روسيا والسعودية: من يرضخ أولاً في حرب النفط؟
Flames emerge from flare stacks at Nahr Bin Umar oil field, as a man is seen wearing a protective face mask, following the outbreak of the coronavirus, north of Basra, Iraq March 9, 2020. REUTERS/Essam Al-Sudani

انتهى "شهر العسل" الروسي السعودي على حرب نفطية زلزلت الأسواق في العالم. وإذا كانت الأجواء لا تشي بانتهاء الحرب سريعاً، مع استمرار كل طرف على موقفه، إلا أن الواقع يفرض في النهاية على الأطراف جميعاً تقديم تنازلات تجنب العالم الأسوأ. فمن سيرضخ في حرب النفط، روسيا أم السعودية؟

لم يكن وصف وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنة، لاجتماع “أوبك” الأخير،  بالأسوأ في تاريخ المنظمة، الإشارة الوحيدة إلى الوضع السيء بين منتجي النفط العالميين، بل لعل صورة الجفاء التي ظهرت بين وزيري النفط الروسي، ألكسندر نوفاك، والسعودي، عبد العزيز بن سلمان، الدليل الأوضح على أن “شهر العسل” بين البلدين والذي ساهم باستقرار أسواق النفط منذ العام 2016 قد شارف على نهايته.

وسرعان ما بادرت السعودية إلى إجراءات من طرف واحد في ضوء عدم الاتفاق بين الدول المنتجة للنفط على رغبة الرياض في تحقيق خفض إضافي للإنتاج بـ1.5 مليون برميل يومياً بحجم خفض كلي 3.2 ملايين برميل يومياً، وهو ما رفضته روسيا التي أعلنت وقف اتفاق “أوبك +” الذي استمر ثلاث سنوات والذي نص على خفض الإنتاج بمقدار 1.7 مليون برميل يوميا، وينتهي في نهاية الشهر الحالي.

لا يغفل هنا ترحيب شركة “روس نفط” بانهيار اتفاق “أوبك+”، وقال الناطق باسم الشركة، ميخائيل ليونتييف، لصحيفة “إر بي كا” الروسية: “من زاوية مصالح روسيا، لم يكن هناك معنى لهذه الصفقة، بالتنازل عن أسواقنا وإبعاد النفط العربي والروسي الرخيص عنها، كنا نفسح الساحة للنفط الصخري الأميركي الغالي، ونضمن جدوى إنتاجه”.

إجراءات الرياض أدت إلى ما يمكن وصفه بـ”تسونامي” نفطي تجسد في انهيار كبير في أسعار النفط  ناهز 30% يوم الاثنين الماضي، ليسجل نحو 31 دولاراً للبرميل الواحد، في أكبر انخفاض يومي منذ 17 يناير/كانون الثاني 1991.

وبحسب الأرقام فإن عقود النفط الآجلة فقدت  نحو 50% من قيمتها خلال العام الجاري، بسبب تفشي فيروس “كورونا” عالميا، وأثره على ضعف الطلب العالمي على الخام، والأهم فشل اتفاق تحالف (أوبك+) في تعميق وتمديد اتفاق خفض الإنتاج.

ومع أن الأسواق تعافت قليلا يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، إلا أن الرياض عادت لتشعل السوق مجدداً عبر إعلان شركة “أرامكو” عن تلقيها أوامر من وزارة النفط برفع مستوى الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة إلى 13 مليون برميل يومياً من 12 مليون برميل حالياً، وذلك بعد إعلان روسيا زيادة إنتاجها في إبريل/ نيسان المقبل، وهو إعلان أدى إلى تراجع الأسعار إلى 36.93 دولاراً للبرميل بعدما كان قد افتتح يوم الاربعاء بسعر 38.89 دولاراً.

ويأتي إعلان “أرامكو” ليؤكد أن الرياض ذاهبة في المعركة حتى النهاية،  وأنها ستستخدم كل الوسائل الممكنة لتدمير أسعار النفط وإيقاع أكبر الخسائر بصناعة النفط الروسية وانتزاع جزء من حصص الشركات الروسية في الأسواق الأوروبية، بحسب ما يقول الخبير  في شركة “بتروماتركس” الأميركية، أوليفر جاكوب.

ولا توحي الأجواء السائدة بين موسكو والرياض بأن البلدين ينويان التنازل بل على العكس يتعامل كل طرف مع الأزمة على أنها ستستمر لأجل غير محدد. وعلى الرغم من إعلان الكرملين عدم استبعاده التوصل إلى حل وسط مع السعودية بشأن تقليص إنتاج النفط، إلا أن وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، سرعان ما رد على ذلك بالتأكيد أنه لا يرى حاجة لعقد اجتماع لمجموعة “أوبك+” في الفترة من أيار/مايو إلى حزيران/يونيو، في غياب اتفاق على الإجراءات التي يجب اتخاذها للتعامل مع أثر فيروس كورونا على الطلب والأسعار.

أما وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، فقد أكد أن الحوار مستمر مع “أوبك” وأن بلاده سترسل ممثلاً إلى اجتماع اللجنة الفنية المشتركة المنبثقة عن المنظمة يوم 18 آذار/مارس في فيينا.

يوضح الخبراء أن هدف بوتين من ذلك يكمن في  تحطيم صناعة الغاز والنفط في أميركا، وإفساح المجال لصناعة الطاقة الروسية بالتمدد في أوروبا وآسيا حتى وإن كانت  الشركات النفطية الروسية ستتكبد بعض الخسائر على المدى المتوسط

لكن لماذا انقلب التنسيق والتوافق بين موسكو والرياض إلى حرب نفطية؟

ترى الخبيرة النفطية في وحدة الدراسات الاقتصادية (إيكونومست إنتلجينس يونت) في لندن، كالين بيرش، أن روسيا لا ترغب في خفض الإنتاج النفطي حتى لا تدعم الأسعار وتفيد بذلك صناعة النفط الصخري الأميركية. ولفتت فيش الأنظار إلى أن  أحد الأسباب وراء حرب الأسعار يكمن في أن “توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن واصرار أميركا على تقويض السيطرة الروسية على صناعة الغاز الطبيعي في أوروبا، ربما يكون وراء الرفض الروسي لدعم أسعار النفط”.

كذلك يتفق خبراء الطاقة على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بإعلانه أن سعر 40 دولارا للبرميل يناسب بلاده، يؤكد مسعاه للإبقاء على أسعار النفط والغاز منخفضة لأطول فترة ممكن في إطار استراتيجيته للهيمنة على أسواق الطاقة وممراتها في آسيا وأوروبا. ويوضح الخبراء أن هدف بوتين من ذلك يكمن في  تحطيم صناعة الغاز والنفط في أميركا، وإفساح المجال لصناعة الطاقة الروسية بالتمدد في أوروبا وآسيا حتى وإن كانت  الشركات النفطية الروسية ستتكبد بعض الخسائر على المدى المتوسط.

القدرة على الصمود

يطرح هذا الوضع السؤال حول قدرة البلدين على التكيّف مع تدهور الأسعار في ظل تحذير مؤسسات عالمية من أن السعر قد يصل إلى 20 دولارا للبرميل. ما يصدر من مواقف عن البلدين يشي بأنهما جاهزان لمرحلة من الكباش الكبير.

روسيا من جهتها، والتي تأثرت عملتها بشكل كبير مع انخفاض الروبل مقابل الدولار (سجل الدولار 74 روبلاً)، أكدت أنها مستعدة لهذه الأوضاع، خصوصا وأن ميزانيتها قائمة على سعر 40 دولارا للبرميل. وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن بلاده تتعامل مع الوضع على أن التقلب في السوق الناجم عن انهيار أسعار النفط سيستمر، مؤكداً أن الاقتصاد الروسي لديه احتياطيات كافية، وهو قوي بما يسمح لمواجهة عدم الاستقرار المؤقت في السوق.

في المقابل، لا يبدو أن سعر النفط الحالي يفيد الرياض التي تحتاج بحسب الخبراء لسعر 80 دولاراً للبرميل لضبط ميزانية 2020، التي يبلغ العجز المقدر فيها 187 مليار ريال (50 مليار دولار).

وقالت “كابيتال إيكونوميكس” إن “السعودية تحتاج لسعر 85 دولارا لبرميل النفط لضبط ميزانية الحكومة، لكن 50 دولارا فقط لضبط ميزان المعاملات الجارية.. سيسجل الاثنان عجزا في ظل الميزانية الحالية لكن عجز الميزانية سيكون أكبر بكثير عند 15 في المئة من الناتج الإجمالي”.

وتداركاً للوضع، بدأت الرياض الاستعداد لمرحلة من التقشف، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لوكالة “رويترز”، وقد كشفت أن الحكومة السعودية طلبت من الإدارات الحكومية تقديم مقترحات لخفض ميزانياتها بما لا يقل عن 20 في المئة.

ويقول محللون إن السعودية يمكن أن تتحمل أسعار النفط الأقل إذا استمرت المواجهة مع روسيا بفضل احتياطياتها الأجنبية الضخمة لكن قد تحتاج لزيادة الاقتراض إلى جانب خفض الإنفاق.

يتوقع، إنز، حدوث إفلاسات في صناعة النفط، خاصة النفط الصخري والنفوط المكلفة، في حال تواصل تدهور الأسعار

من ينتصر؟

شملت أضرار حرب النفط الدول وأسواق الأسهم العالمية وسندات الخزانة الأميركية، وقد تمتد التأثيرات قريباً إلى أسواق الائتمان والصرف والمصارف الاستثمارية، وربما تمس الاستقرار السياسي في بعض الدول النفطية.

في هذا الصدد، يرى خبير الطاقة بشركة “أكسي كورب” الأميركية، ستيفنز إنز، في تعليقات لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، أن “المخاطر الحقيقية للحرب النفطية الحالية ربما ستمتد إلى أبعد من قضية انهيار الأسعار وتصل المخاطر إلى أسواق الائتمان، وهذا ما يقلق أسواق المال”.

وحسب تقرير لوكالة “ستاندرد آند بورز” الشهر الماضي، تبلغ قيمة الديون السيادية العالمية نحو 53 تريليون دولار. وفي حال توقف بعض هذه الدول عن خدمة هذه الديون فستحدث موجة من الانهيارات في أسواق المال العالمية.

على صعيد تداعيات الانهيار الجاري في الأسعار على الصناعة النفطية، يتوقع، إنز، حدوث إفلاسات في صناعة النفط، خاصة النفط الصخري والنفوط المكلفة، في حال تواصل تدهور الأسعار.

يجمع محللون على أن موسكو أكثر قدرة من السعودية على التكيّف مع تدهور أسعار.

بحسب، مدير الأبحاث في شركة الدراسات  NXTanalytic، ألكسندر بورنو، فإن  “روسيا على الأرجح يمكنها أن تتحمل إنخفاض أسعار النفط لفترة أطول من السعودية”. ويوضح أن السبب يعود إلى الاستراتيجية المالية التي اتبعتها موسكو خلال الأعوام الماضية، حيث عملت على زيادة حصة الذهب في احتياطياتها على حساب الدولار حيث يبلغ احتياطي روسيا من الذهب والعملات الأجنبية نحو 570 مليار دولار. كذلك أعلن وزير المالية الروسي أن بلاده ستكون قادرة على التعامل مع سعر النفط بنحو  25-30 دولارا لمدة 6-10 سنوات.

لن تكون السعودية قادرة على تحمل أسعار النفط المنخفضة لفترة طويلة، نظراً لأن عليها التزامات تجاه “أوبك” وتقوم الآن بتنفيذ مشاريع واسعة النطاق لتعزيز الاقتصاد السعودي

يتفق عدد من الخبراء على أن الحرب ستنتهي بانتصار روسي. وترى الكاتبة في مجلة “فوربس”، إيلين والد، أن حرب الأسعار التي أطلقتها الرياض من المرجح أن تنتهي بانتصار الجانب الروسي. ووفقًا لوالد، لن تكون السعودية قادرة على تحمل أسعار النفط المنخفضة لفترة طويلة، نظراً لأن عليها التزامات تجاه “أوبك” وتقوم الآن بتنفيذ مشاريع واسعة النطاق لتعزيز الاقتصاد السعودي.

وجهة نظر إيلين والد تعززها الوقائع السعودية، فالرياض ليست في وضع مالي كما كانت عليه في العام  2014 عندما أغرقت السوق بالنفط وتسببت في انهيار الأسعار حينها، فالرياض الغارقة في حرب اليمن، وقد تراجع احتياط النقد الأجنبي لديها من 787 مليار دولار عام 2014 إلى 487 مليارا عام 2017، كما أنها تدخل مرحلة حاسمة ضمن خطط ولي العهد، محمد بن سلمان، لتغيير نمط البلاد الاقتصادي ضمن “رؤية 2030” وهي بذلك تحتاج إلى سعر النفط معتدل بعد تعذر جذب الاستثمارات.

ويرى الباحث في كلية “لندن للاقتصاد”، ستيفن جولف، أن المملكة تحتاج إلى احتياطي من النقد الأجنبي بما يسمح لها بالتعديل التدريجي للسياسة المالية، مضيفاً أن انخفاض أسعار النفط سيقلل الفرصة المتاحة امامها لعمل ذلك، وهو ما قد يجبرها على تبني تعديلات أسرع واشد إيلاما.

ويؤكد جولف أن الاحتياطيات المالية لدى السعودية تنتيح لها تحمل تداعيات حرب أسعار النفط لفترة من الوقت، لكن هذه الاحتياطيات اليوم أقل بمقدار الثلث عما كانت عليه في الانهيار السابق لأسعار النفط عام 2014 وهو ما يعني أن تداعيات استمرار أسعار النفط المنخفضة حالياً لفترة طويلة ستكون أشد قسوة.

إلى المفاوضات مجدداً!

لن يطول الوقت قبل أن يدرك الروسي والسعودي والأميركي أيضاً، أن لا مهرب من العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن هنا إلى موعد الاجتماع المقبل للمجلس الفني لـ”أوبك +” في 18 آذار/مارس الحالي، سيستمر شد الحبال بين كل الأطراف لتحسين شروط التفاوض، فروسيا من جهتها، المرتاحة نوعا ما لتداعيات السعر على النفط الأميركي وارتداداته على الشركات الأميركية المنتجة للنفط الصخري، تتعامل مع الواضع على أنه في النهاية سيكون هناك تصحيح للسوق. أما السعودية، فلا يبدو من خطواتها التصعيدية أنها ستتراجع عن الشروط التي رفعتها في اجتماع “أوبك” الأخير ودون ذلك ارتدادات كبيرة عليها. أما الولايات المتحدة، فالمؤكد أن الرئيس دونالد ترامب لن يكون سعيداً بانهيارات في سوق النفط الأميركي وارتدادته على الأسواق المالية في بلاده قبيل أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية.

“لعبة الروليت الروسية (لعبة حظ مميتة) في أسواق النفط ربما تكون لها عواقب وخيمة”، هكذا حذر فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، من حرب النفط الحالية، وبانتظار الفصول المقبلة من هذه الحرب، يبقى الوقت فيصلاً في تحديد الطرف القادر على الصمود أكثر من الطرف الذي سيرضخ مبكراً.

عبدالرحيم عاصي

صحافي لبناني مقيم في موسكو

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download