من يملك لبنان.. حين تتفاوض الدولة على قوتها؟

لا تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية مجرد مسار دبلوماسي للبحث عن نهاية حرب وبداية سلام. ثمة صراع أكثر عمقًا على معنى الأمن والسيادة والقوة؛ على الجهة التي تملك حق القرار في بلد نشأت فيه، على مدى عقود، علاقة ملتبسة بين الدولة والسلاح والمجتمع. لذا تبدو الحرب الإقليمية الراهنة لحظة كاشفة: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد احتكار القوة من دون أن تحول هذه العملية إلى صراع على النظام السياسي نفسه؟

منذ ماكس فيبر، ارتبط مفهوم الدولة الحديثة بفكرة احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم محدد. وفي الحالة اللبنانية، تكشف هذه الفكرة سريعًا أن قضية سلاح حزب الله تتجاوز بعدها العسكري. فالمشكلة ليست فقط في وجود سلاح خارج المؤسسة العسكرية، وإنما في أن هذا السلاح نشأ داخل تاريخ لبناني معقد، واكتسب وظيفة أمنية وسياسية واجتماعية، ثم أصبح جزءًا من توازنات النظام نفسه.

لهذا لا يكفي القول إن الدولة تريد استعادة قرارها. السؤال الأصعب هو: كيف تنتقل القوة من وضع تتعدد فيه مصادرها إلى وضع تحتكر فيه الدولة استخدامها، من دون أن يُنظر إلى الانتقال باعتباره إلغاءً لموقع جماعة سياسية واجتماعية كاملة؟

هنا تحديدًا تصبح المفاوضات مع إسرائيل أكثر من تفاوض على الحدود. فحين يرتبط الانسحاب الإسرائيلي بحصر السلاح وانتشار الجيش، يدخل ملف إقليمي في صميم إعادة تنظيم القوة داخل لبنان وإعادة صياغة موقع لبنان الإقليمي.. والمشكلة أن الدولة تفاوض الخارج، فيما النتيجة المحتملة للتفاوض تمس توازنات الداخل مباشرة، وهذا ما يجعل أي نجاح دبلوماسي مشروطًا بنجاح سياسي موازٍ: أن تقنع الدولة اللبنانيين بأن استعادة احتكار القوة ليست انتصارًا لطرف على آخر، بل إعادة تأسيس لعلاقة الدولة بالمجتمع.

صناعة الأمن

في الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي، يمكن ملاحظة كيف انتقل مركز النقاش تدريجيًا من الاحتلال والانسحاب ووقف الاعتداءات إلى سؤال الأمن الإسرائيلي، وكيف يمكن منع الأراضي اللبنانية من إنتاج تهديد لإسرائيل. ليس في ذلك ما يجعل مطلب الأمن الإسرائيلي غير مشروع، لكن ميزان القوة يظل حاضرًا في تحديد صياغة المشكلة نفسها.

فالطرف الذي يملك المبادرة العسكرية يستطيع أن يفرض وقائع جديدة، ثم يدخل بها إلى التفاوض باعتبارها نقطة انطلاق. السيطرة على موقع أو إنشاء نطاق أمني لا تبقى بالضرورة مسألة ميدانية؛ يمكن أن تتحول إلى عنصر تفاوضي، ثم إلى شرط في أي تسوية لاحقة.

وهنا تكمن أهمية الجغرافيا في الحرب الحالية. فالأرض ليست فقط مساحة للقتال، وإنما أصبحت جزءًا من اللغة التي تُكتب بها شروط التفاوض. ومع كل تقدم ميداني، يصبح على الطرف الآخر أن يتفاوض ليس فقط حول ما يريده، بل أيضًا حول واقع فُرض عليه بالفعل.

وبهذا المعنى، لا يجري التفاوض على طاولة واحدة. جزء من التفاوض يتم على الأرض قبل أن يصل إلى الأوراق.

شرعية متعددة

لكن القوة المادية ليست كافية لإعادة بناء الدولة. وهنا يقدم بيير بورديو مدخلًا أكثر دقة، إذ يميز بين امتلاك القوة وبين امتلاك القدرة على إنتاج الاعتراف بها بوصفها شرعية.

الدولة اللبنانية تملك الشرعية الدستورية والاعتراف الدولي، بينما يمتلك حزب الله رصيدًا سياسيًا واجتماعيًا ورمزيًا داخل بيئته، تشكل تاريخيًا حول المقاومة والعداء لإسرائيل، إلى جانب حضوره داخل المؤسسات السياسية.

هذا التعدد في مصادر الشرعية هو أحد أسباب صعوبة الانتقال إلى صيغة جديدة للقوة. فقرار الدولة لا يصبح نافذًا اجتماعيًا لمجرد صدوره قانونيًا، تمامًا كما أن الشرعية السياسية أو الاجتماعية لا تمنح تلقائيًا حقًا دائمًا في امتلاك السلاح.

المشكلة أن لبنان يحتاج إلى إعادة ترتيب العلاقة بين هذه الشرعيات من دون أن يحولها إلى معركة صفرية.

ولهذا تكتسب قضية الجنوب والنزوح وإعادة الإعمار أهمية تتجاوز بعدها الإنساني. فالدولة التي تطلب من سكان المناطق المتضررة قبول ترتيبات أمنية جديدة، عليها في مقابل ذلك، أن تقدم لهم عودة آمنة، وحماية فعلية، وأرضًا لا تبقى رهينة وجود عسكري أو حرب مؤجلة.

إذا لم يتحقق ذلك، يصبح من الصعب الاقتناع بأن التفاوض يعيد السيادة؛ وقد يُنظر إليه بدلًا من ذلك باعتباره آلية لإنتاج التزامات جديدة على لبنان من دون تغيير جوهري في الواقع الذي يعيشه سكان الجنوب، لا بل الأفدح أن تؤدي هكذا التزامات في لحظة انسداد سياسي إلى هز الإستقرار الداخلي الهش أصلاً.

الحرب والدولة

تساعد أفكار تشارلز تيلي على توسيع السؤال. فقد ارتبط في تحليله التاريخي قيام الدولة وتطورها بالحرب وبناء المؤسسات العسكرية والقدرة على تنظيم القوة.

لكن لبنان يقدم احتمالًا مختلفًا: أن تؤدي الحرب إلى إضعاف الدولة بدل تقويتها.

كل شيء يتوقف على النتيجة السياسية التي تخلفها الحرب. فإذا أدت التسوية إلى انسحاب إسرائيلي، وانتشار فعلي للجيش، وتعزيز المؤسسات الرسمية، وتسوية داخلية حول مستقبل السلاح، يمكن أن تتحول الحرب إلى لحظة إعادة بناء الدولة.

أما إذا انتهت المرحلة العسكرية إلى وضع تُطالب فيه الدولة بحسم قضية السلاح بالقوة قبل أن تحقق انسحابًا فعليًا أو ترتيبات أمنية مقنعة، فقد يحدث العكس. عندها لا تعود الدولة تواجه إسرائيل فقط، بل تصبح مطالبة بإدارة صراع داخلي على توزيع القوة.

إقرأ على موقع 180  الإنسحاب الأمريكي من سوريا.. "بروباغندا" أم حقيقة؟

وهنا يتغير معنى النصر والهزيمة. فقد تنتصر الدولة قانونيًا وتخسر سياسيًا، أو قد تتراجع قوة حزب الله عسكريًا من دون أن تختفي الشرعية الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها. ولذلك لا يمكن اختزال إعادة بناء الدولة في تغيير ميزان السلاح وحده.

الجيش والداخل

في هذه النقطة يصبح الجيش هو المؤسسة الأكثر حساسية.

يركز صامويل هنتنغتون في دراسته للعلاقات المدنية ـ العسكرية على مهنية الجيش وعلى ضرورة أن يبقى بعيدًا عن التحول إلى طرف سياسي. وفي لبنان، تتضاعف أهمية هذه الفكرة لأن الجيش قد يجد نفسه أمام مهمة تتجاوز حماية الحدود إلى المشاركة في إعادة ترتيب القوة داخل المجتمع.

وجود الجيش في الجنوب يمكن أن يكون تعبيرًا عن عودة الدولة، وهذا مكسب أساسي. لكن إدخال الجيش في مواجهة مباشرة حول مستقبل سلاح حزب الله يختلف جذريًا عن تكليفه بمسؤولية أمنية على الحدود.

المشكلة ليست في قدرة الجيش على تنفيذ الأوامر فحسب، بل في المحافظة على صورته باعتباره مؤسسة جامعة لا تنتمي إلى طرف في الانقسام.

فإذا أصبح السلاح قضية عسكرية داخلية، فقد يجد الجيش نفسه أمام معادلة دقيقة وشديدة الخطورة: تنفيذ منطق الدولة قد يضعه في مواجهة جزء من المجتمع، والتردد في التنفيذ قد يضعف سلطته وهيبة الدولة في آن.

لهذا فإن تقوية الجيش تحتاج إلى مسار سياسي يوازيها. الجيش يستطيع أن يحمي التسوية، لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده تسوية حول شرعية القوة.

حدود الصفقة

من هنا تبدو حدود المفاوضات أكثر وضوحًا.

يمكن لأي تفاوض لبناني ـ إسرائيلي أن يعالج مسائل الانسحاب، والحدود، والضمانات الأمنية؛ ويمكن للولايات المتحدة أن تضغط على الطرفين لانتزاع تفاهمات مرحلية. لكن أياً من ذلك لا يحل بمفرده السؤال اللبناني الداخلي: ما الشكل النهائي للعلاقة بين الدولة وحزب الله، وبين الجيش والسلاح، وبين الشرعية القانونية والشرعيات السياسية والاجتماعية؟

هذا السؤال لا تستطيع إسرائيل أن تجيب عنه نيابة عن لبنان، حتى لو كانت قادرة على التأثير بقوة في شروطه. ولا تستطيع الدولة حسمه بمجرد تبني مطلب دولي أو إسرائيلي. كما أن حزب الله لا يستطيع أن يفترض أن امتلاك قاعدة اجتماعية يتيح له الاحتفاظ إلى الأبد بوضع أمني خارج الدولة.

المخرج، لذلك، لا يبدو في حسم فوري لأي طرف، وإنما في صيغة تنتقل تدريجيًا من منطق القوة المتوازية إلى منطق الدولة الواحدة، من دون أن تجعل الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح مسارين منفصلين أو متعارضين.

الدولة لا تقوم بالسلاح وحده، ولا بالشرعية القانونية وحدها، ولا بالقوة الخارجية وحدها. إنها تقوم عندما تلتقي القوة بالاعتراف، والمؤسسة بالشرعية والأمن بقبول المجتمع.

من يملك لبنان؟

المسألة، إذًا، ليست ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أو تفشل، بل ما إذا كانت ستعيد بناء الدولة أم ستستخدم لإعادة توزيع القوة داخلها. فالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن قد يفتحان الطريق أمام استعادة الدولة لدورها، لكن تحويل التفاوض إلى أداة لنزع السلاح بالقوة، من دون تسوية لبنانية موازية، قد ينقل الصراع من الحدود إلى الداخل.

لهذا فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بما تحصل عليه إسرائيل أمنيًا، ولا بما يحتفظ به حزب الله عسكريًا، ولا حتى بمساحة انتشار الجيش، بل بقدرة لبنان على بناء معادلة واحدة للقوة والشرعية: دولة تحتكر السلاح، وجيش يحميها، وتسوية تعترف بهواجس جميع مكوناتها، وحدود لا تُدار بمنطق الاحتلال الدائم.

وما لم يتحقق هذا التوازن، ستبقى المفاوضات مجرد إدارة للصراع لا حلًا له. فالاختبار الحاسم ليس إنهاء الحرب مع إسرائيل فقط، بل منع تحول الحرب على السلاح إلى حرب على الدولة نفسها.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  من غولدا مئير إلى نتنياهو.. "يوم الغفران" يتكرر!