انطباعات Archives - 180Post

750-7.jpg

لم أعد أحرص دائمًا على حلق لحيتي كل صباح، عادة قديمة تراجعت بهدوء، كما تتراجع الأشياء حين تتعلم أن تبقى بلا ضجيج. لست خائفًا من العمر، ولا يربكني البياض حين أراه في المرآة، كأن الزمن فقد حدّته الأولى وصار أكثر هدوءًا مما توقعت، حتى كلمة "حاج" أصبحت تتردد كثيرًا على مسامعي، ولم أعد ألتفت إليها كما كنت أفعل أو أحتج سابقاً.

800-21.jpg

تجدَّدت المعاركُ في المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذي يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.

830.jpg

في أول الشهر الحالي، صدر إنذار إسرائيلي بإخلاء الضاحية، وفي 7 منه تمّ العدوان عليها، في الأول، قرّرت أن لا أنفّذ أمرَ الإخلاء، وفي الثاني كذلك، ليس بطولةً ولا انتحاراً، بل متَّحَدُ الإنسان والمكان، قرارٌ بوحدة المصير، هذه المرة بعد تدمير بيتين، الأول بالضاحية في حرب 2006، والثاني بقريتي كفركلا في حرب اليوم وذاك هو بيت القصيد.

750-5.jpg

انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا. قيل لي إنه كان فاتراً مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من "الشكّائين" أو "البكّائين" على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف بأنني حزنت نوعاً ما لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية؛ احتفالٌ ينسجم مع قادم الأيام... والأحلام. أتمنى، على كل حال، ألا يتمدد سبب حزني أو يطول.

801-3.jpg

على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".

800-4.jpg

أذكرني في مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأميركية بحي جاردن سيتي في القاهرة وأمامي كتبي وكراساتي اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي.

litani.jpg

شاهدتُ للتو منشوراً لزميل عتيق من رعيل جريدة "السفير". تحت عنوان "نازحيستا"، أعاد جهاد بزي نشر منشور لصبية تُدعى سيلين غندور، تروي فيه رحلتها مع النزوح من خلال مجموعة صور جميلة لها في الخيام. تروي سيلين في منشورها كم خيمة تنقلت بينها، وكيف دبّرت أمورها وغسيل ثيابها، وتفاصيل أخرى من تجربتها مع النزوح، بأسلوب إنستغرامي عصري ورائج وملوّن وجذاب.

800-6.png

نزلت الشَّابة عن الرصيف، قبضت على يدّ زميلتها المتوترة، ثم قفزت بها إلى نهر الطريق دون حسابات كثيرة. أطلقت إحدى العربات سرينتها وانحرفت أخرى بفضل مهارة سائقها، وخفضت ثالثة سرعتها باستخدام عنيف للمكابح؛ بينما تفادتهما دراجة نارية على متنها أربعة أشخاص، وأخيرًا حالف الحظ المرأتين فوصلتا بسلام إلى البرّ المقابل؛ لينطبق عليهما المثل الشعبيّ القائل: "إديني عمر وارميني البحر". 

800-26.jpg

في إحدى المناسبات السَّعيدة، ارتفع الغناءُ بين جُدران القاعة الرَّحبة؛ فكاد يصمُّ أسماعَ الحاضرين. تعالت الشكوى من هنا وهناك، طلب بعضُ الناس خفضَ الصَّوت وانتظر النتيجة؛ لكن شيئًا لم يتبدل. مرةً واثنتين والمَوقف على حاله؛ إلى أن انفجرَ أحد المَدعويين في مدير القاعة وأشاح بيده: "هو أنا بادَّن في مالطا"؟

800-23.jpg

لم يتوقف المطر الربيعي على غير عادته. الشارع يلمع تحت ضوء المصابيح المنعكسة على الحفر والمياه. مقهى على أول الطريق، يبدو مصممًا للجلوس الطويل، للحديث الممتد بلا توقف، حيث يتحول كل شيء إلى فضاء للنقاش والخيال، وتتباطأ الحياة قليلًا، حتى لو كان العالم يُسرع من حولك.