سعيد عيسى, Author at 180Post - Page 2 of 10

800-24.jpg

لم يكن الخطاب الذي ألقاه سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 مجرد استعادة رمزية لذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بل بدا أقرب إلى لحظة قياس سياسي دقيقة، اختبر فيها موقعه في مشهد لبناني وإقليمي متحوّل، وحدود حضوره، وطبيعة ما يمكن قوله وما يجب الإبقاء عليه في منطقة الصمت. فاللغة التي اعتمدها، بقدر ما حملت شحنة وجدانية، جاءت محسوبة بعناية، خالية من الإعلانات الصريحة، ومفتوحة على أكثر من تأويل، في انسجام مع مرحلة تتّسم بالسيولة وعدم الاستقرار في موازين القوى.

800-13.jpg

في مسقط، حيث تبدو الواجهة البحرية هادئة بما يكفي لتوحي بأن السياسة يمكن أن تُدار ببطء، كان المشهد داخل الفنادق أشبه بوقفة التقط فيها الطرفان أنفاسهما لا أكثر. فحتى لو خرج المفاوضون بابتسامات دبلوماسية أمام الكاميرات، بقيت حاملات الطائرات في بحر العرب، والصواريخ الفرط صوتية في الحسابات، تكتب ما يشبه السطر الأخير غير المعلن لهذه القصة.

801.jpg

في أنقرة، كان السؤال يتردد بصوت خافت: لماذا قرّرت طهران أن تذهب إلى مسقط، لا إلى أنقرة، حين احتاجت إلى قناة تفاوض آمنة مع واشنطن. لم يكن الأمر مجرد اختيار فندقي أو ترتيب لوجستي. في الشرق الأوسط، المدينة التي تستضيف المفاوضات لا تقل أهمية عن مضمونها؛ فالمكان رسالة، والحياد عملة نادرة، وكل طاولة حوار تحمل بصمة الجغرافيا السياسية للدولة المضيفة. من هنا يمكن فهم دلالة أن تتحول مسقط - الهادئة والمحايدة تقليدياً - إلى مسرح للمحادثات الحاسمة، بينما تكتفي أنقرة بدور "المراقب القَلِق" على تخوم الأزمة الإيرانية.

781.jpg

في صيفٍ يطول أكثر مما اعتاده الناس، لا يعود الحديث عن الماء والطقس شأناً بيئياً مؤجلاً أو ترفاً سياسياً يمكن احتواؤه بخطابٍ مطمئن. يصبح الماء، ذلك العنصر الذي اعتادته المدن حين ينساب من الصنبور بلا سؤال، مؤشراً يومياً على شكلٍ جديد من انعدام الأمان.

800-3.png

في صباح اليوم الجمعة، 30 يناير/كانون الثاني 2026، بدا الاتفاق الذي أُعلن بين الحكومة السورية في مرحلتها الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أشبه بحدثٍ يبدّل معنى الخرائط أكثر مما يبدّل سطور البيانات. فبعد أسابيع من التوتر، لم يكتفِ الطرفان بإعلان وقف إطلاق النار، بل قدّما صيغةً شاملة تُعيد توزيع القوة والسلاح والإدارة وتدفع شمال وشرق البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات، باتجاه “اللون الواحد” تحت سيادة دمشق، مع استثناءٍ محسوب في الحسكة.

800-2.png

يبدو عطالله السليم، في كتابه «ليست النهايات من اختصاصي»، كمن يختار الوقوف في الجهة المقابلة من مشهد أدبي عربي يميل في كثير من إنتاجه إلى الحكايات المحكمة والرسائل الجاهزة. منذ الصفحات الأولى، يتبنّى الكاتب النقص لا بوصفه عيباً يجب إصلاحه، بل كخيار جمالي ومعرفي واعٍ، نصوص لا تُغلق، ولا تدّعي الاكتمال، تتقصّد أن تظل معلّقة في الهواء، كما لو أنها ترفض الاعتراف بحقّ العالم في فرض خاتمة عليها.

878.jpg

في السنوات التي تلت ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، بدأ المزاج السياسي في أوروبا يميل إلى مزيد من التوتر والاستقطاب، لا بسبب عامل واحد بل بفعل تراكب أزمات متلاحقة، من اقتصاد متعافٍ ببطء، إلى هجمات إرهابية صدمت الرأي العام، ثم موجات لجوء غير مسبوقة. داخل هذا المناخ، صار ملف الهجرة نقطة تماس يومية بين السياسة والأمن والهوية، وصار أيضًا موضوعًا مناسبًا لتنافس القوى الدولية على النفوذ، أو على الأقل لاستثمار الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية.

TRUMP-ARCHER.jpg

في صباح بارد على شاشات وول ستريت، تبدو القصة كأنّها إعادة عرض لفيلم قديم، ضجيج سياسي، تهديدات جمركية، ثم تسوية في اللحظة الأخيرة. المتعاملون الذين عاصروا 2019 يتذكرون كيف قفز اسم غرينلاند إلى العناوين ثم تراجع إلى الهامش، وكيف تعاملت الأسواق مع الأمر كفقاعة كلامية أخرى في قاموس التفاوض الخشن. كثيرون، اليوم، يشعرون بالسيناريو ذاته، “مساومة تجارية” على طريقة دونالد ترامب، سقف مرتفع ثم هبوط منظم، وربما صورة تذكارية لصفقة ما.

800-1.png

يتناول كتاب "اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية" للدكتور نجيب عيسى سؤالاً مركزياً ظل يلاحق التجربة اللبنانية منذ الاستقلال: لماذا عجز لبنان، برغم كفاءاته البشرية وأمواله المتدفقة وموقعه الجغرافي، عن بناء اقتصاد منتج وتنمية مستدامة، بينما تمكنت دول أفقر وأكثر هشاشة من تحقيق ذلك؟ يقدّم عيسى جواباً حاسماً: فشل التنمية لم يكن صدفة ولا مجرد نتيجة فساد وسوء إدارة، بل هو إعاقة مقصودة وبنيوية، لأن أي تنمية حقيقية كانت ستنسف الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي–الطائفي والريعي القائم.

850.jpg

في خريف عام 1977، وقف المستشار الألماني هيلموت شميت في قاعة معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، وألقى خطاباً هادئاً لكنه كان بمثابة زلزال جيوسياسي في أوساط النخبة الأوروبية. حذّر شميت من أنَّ "التوازن الاستراتيجي" الذي يحمي أوروبا يتآكل بصمت، وأنَّ الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الأوروبي لم يعد خياراً مضموناً. كان ذلك في زمن الحرب الباردة، حين كانت أوروبا تعيش في ظل صراع العمالقة بين واشنطن وموسكو، لكن شميت، بواقعيته الباردة، أدرك مبكراً أنَّ التحولات في الداخل الأميركي قد تترك القارة العجوز مكشوفة في لحظة حرجة.