سعيد عيسى, Author at 180Post - Page 2 of 12

780-2.jpg

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقرأ الأحداث من خلال ظاهرها فقط، بل من خلال العلاقات الخفية التي تربط بينها. هكذا يبدو المشهد اليوم بين مسارين تفاوضيين متوازيين ظاهريًا: مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وأخرى غير مباشرة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن التدقيق يكشف أن هذين المسارين لا يسيران بشكل مستقل، بل يتقاطعان عند نقطة مركزية واحدة: لبنان نفسه، لا بوصفه طرفًا تفاوضيًا كامل السيادة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة أوسع من الترتيبات الإقليمية.

The-war-on-Lebanon.jpg

بينما تنشغل العواصم الكبرى بترميم "خرائط الطاقة" وتأمين الممرات البحرية عبر هدنة إسلام آباد الهشة، يبرز التناقض الصارخ بين شمولية الاتفاق أميركياً واستثنائية الجبهة اللبنانية إسرائيلياً. يضع هذا الانقسام الجيوسياسي لبنان في منطقة "رمادية قاتلة"، حيث تتقاطع المصالح الكونية لتبريد المنطقة مع إصرار تل أبيب على تصفية حساباتها الميدانية بمعزل عن التوافقات الدولية. إنّه اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على منع تحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة الاستنزاف الوحيدة في إقليم يبحث عن استقرار مفقود.

Trump-Xi-trade-truce.jpg

في لحظات التحول الكبرى، نادرًا ما تعلن الدول أهدافها الحقيقية. الحروب، لا تُفهم من خلال بياناتها الرسمية، بل من خلال ما تعيد تشكيله في خرائط القوة العالمية. من هذا المنظور، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أقل ارتباطًا ببرنامج نووي أو صاروخي أو توازن ردع أو نفوذ إقليمي، وأكثر اتصالًا بمحاولة عميقة لإعادة هندسة النظام الدولي (وضمناً الإقليمي) في لحظة يتآكل فيها التفوق الأميركي لمصلحة نظام متعدد الأقطاب.

Greenpeaca-20ccdf.jpg

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الحرب مع خرائط الطاقة، برزت من جديد فكرة قديمة بثوب استراتيجي جديد، وهو تحويل إسرائيل إلى ممر بديل لنقل النفط والغاز نحو أوروبا. هذا الطرح لم يعد مجرد تصور نظري، بل بات جزءاً من نقاشات فعلية داخل مراكز القرار، مدفوعاً بتداعيات المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من اضطرابات حادة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

Maschinenst-ssdg.jpg

يمكن لأي مراقب موضوعي أن يُلاحظ أن السلوك الإيراني في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية لا يبدو عشوائياً، بل يستند إلى تصور استراتيجي واضح يضع “عامل الوقت”، أي الاستنزاف، في موقع مركزي، باعتباره أداة يمكن أن تعادل أو تحدّ من أثر التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يمكن توصيف المواجهة بوصفها تفاعلاً بين نمطين: نمط يعتمد على التفوق التكنولوجي والسعي إلى الحسم السريع، وآخر يرتكز على الصمود طويل الأمد والاستنزاف التدريجي للخصم.

Dolor-de-cabeza.jpg

بينما أربكت أزمة إقفال مضيق هرمز تدفقات الخليج النفطية ورفعت أرباح الشركات الأميركية، توجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو كاراكاس من أجل تعزيز نفوذها النفطي والسياسي هناك، مستخدمة القوة الاقتصادية والعسكرية لإعادة هندسة ورسم خريطة الطاقة عالمياً، في امتداد مباشر للأزمة ومقدمة لمرحلة أعمق من السيطرة على أسواق الطاقة، وكشف التحرك الأميركي في فنزويلا عن طموح أكبر، حيث يتحول النفط من سلعة إلى أداة نفوذ للتحكم في التدفقات العالمية وموازين القوى.

750-6.jpg

مع اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي كشف كيف يمكن لشركات التأمين أن توقف شرياناً أساسياً للطاقة العالمية، تبرز فنزويلا كامتداد طبيعي لهذه الأزمة، حيث تنتقل الاستراتيجية الأميركية من إدارة صدمة المضيق إلى البحث عن بدائل استراتيجية في نصف الكرة الغربي، تكون قادرة على إعادة ضبط السوق، وتحويل النفوذ العسكري والاقتصادي إلى أدوات تأثير أوسع مدى على التدفقات العالمية للطاقة.

88989898989898989.jpg

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية المشتركة على إيران، لم يكن العالم يدرك بعد أنه يشهد بداية أكبر اضطراب في أسواق الطاقة العالمية منذ أزمة النفط عام 1973. غير أن ما بدا، للوهلة الأولى، أزمة عالمية تضرب الجميع بالتساوي، سرعان ما كشف عن رابح واحد هو الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

800-35.jpg

لبنان عند مفترق حاد، لكن السؤال المطروح عليه اليوم ليس جديداً بقدر ما هو مُعاد بصيغة أكثر قسوة: هل يُفاوض تحت النار، أم يؤجل التفاوض حتى تتغيّر موازين القوة؟ ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل بنيوية أيضاً، تطال الاقتصاد والمؤسسات والنزوح وخطاب الكراهية إلخ..

800-24.jpg

في لبنان، لا توجد مفاوضات خارجية خالصة. فكل تفاوض مع إسرائيل يتحول، بحكم طبيعة النظام والانقسام المزمن حول السلاح والسيادة والقرار الوطني، إلى امتحان داخلي لمعنى الدولة نفسها: من يُقرّر؟ ومن يفاوض؟ ومن يضمن التنفيذ؟ ولهذا، فإن النقاش الدائر اليوم لا ينبغي أن يُختصر بالسؤال عمّا إذا كانت الحكومة قد قررت الذهاب إلى التفاوض، بل يجب أن يتركز على السؤال الأهم: هل يملك لبنان حدًا أدنى كافيًا من التفاهم الداخلي يسمح له بالتفاوض من موقع دولة، لا من موقع سلطة تواجه نصف بلدها؟