وتفكك تدريجي لقواعد العولمة التي سادت لعقود. وفي النهاية، فإن السؤال الذي يتجاوز كل التفاصيل التجارية هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى في مركز التحليل: من يملك الاقتصاد؟ من يقرر؟ من يحصل على الأرباح؟ ومن يدفع ثمن الخسائر عندما تدخل الرأسمالية في أزمة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف أن الصراع الجاري ليس مجرد حرب تجارية بين دولتين، بل جزء من صراع أوسع على إعادة توزيع أعباء أزمة النظام الرأسمالي العالمي. وفي هذه المعركة، قد تتغير الرسوم، وقد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، لكن الخطر الأكبر يبقى ثابتًا: أن يدفع العمال والمواطنون العاديون ثمن أزمة لم يصنعوها، ثم يُطلب منهم أن يعتبروا ما يدفعونه دفاعًا عن «المصلحة الوطنية».

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  جدعون ليفي يروي حكايات من الدم الفلسطيني المُراق في رام الله