يقول العالم الكيميائي والفيلسوف الفرنسي لافوازييه (1743-1794): "لا شيء يضيع، ولا شيء يُكتَسَب".. بمعنى آخر، لا شيء يذهب هباءً!
يقول العالم الكيميائي والفيلسوف الفرنسي لافوازييه (1743-1794): "لا شيء يضيع، ولا شيء يُكتَسَب".. بمعنى آخر، لا شيء يذهب هباءً!
في جنوب لبنان، لا تُقاس السياسة ببيانات الدولة ولا بخرائط الحدود، بل بقدرتها على التكيّف مع واقع يتجاوزها. هنا، يتداخل الاستثناء مع القاعدة، ويتحوّل السلاح من أداة مرحلية إلى جزء من بنية مستمرة، فيما تعجز الدولة عن حسم تعريف سيادتها. بين مقاومةٍ تنتج شرعيتها، ودولةٍ تسعى إلى استعادتها، يتكرّس نموذج لبناني فريد: استقرارٌ قائم على اختلال، وسيادةٌ تتقاسمها قوى متعددة.
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نصّ اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، إثر الاجتماع الثلاثي الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي في وزارة الخارجية في واشنطن، كان بمثابة بداية تحوّل أساسي في تاريخ النزاع بين بيروت وتل أبيب. تحوّلٌ يُفترض أن يؤسس أو يطلق المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي بمواكبة واشنطن ورعايتها و«احتضانها». غير أنّ النقطة التي أثارت تحفظًا أو اعتراضًا لدى كثيرين، من دون أن يعني ذلك تعليق المفاوضات بسببها، تتعلق بما يمكن وصفه بغياب التوازن في الالتزامات بين الطرفين، لجهة الحقوق والقيود.
لا تقف خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة عند حدود فتح باب التفاوض مع إسرائيل، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتصل بتموضع لبنان المستقبلي في الإقليم. فلبنان، الذي عاش منذ عقود تحت وطأة تأثيرات خارجية متراكبة (أميركية سورية سعودية، أميركية إيرانية، أميركية-إسرائيلية إلخ..) يجد نفسه اليوم أمام مفترق شديد الحساسية: هل تقود المفاوضات الحالية إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة الحرب والسلم باسم جميع اللبنانيين، أم تدفعه، تحت ضغط النار والانقسام الداخلي، من التأثير الإيراني إلى التموضع في الجهة الإسرائيلية؟
لم يعد السؤال في لبنان إلى متى يصمد هدنة وقف إطلاق النار، بل ماذا سيليها. فالتجارب السابقة تُظهر أن الحروب هنا لا تنتهي مع الهدنة، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة رسم التوازنات وقواعد الاشتباك. وفي هذا السياق، لا يقتصر البحث الجاري، سواء في إسلام آباد أو واشنطن، على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى دخول لبنان مرحلة سياسية جديدة، ستبقى مرتبطة بمآلات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
تعد هذه اللحظة واحدةً من أخطر اللحظات التي مرّت على لبنان منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي؛ فالانقسام الداخلي فادح، والبلد مهددٌ في وجوده وسلمه الأهلي. تطل أشباح الحرب الأهلية عليه مجددًا تحت عنواني: نزع سلاح المقاومة، والسلام القسري مع إسرائيل.
لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو فراغ في ضوء مآلات الملف الإيراني بقدر ما تتجه نحو إعادة توزيع عميقة للنفوذ. في هذا السياق، يبرز سؤال يتجاوز طبيعته الإعلامية: هل يمكن أن تتحول تركيا إلى “العدو الأول” لإسرائيل؟ أم أن ما يتشكل هو نمط أكثر تعقيداً من الخصومة، يرتبط بصراع أوسع على الممرات، لا على الحدود فقط؟
ليست المفاوضات، في جوهرها، مسارًا حقيقيًا نحو تسوية نهائية، بقدر ما هي أداة لإدارة صراع بنيوي غير قابل للحسم في المدى المنظور. فالمقاربة التي تختزل المشهد في ثنائية تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران تغفل البعد الجيوسياسي الأعمق، حيث تتقاطع ساحات الصراع وتُعاد صياغة موازين القوى عبر أطراف وسيطة تشكّل في الواقع ميدان المواجهة الفعلي، وفي مقدمتها لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي.
يُحتفل هذا العام بالذكرى السبعين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والعالم العربي؛ ففي العام 1956 كانت مصر أول دولة عربية تُقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. تكمن أهمية هذا الحدث الدبلوماسي التاريخي أنه أرسى دعائم علاقة نمت بسرعة وسلاسة بين الأمتين الصينية والعربية، لتشمل الدبلوماسية، التجارة، الطاقة، البنية التحتية، التكنولوجيا والتبادل الثقافي.
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان لبنان يتأثر بالتفاوض الأميركي الإيراني، بل كيف أصبح جزءًا من شروطه. فالتطورات الميدانية في الجنوب، حرباً ثم هدنة، تكشف أن لبنان لم يعد ساحة تُستخدم للضغط من الخارج، بل بات عنصرًا قادراً على صنع أو تعديل المعادلات التفاوضية نفسها. هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار نقل الجبهة الجنوبية (المقاومة اللبنانية) من موقع التأثير غير المباشر إلى موقع إنتاج الشروط السياسية.