انطباعات Archives - 180Post

800-54.jpg

دار حديثٌ بين صديقات اجتمَعن على إفطار رمضان في بيت إحداهن، تفاخرت أصغرهن بعباءة ابتاعتها خصيصًا للعزائم والزيارات، صيحة جديدة من الصيحات التي تظهر ليتكالب عليها الناس، ويصنعون منها ضرورة لا غنى عنها. قامت تريهن جمال النسيج والتطريز وتجيب عن تساؤلاتهن بشأن ثمنها وأماكن بيعها؛ لكن أخرى أفسدت موقف التباهي والإعجاب بتعليقها: "على إيه؟ اللقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع". توتَّر الجوّ قليلًا وتحوَّلت العباءة إلى مصدر شدّ وجذب؛ فقامت المُضيفة الأكبر سنًا لتأتيَ بأطباق القطائف والكنافة وتصبَّ الشاي؛ لعل الحلوى تلطّف الأمزِجةَ وتخفّف من حِدَّة الاشتباك.

800-38.jpg

وَصَل الشابُ فسَلَّم على مجموعة من اٌقربائه، تضمُّهم وليمةٌ جماعية كبرى بعد طول غياب. اندهش أغلبهم إذ طال جسمُه واعرضَّت عظامُه ولم يكن بالمرة السابقة سوى طفل صَغير. لما صار طرفًا في الكلام وعلا صوته؛ جاءت ألفاظه وإيماءاتُه لتذكرهم بوالده وتعلنهم بأنه أصبح نسخةً مطابقة منه. علَّقت امرأةٌ عَجوز في عينيها لمعة مُميزة: صحيح؛ مَن شابه أباه فما ظلم. 

800-27.jpg

فظيعٌ لبنان السياسي. فظيعٌ كيف يلتهم القادة كما تلتهم النار هشيمها، وكيف يبتلع الأفكار والثورات والثوار، كما يبتلع البحر أسراره. هذا بلدٌ لا يشيخ، لكنه يُشيِّع أبناءه كل يوم. بلدٌ يحمل على كتفيه المرهقتين أعباء المنطقةٍ كاملة، ثم يُطالَب بأن يبتسم للكاميرات ويؤدي دوره في مسرحٍ لا تنطفئ أضواءه.

800-8.jpg

في حُجرة السّكرتارية، وقفت عاملتا نظافة في منتصف العمر تقريبًا؛ تتبادلان الحديث حول استحقاقاتِهما المادية التي لم تصلهما منذ فترة. بقيتا تتجادلان لدقائق طوال وقد استقرَّت في يدّ إحداهما ورقةٌ تحمل طلبًا مشتركًا، وأخيرًا تشجَّعت الأكبر عمرًا، وقرَّرت أن تدخلَ مكتب المدير. خَطت طارِقةً الباب، هاتفةً كأنها تشجع نفسَها وتنفض عنها أسبابَ التوتُّر: "هي موتة ولا أكتر؟". خرجت بعد لحظاتٍ قصيرة ووجهها عابس يَكسوه الإحباط، وغادرت خلفها زميلتُها حانقة، واندلع بينهما في التوّ جدالٌ جديد؛ حول المواجهة التي لاحت خاسرة.

800-45.jpg

لما دخل الرجلُ في حلته الكاملة متباهيًا، يُحيط به جمعٌ من الأعوان والحرَّاس؛ توالت تعقيباتُ الحاضرين، فرفعت درجةَ الحرارةَ حدَّ الغليان: بعدما نجح في انتخاباتِ النادي لحَس وعوده. زادت الاشتراكاتُ والتجديداتُ ومَثلت عبءً ماليًا مضافًا على الأعضاء. ليتنا ما أعطيناه أصواتنا، ظنناه إنسانًا حليمًا مُراعيًا للظروف؛ فاتضح أنه مُمثلٌ قدير. أشاحت سيدةٌ في أواسط العمر بيدها وخفضت صوتَها هامسة: "يا ما تحت السَّواهي دواهي" فأمَّن بعض الجالسين على تعليقها، وتعالت ضحكاتُ أخرين. 

750-6.jpg

تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطي في القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب في أعقاب موجات تشتت في التفكير وصعوبات في التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة.

b6dda9eb3100cd0471b24ac4c80777df.jpg

دار الحديثُ في مَجال الاقتصاد والحروب، ولما أدلى أحد الجالسين برأي بدا شاذًا غير معقول وادعى أن مصدرَه مَرجِع أجنبيّ، ردَّ عليه آخر: "العلم نور". عادة ما نستخدمُ جملة "العلم نور" في مَعرِض السُّخرية من جهل الآخرين؛ لكن ثمة ذكرى عَطرة تحملها أيام الطفولة؛ فقد زيَّنت الجملةُ جدرانَ المدارس وكان وقعها جادًا رزينًا، والحقُّ أن كثير الشعارات الحاضرة في حيواتنا فقدت معانيها؛ فالأفعال لا تلاقيها على أرض الواقع، وشأن العِلم في خبر كان؛ تشتُّت وتفاوُت وارتباك، وأجيال غُمِّ عليها الطريقُ وتفرَّقت بها الغايات. 

750-2.jpg

أثار فيلم "السّت" زوبعةً من الجَّدل العنيف بين الناس؛ مَن شاهدوه ومَن اكتفوا بالسَّماع عنه، مَن تخصَّصوا في النقد السينمائيّ ومن اندرجوا تحت بند المُتلقي العادي. البعضُ لم يرَ في العمل سوى إساءةً دامغة تستدعي الانتفاض، وبعضٌ آخر تحدَّث عن مُعالجة فنية رائعة تستحِق الإشادةَ والثناء، وبين الفريقين تاه التقييمُ المتأني الرَّزين، واختلت موازينُ الانحياز المَوضُوعي، وتحوَّل الخلافُ في وجهاتِ النظر إلى اتهامٍ مباشر.