انطباعات Archives - 180Post

810-3.jpg

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

800-29.jpg

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

750-3.jpg

في جلسة جَمعَت عددًا من المعارف والأصدقاء؛ تحوَّلت دفَّة الحديث إلى بيئة عمل كلّ منهم وما تحوي من مشكلات. لم تخلُ مُداخلةٌ من شكوى ولم يذكر أحد على الإطلاق استمتاعه بحاله، إنما راح أغلبهم يعقد المقارنات بين السَّيء والأسوأ، ولم يلبث صديقٌ أن أجمل القعدة في كلمة لاقت من جميعهم القبولَ والاستحسان: "لا تعايرني ولا أعايرك الهمّ طايلني وطايلك".

008.jpg

على ناصية الشَّارع الذي أقطنه يقع محلُّ ملابس شهير، وأكثر شهرته مبنيّ على سلوك أصحابه؛ فكلبانِ أسودان يستوطنان عتباته ليلَ نهار، ويتوجَّهان إلى الداخل من حين إلى آخر؛ يتجولان قليلًا ثم يخرجان. اعتاد الزبائنُ وجودَهما، وأدركوا أن مُلَّاك المكان يطعمونهما، ولا يقتصدون في تدليلهما وملاعبتهما.

800-33.jpg

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.

828.jpg

لما أمر السُّلطان حسن خادمَه بأن يأخذ رشفةً من الشَّراب؛ امتثل الخادمُ مرتعشًا ثم سقط يتلوى ألمًا؛ فتأكَّدت الشكوكُ وانكشفت الخُطة. شاهدنا ضِمن أعمالٍ درامية متنوعة، الملكَ الخائف وهو يطلب من الطاهي أن يتذوَّقَ الطعامَ الذي صنع، فإن سَلِم ولم يُصِبه سوءٌ؛ أكلَ الملكُ واستمتَع بالطيبات، وإن حدثْ غير ذلك؛ وَقع الخائن في شرّ أعماله وانطبق عليه المثلُ الشعبيّ الذي يقول: "طبَّاخ السمّ بيدوقه". الطبَّاخُ على أرض الواقع مجرَّد مجاز، يُدلل على كلّ من سعي لإيذاء الآخرين، والقَّصد بيِّنٌ وصريح؛ إذ الأفعالُ الخبيثة تعود في نهاية الأمر على فاعلها، والفخاخُ تقتنصُ في كثير الأحيان مُدبرَها.

750-7.jpg

لم أعد أحرص دائمًا على حلق لحيتي كل صباح، عادة قديمة تراجعت بهدوء، كما تتراجع الأشياء حين تتعلم أن تبقى بلا ضجيج. لست خائفًا من العمر، ولا يربكني البياض حين أراه في المرآة، كأن الزمن فقد حدّته الأولى وصار أكثر هدوءًا مما توقعت، حتى كلمة "حاج" أصبحت تتردد كثيرًا على مسامعي، ولم أعد ألتفت إليها كما كنت أفعل أو أحتج سابقاً.

800-21.jpg

تجدَّدت المعاركُ في المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذي يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.

830.jpg

في أول الشهر الحالي، صدر إنذار إسرائيلي بإخلاء الضاحية، وفي 7 منه تمّ العدوان عليها، في الأول، قرّرت أن لا أنفّذ أمرَ الإخلاء، وفي الثاني كذلك، ليس بطولةً ولا انتحاراً، بل متَّحَدُ الإنسان والمكان، قرارٌ بوحدة المصير، هذه المرة بعد تدمير بيتين، الأول بالضاحية في حرب 2006، والثاني بقريتي كفركلا في حرب اليوم وذاك هو بيت القصيد.

750-5.jpg

انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا. قيل لي إنه كان فاتراً مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من "الشكّائين" أو "البكّائين" على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف بأنني حزنت نوعاً ما لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية؛ احتفالٌ ينسجم مع قادم الأيام... والأحلام. أتمنى، على كل حال، ألا يتمدد سبب حزني أو يطول.