انطباعات Archives - 180Post

790.jpg

لما تطرَّق الحديث إلى الدراما والمسلسلات، انقسم الجالسون إلى فريقين؛ فريق يرى أن دواعي الانتقام العادل تبيح الخداع والغشَّ وما توفر على دربهما من وسائل، وآخر يرى أن الالتزام بالمبادئ والأخلاقيات لا بد وأن يحكمَ محاولة استرجاع الحقّ، وأن الضرورات لا تبيح على الدوام المحظورات. دار الكلامُ حول مسلسل بعنوان "قسمة العدل"، سبق عرضُه الدراما الرمضانية وأحرز نسبة مشاهدة مرتفعة. البطلة التي أوقعت بكل من أعطاها ثقته حازت إعجاب الأغلبية وتأييدها؛ لكن صديقة في أواسط العمر انبرت تنتقدها وترفض تصرفاتها وتقول: "قليل الأصل ما تطمرش فيه العِشرة". 

mokkatom.jpg

نشأتُ في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي، أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا، وحصلنا على موافقات أولي أمورنا، ونفذنا سلسلة من رحلات اليوم الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها. أول رحلاتنا أذكرها جيداً، وأذكر دوافعها وأهدافها ونتائجها. كنا قد سمعنا أو قرأنا عن الغابات المتحجرة في تلال المقطم. وكنا قد سمعنا أيضاً، من جلسات "الحواديت" ونحن أطفال نتحلق حول "أم فاطمة"، عن السباع والنمور التي تسكن في مغارات جبل المقطم.

fine.jpg

لم يكُن في الجلسة من حديثٍ سوى عن الحربِ التي تشنها الولاياتُ المتحدة الأمريكية على إيران. تباينت كالعادة الآراءُ؛ ثمَّة مَن بنى موقفَه على تأييد غير مشروط للهيمنة الرأسمالية مقابل كره جذريّ عميق لنظام المُرشد، وثمَّة مَن دعم المقاومة في مواجهة العدوان سواء كانت دينية أو علمانية؛ غير أن الحاضرين أغلبهم قد اتفقوا على كون سياسات الرئيس دونالد ترامب ضربًا من الحمق عصيًّا على الاستيعاب؛ ولا سيما أن الصَلف الأمريكيّ الأصيل يتزايد في الآونة الأخيرة فلا يترك براحًا كافيًا للاختيارات، ولا يعبأ بوجود مفاوضات، ولا يكترث لتعهُّدات أو اتفاقات؛ إنما يخرق كلَّ ناموسٍ وعرف. 

800-54.jpg

دار حديثٌ بين صديقات اجتمَعن على إفطار رمضان في بيت إحداهن، تفاخرت أصغرهن بعباءة ابتاعتها خصيصًا للعزائم والزيارات، صيحة جديدة من الصيحات التي تظهر ليتكالب عليها الناس، ويصنعون منها ضرورة لا غنى عنها. قامت تريهن جمال النسيج والتطريز وتجيب عن تساؤلاتهن بشأن ثمنها وأماكن بيعها؛ لكن أخرى أفسدت موقف التباهي والإعجاب بتعليقها: "على إيه؟ اللقمة في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع". توتَّر الجوّ قليلًا وتحوَّلت العباءة إلى مصدر شدّ وجذب؛ فقامت المُضيفة الأكبر سنًا لتأتيَ بأطباق القطائف والكنافة وتصبَّ الشاي؛ لعل الحلوى تلطّف الأمزِجةَ وتخفّف من حِدَّة الاشتباك.

800-38.jpg

وَصَل الشابُ فسَلَّم على مجموعة من اٌقربائه، تضمُّهم وليمةٌ جماعية كبرى بعد طول غياب. اندهش أغلبهم إذ طال جسمُه واعرضَّت عظامُه ولم يكن بالمرة السابقة سوى طفل صَغير. لما صار طرفًا في الكلام وعلا صوته؛ جاءت ألفاظه وإيماءاتُه لتذكرهم بوالده وتعلنهم بأنه أصبح نسخةً مطابقة منه. علَّقت امرأةٌ عَجوز في عينيها لمعة مُميزة: صحيح؛ مَن شابه أباه فما ظلم. 

800-27.jpg

فظيعٌ لبنان السياسي. فظيعٌ كيف يلتهم القادة كما تلتهم النار هشيمها، وكيف يبتلع الأفكار والثورات والثوار، كما يبتلع البحر أسراره. هذا بلدٌ لا يشيخ، لكنه يُشيِّع أبناءه كل يوم. بلدٌ يحمل على كتفيه المرهقتين أعباء المنطقةٍ كاملة، ثم يُطالَب بأن يبتسم للكاميرات ويؤدي دوره في مسرحٍ لا تنطفئ أضواءه.

800-8.jpg

في حُجرة السّكرتارية، وقفت عاملتا نظافة في منتصف العمر تقريبًا؛ تتبادلان الحديث حول استحقاقاتِهما المادية التي لم تصلهما منذ فترة. بقيتا تتجادلان لدقائق طوال وقد استقرَّت في يدّ إحداهما ورقةٌ تحمل طلبًا مشتركًا، وأخيرًا تشجَّعت الأكبر عمرًا، وقرَّرت أن تدخلَ مكتب المدير. خَطت طارِقةً الباب، هاتفةً كأنها تشجع نفسَها وتنفض عنها أسبابَ التوتُّر: "هي موتة ولا أكتر؟". خرجت بعد لحظاتٍ قصيرة ووجهها عابس يَكسوه الإحباط، وغادرت خلفها زميلتُها حانقة، واندلع بينهما في التوّ جدالٌ جديد؛ حول المواجهة التي لاحت خاسرة.

800-45.jpg

لما دخل الرجلُ في حلته الكاملة متباهيًا، يُحيط به جمعٌ من الأعوان والحرَّاس؛ توالت تعقيباتُ الحاضرين، فرفعت درجةَ الحرارةَ حدَّ الغليان: بعدما نجح في انتخاباتِ النادي لحَس وعوده. زادت الاشتراكاتُ والتجديداتُ ومَثلت عبءً ماليًا مضافًا على الأعضاء. ليتنا ما أعطيناه أصواتنا، ظنناه إنسانًا حليمًا مُراعيًا للظروف؛ فاتضح أنه مُمثلٌ قدير. أشاحت سيدةٌ في أواسط العمر بيدها وخفضت صوتَها هامسة: "يا ما تحت السَّواهي دواهي" فأمَّن بعض الجالسين على تعليقها، وتعالت ضحكاتُ أخرين.