رأي Archives - Page 2 of 381 - 180Post

800.png

ثمة حالة من التناقض البنيوي بين الخطاب السياسي الإسرائيلي وسقف القدرة العسكرية في ما يتعلّق بالحرب على لبنان. هذا التناقض لا يمكن اختزاله بخلاف عابر في التقديرات، بل يعكس أزمة أعمق تتصل بحدود القوة وبطبيعة الأهداف التي يمكن تحقيقها في مواجهة معقّدة ومفتوحة.

Rabioso-.jpg

«بقليلٍ من الوقت الإضافي نستطيع فتح مضيق هرمز والاستيلاء على النفط وجني ثروة هائلة». هكذا، وبكل وضوح، تحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبريراً لمضيه في الحرب برغم آثارها الكارثية على الاقتصاد العالمي، وكأنه زعيم عصابة مافيا لا رئيس قوة دولية عظمى.

780.jpg

بعد أسابيع خمسة من الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد لبنان، ما رُوّج له في الأيام الأولى كعملية عسكرية واسعة لإعادة رسم المشهد العسكري والأمني في الجبهة الشمالية، أخذ يتراجع تدريجيًا أمام واقع ميداني أكثر تعقيدًا. وبين خطط كمّاشة لم تكتمل، وتوغلات لم تُحسم، وخسائر فرضت إيقاعها، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في الجنوب اللبناني أمام معادلة مختلفة: توغلات برية محدودة، وأهداف تتقلّص، وحرب مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها بسهولة.

760.jpg

بعد شهر من قتال المقاومين على الحافة الأمامية من الحدود مع لبنان، خرج بنيامين نتنياهو من جحره تحت سابع أرض، ليعلن من وراء ملجأٍ نقالٍ أنّه وجّه "بتوسيع المنطقة العازلة وتغيير جذري للوضع في الشمال"، كأن هذا التوسيع طوع بنانه، وكأن التغيير الجذري بمقدور جيشٍ أعلن رئيس أركانه إيال زامير أنه "على وشك الإنهيار"، أو كأن هذه المنطقة أرض سائبة أو مشاع مهجور، بعد خمسة أسابيع من الالتحام من مسافات صفرية.

750.jpg

خلف مجرياتِ ومعطياتِ وأحداثِ الحربِ الأميركيّةِ الاسرائيليّةِ الحاليّةِ على الجمهوريةِ الاسلاميّةِ في إيران، تبرزُ اشكاليّةُ خطابِ دونالد ترامب كظاهرة تستحقُّ التوقّفَ عندها. فمن الواضح عند أغلبنا، على الأرجح، أنّ هذا الخطابَ يمثّلُ اشكاليّةً حقيقيّةً في حدِّ ذاته، ليس فقط في الرّسائلِ التي قد يقصدُ توجيهَها هنا وهناك، بل خصوصاً في نوعيّتِه وشكلِه وفلسفتِهِ الخطابيّة العامّة إن جاز التّعبير.

Deliverance.jpg

لا تُقاس الحروب الحديثة بنتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل أيضًا بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الرواية السياسية والإعلامية التي تُفسّر مسارها ونتائجها. وفي هذا السياق، برزت محاولة واضحة لتقديم العمليات العسكرية باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا للتحالف الأميركي–الإسرائيلي في حربه التي دخلت أسبوعها السادس ضد إيران، برغم وجود مؤشرات ميدانية وسياسية معقدة تُظهر أن مسار الحرب ونتائجها لا يمكن حسمها بهذه السهولة.

800-3.jpg

في ظلّ الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وما تعكسه من انقسام داخلي حادّ، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل بنيوياً يتعلّق بالمجتمع نفسه. ومع اقتراب الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال مهدي عامل (الشهيد حسن حمدان)، في 18 أيار/مايو 1987، يستعيد مشروعه النقدي أهميته اليوم، لا بوصفه تفسيراً لمرحلة مضت، بل أداة لفهم كيفية اشتغال هذا الواقع واستمراره.

759.jpg

تختبىء السلطة في لبنان وراء نفسها. ليست خجولة أبداً. زحفت نحو التفاوض غير المشروط فلم يرُدَّ عليها أحد من الأميركيين الذين لبَّت كلَّ شروطهم، ولا من الإسرائيليين الذين يواصلون عدوانهم بالاتفاق مع واشنطن. وتتذرَّع السلطة بأنَّ الدبلوماسيَّة هي الحل، لكنَّها لا تقول ما هو الحلّ. وهذه ثغرة يستفيد منها العدوّ الإسرائيلي وحده. ولا تريد أن تعترف بأنَّ التخفّي وراء الأقنعة لم يكن مجدياً ولن يكون. ولا تملك الجرأة للقول أمام الرأي العام إنَّ الدبلوماسيَّة فشلت.

800-2.jpg

في لحظة الانكشاف القصوى التي يعيشها لبنان اليوم، لا يعود ممكنًا الاحتماء بالأوهام الأيديولوجية التي طالما غلّفت الواقع الاجتماعي، وفي مقدمتها وهم «الشعب اللبناني الواحد». فالانقسام الذي يتفجّر اليوم حول هوية لبنان والصراع مع إسرائيل ليس انقساماً سياسياً عابراً، بل هو انقسام في بنية المجتمع ذاته: انقسام في تعريف العدو، في معنى السيادة، وفي موقع لبنان من التاريخ والمستقبل؛ انقسامٌ يفرض إعادة قراءة البنية الاجتماعية اللبنانية.

charge20260330A.jpg

في لحظة تاريخية تتصدّع فيها الأرضية التي كان يُبنى عليها النظام الدولي، يُصبح العالم أشبه بمختبر حي لفهم ما يحدث حين ينهار "المعنى المشترك"، وحين تتوقف القوى عن قراءة بعضها البعض ضمن لغة واحدة، وحين تصبح القواعد نفسها موضوعًا للصراع. هنا، لا تتحدد الأزمات بموازين القوة أو بحسابات النفوذ فحسب، بل بانزلاق إدراكي يجعل من كل خطوة محتملة إشارة خطر، ومن كل فعل قرارًا غير مقصود يدفع التاريخ نحو مسارات لم تُخطط لها العقول. وفي قلب هذا المختبر العالمي، تلعب الولايات المتحدة، الصين، وروسيا دورًا مركزيًا، ليس فقط كقوى منفردة، بل كمكونات ثلاثة يمكن أن تتقاطع في إطار لقاء قمة محتمل يرمز إليه اليوم بـ"يالطا 2"، لإعادة ضبط قواعد الصراع الدولي على أسس جديدة.