أن تكون لبنانيّ الجذور وتعيش في لبنان وتسمع (بحرقِ أرزه) فهذا ليس سهلاً، بل هو ألمٌ شديد بكل معنى الكلمة. وبرأيي هذا الكلام يتجاوز السياسة. إنّه جرحٌ في الصميم.
أن تكون لبنانيّ الجذور وتعيش في لبنان وتسمع (بحرقِ أرزه) فهذا ليس سهلاً، بل هو ألمٌ شديد بكل معنى الكلمة. وبرأيي هذا الكلام يتجاوز السياسة. إنّه جرحٌ في الصميم.
يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.
يشهد لبنان صراعات طائفية متجددة منذ منتصف القرن العشرين، استمرت برغم انتهاء الحرب الأهلية بفضل اتفاق الطائف، عام 1989. هذا الاتفاق لم ينهِ العقلية الميليشياوية، بل دمج الزعماء في مؤسسات الدولة، ما حوّل إدارة البلد إلى منظومة قائمة على المُحاصصة والولاءات الطائفية.
هي المرة الأولى التي يراقب فيها لبنان كدولة، وبخشية كبيرة، سوريا مختلفة بكثير عن تلك التي عرفها منذ أن رسّم الانتداب الفرنسي حدودهما وكرس كيانية كل منهما. وبرغم أن "لبنان الكبير" شهد قبل انسحاب الإنتداب أربع دويلات سورية (العلويون والدروز وحلب ودمشق) قبل أن تتحد في سوريا الحالية، لكن منذ اندلاع الحرب السورية، وبخاصة بعد سقوط نظام الأسد، يشهد لانفجار المجتمع السوري المتنوع بعد أن خرج من تحت القبضة السلطوية، مُدشّناً مرحلة جديدة غامضة الملامح والنهايات.
جورج قرم، ترك ضوأه. الشعلة لا يطفئها الزمن. هو خالد أبداً. لا صفات تحوشه. لا ملامة له أو عليه. شيء من الترهبن للمعرفة والوضوح والالتزام. لا، ليس عابراً أبداً. إقامته ليست في غياب. هو هنا دائماً، إلى زمن يحتضن رجالاً ونساءً، كانوا ضوءاً، لا يُطفئه الزمن المتمادي.
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2008، نشرت جريدة "أوان" الكويتية نص مقابلة شاملة أجريتها مع د. جورج قرم، الوزير اللبناني السابق، الخبير الاقتصادي والمالي، صاحب المؤلفات في السياسة والفكر والتاريخ؛ الرسام وعازف البيانو، حذّر فيها من أن «الحرب الباردة ستزيد من الانقسامات العربية"، واصفاً ما يعانيه العرب بأنه عبارة عن «غوانتانامو فكري اجتماعي".
العزيز جورج؛ ليس هناك سوى الدموع الحارة يمكن أن تؤدي لك تحية الحب والوفاء والعرفان. لكننا، مع ذلك، لن نقول وداعاً.
في الجزء الأول من الحوار مع الدكتور جورج قرم، أجاب عن أسئلة إقليمية ودولية. في الجزء الثاني، يقارب الواقع اللبناني. تأسس نظام لبنان الطائفي في القرن التاسع عشر. إمتد نفوذ الدول الأوروبية الكبرى وقتذاك إلى الطوائف اللبنانية المختلفة، فصارت الأخيرة جزءا من شبكة نفوذ دول مهمة مثل السلطنة العثمانية أو الدول الأوروبية مثل فرنسا وإنجلترا وروسيا، وهكذا تكونت "الدولة الحاجز" (Buffer state) خدمة لمصالح دول إقليمية ودولية. من زمن المتصرفية في القرن التاسع عشر إلى دولة لبنان الكبير ثم صيغة 1943 وأخيرا إتفاق الطائف، لم تتغير الوظيفة اللبنانية.
يرفض جورج قرم نظرية إنكفاء الإمبراطورية الأميركية. هناك أذرع أميركية، ولا سيما منها "القوى الناعمة". نحن في خضم مرحلة دولية جديدة. إنتهى زمن الثنائية القطبية التي كانت سمة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كذلك، إنتهت مرحلة الأحادية القطبية التي ميزت الحقبة التي تلت إنهيار الإتحاد السوفياتي حتى الآن. إذا أمكن إزاحة الدولار الأميركي كعملة مسيطرة على الإقتصاد العالمي بالكامل، "وهو إحتمال تتقدم حظوظه تدريجياً. يتوقف قرم عند بروز الصين كقوة عالمية واعدة إقتصاديا. ثمة توازن قوى بين الصين أكبر مكتتب في سندات الخزينة الأميركية وبين "دولة عميقة" في الولايات المتحدة، تبدو غاضبة من الصعود المفاجىء للقوة الصينية الإقتصادية في العقدين الأخيرين. هذا هو التحدي الأبرز دوليا.. لا تناقض بين روسيا والصين. هما قوة واحدة.. في الجزء الأول من الحوار الذي أجراه معه موقع ومجلة 180، يقارب الوزير الأسبق جورج قرم عناوين دولية وإقليمية، سياسية وإقتصادية.