انطباعات Archives - 180Post

800-38.jpg

غامت الكلماتُ وتداخلت أمام عينيها وهي تحاول إلقاء النظر على كتاب التاريخ الخاص بولدها؛ استعدادًا للمذاكرة. طلبت منه أن يأتيَ بالنظارة؛ لكنه تباطأ ثم تثاءب ولم يُعرها انتباها. كرَّرت طلبها ولم تلبث أن رفعت صوتَها تنهره في غيظٍ واضح: "اتلحلح". قام الولد مُتثاقلًا وقد بدا عليه الكسل الشديد. الكسل حال من الخمول والتراخي، أما اللحلحة فهي الحركةُ وبعض الأحيان نقيضها؛ لحلح الشيء أيّ زحزَحه عن مكانه، ومثلها تلحلح عن المَوضِع أيّ تركه؛ وعكس المعنى أيضًا صحيح، فإذا قيل لحلح القوم؛ كان المعنى أنهم ثبتوا في أماكنهم ولم يبارحوها.

754.jpg

بمجرَّد أن أشارت إليها رفيقتها الجالسة أمامها قائلةً: "عندك شعرة بيضا"؛ وضعت السيدة الأنيقة يدها بعفويَّة على رأسها. بدت متفاجئةً أول الأمر، ثم ارتسمت على مُحيَّاها ابتسامة صغيرة وردَّت في غير اكتراث: "الزمن بيعدي". اقترحت الأولى صبغةً شهيرة؛ فأعلنت الثانية أنها تفضل البقاءَ على طبيعتها، من دون أن تضطر إلى إضافة رتوش؛ يعلم من حولها قطعًا أنها مُصطنَعة.

faeb0f980b866646a93259e4cc94dd5f.jpg

تابعت من مكاني والشارع مغلق بفعل فاعل؛ مشادة بين قائدي عربتين متصادمتين. غادر أحدهما مقعده خلف المقود، واندفع يضرب بكلتي يديه مقدمة العربة الأخرى؛ فيما يرغي ويزبد وينفلت لسانه بالسباب والوعيد. خرج قائد العربة المقابلة صامتًا ثاقب النظرات، لم يرد الصاع صاعين ولا حتى صاعًا واحدًا مكافئًا؛ إنما قال في نبرة هادئة ملؤها الصرامة: "احفظ أدبك". سكت الأول مأخوذًا؛ تخلى عن ثورته وكفَّ عن الصياح؛ وكأنه كان ينتظر مزيدًا من التصعيد ليواصل ثورته العارمة؛ وإذ خاب ظنه إذ فجأة وعلى غير التوقعات؛ أسقِط في يده وسكت.

755.jpg

على باب المطعم وقف رَجلٌ متواضع الحال، لا يلحُّ في استجداء الخارجين، ولا يتصنَّع أمامهم الانكسار؛ إنما يتطلع فيهم صامتًا بملامح محايدة. وَضَعَت إحدى الصديقات يدَها في جيبِ سترتها الخفيفة؛ لكنها لم تعثر على بغيتها. أخرجت حقيبتها تبحث فيها؛ فوجدت بضعَ أوراق من فئة مالية مرتفعة. ترددت قليلًا ثم ناولته واحدة وهي تتمتم لنفسها: "رزقه".

hadil.jpg

تُعدّ الحالة الفلسطينية من أبرز الحالات التي استُدعيت فيها الذاكرة في مواجهة الاحتلال، حتى جعلت الذاكرة الجمعية من المخيم بطلاً من أبطال المكان. لم يُنشأ المخيم بوصفه بديلاً عن الوطن، لكن غياب المكان الأصلي دفع الذاكرة إلى البحث عن رموز بديلة تتوارثها الأجيال، ضمن فضاء مكاني محدود تحيطه الجدران والأسوار.

820.jpg

أذكر منذ أعوام طويلة أنني كنت أقود عربتي على إحدى الطرق السريعة التي لم أعتد سلوكها، وقد ظهر مطلع جسر أمامي على الناحية اليسرى، ولحظت مسارًا عاديًا إلى يميني، إضافة إلى لافتة عند المُفترَق مكتوب عليها بأحرف عريضة: "المستقبل تحت الكوبري". المراد تنبيه العابرين المتوجهين إلى المنطقة المذكورة كي يلتزموا الطريق السطحية، والقصد مفهوم ولا شك؛ لكن المفارقة التي تضمنتها الكلمات جاءت داكنة شديدة السخرية؛ وقد أغرقتني في الضحك حتى اندهش الراكبون بصحبتي، وظللت من ساعتها أذكر اللافتة وأسترجِع محتواها بين الحين والآخر ثم أعاود الابتسام؛ دون أن يجد مَن حولي سببًا.

800-32.jpg

كلما رحت أحث نفسي على إنجاز ما يفوق خطتي الأصلية؛ كلما تذكرت مثلا طريفًا كنت أسمعه من جدَّتي: "إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر"؛ والمراد أن يستهدف المرء دومًا بلوغ القمة؛ لا أن يكتفي بما دونها ولو كان مقبولا، وأن يستخدم كامل طاقته وجُلَّ مشاعره في الوصول إلى أقصى حد منظور.

820-1.jpg

دار الحديثُ حول الصِحَّة، وما لبثت سيدةٌ ضمن الجالسات أن طلبت مِن رفيقتها معلوماتٍ عن دواء تتناوله بانتظام: "كمّلي جميلك واكتبي لي اسمه". ما بين أعراض تعبٍ غير مفهومة، وفحوصات عديدة، وإشارات لنقص بعض المعادن والفيتامينات؛ باتت المُكمّلات الغذائية حديثٌ دارج يتداوله كثير الناس؛ لكن الأمرَ يبدو عجيبًا في أوساطٍ تأكلُ الأفضلَ، وتُراعي الصِحيَ والمفيد، والحالَ أن معظمَ المنتجات تخضع لصور من التصنيع المُكثف الذي يُفقدها المزايا الطبيعية ويُكسبها مَضارًا كثيرة.

800-13.jpg

جلست الطفلةُ مع أمها في النادي، لا يبدو عليها المرح المعتاد؛ بدأت المدارس وبدأت معها معاناة التلامذة وأهليهم على حد سواء. كرَّرت الأم على ابنتها السؤال؛ فلم يبد عليها فهم. أعادته مرة ثانية؛ لكن نظرةَ البنت المدهوشة لم تتبدل. طلبت منها الأمُ أن ترددَ الإجابة وراءها واستحثتها في غيظ وهي تقول: "التكرار يعلم الشطار". 

1-3.jpg

على بوَّابة أحد الامكنة التي عملت ذات يومٍ بها، أذكر وجودَ امرأةً عَجوز ضِمن أطقم النظافة؛ تلتزم مكانها ولا تغادره قبل موعد الانصراف. كلما وَصَل شخص؛ كلما انتفضت العجوزُ واقفةً ورأسها مَحنيٌّ قليلًا، بينما يداها إلى جانبيها كأنها تؤدي التمام العسكريّ. إن كانت تمضُغ طعامَ الإفطار كفَّت عن المَضْغ وسكنت اللقمةُ جانبَ فمها، وإن كانت تتحدَّث في المَحمول صَمَتت وسُمِعَ صَوتُ مُحدثها مُنفردًا على الجانب الآخر. رجوتها مرةً وعشرًا أن تظلّ جالسَةً على مقعدها وأن تكتفيَ برد التحية دون مظاهر متكلفة؛ لكنها لم تستطع أن تغيرَ عاداتها. فكرت ذات يوم أن أخاطبها بما قد يجد لديها صدى؛ قلت: "كلنا ولاد تسعة". ضحكت ضحكةً كبيرةً وتخلت عن تحفظها وهي تجيب: "ربنا يعزّك يا دكتوره، ما يصحّش".