تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان نموذجاً متقدماً لحرب تتداخل فيها العقيدة مع الاستراتيجية، وتُستعاد فيها النصوص الدينية كأدوات لإعادة تعريف الصراع على أنه صراع وجودي يتجاوز الجغرافيا وحدود الدول.
تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان نموذجاً متقدماً لحرب تتداخل فيها العقيدة مع الاستراتيجية، وتُستعاد فيها النصوص الدينية كأدوات لإعادة تعريف الصراع على أنه صراع وجودي يتجاوز الجغرافيا وحدود الدول.
تستعرض مقالة الزميل وليد حبّاس من أسرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) البروفايل السياسي لـ"جيش لبنان الجنوبي" أو ما يسمى بـ"جيش لحد" الذي انتهى مع انسحاب آخر جندي إسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار/مايو 2000. يأتي هذا الإستعراض لمناسبة تجدد الحديث عن توسيع إسرائيل احتلالها حتى منطقة جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان.
أكتب هذه السطور إنصافًا لشعب لبناني تألف مع التهجير القسري، واعتاد حصر الدموع في أتون معاركه التي خيضت طوال أزمنة خلت وأزمنة لم تأتِ بعد. أكتب هذه السطور، لا لهدف سوى النقد الجدي البنّاء، لعلنا ننقذ ما لم نخسره بعد.
إنّ نتائج حرب كتلك الدّائرة اليوم في الإقليم لا يمكن، بطبيعة الحال، مقاربتها بالعاطفة، ولا من خلال القناعات والانحيازات الأيديولوجية المسبقة. كما أنّها لا تُقرأ بسطحية خطاب ترامب مثلاً، ولا تُقاس بمنطق الربح والخسارة المباشرَين عادةً.. بل من خلال قراءة نسبيّة، مركّبة، عميقة - وهادئة طبعاً - تأخذ في الاعتبار الوقائع الفعلية، والتّحوّلات الواقعيّة التي فرضتها هذه الحرب على الأرض وفي السياسة وفي موازين الرّدع والقوّة.
ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.
يعيش الإقليم الشرق أوسطي ضمن "مثلث حصار" من الأزمات والحروب المتشابكة، يُظهر بوضوح أن المنطقة تشهد تحولات متسارعة، وإن تفاوتت درجاتها وحدّتها. هذه التحولات مرشّحة لأن تترك تأثيرات بنيوية عميقة على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وعلى أنماط العلاقات وطبيعة التحالفات فيه.
دخلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، وبدأت على شكل هجمات جوية مشتركة استهدفت نحو سبعة آلاف موقع داخل إيران، رافقتها عمليات اغتيال استندت إلى معلومات استخبارية وتقنيات متطورة، طالت عدداً كبيراً من القيادات الإيرانية، في مقدمها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. في المقابل، ردّت إيران بقصف صاروخي بالستي استهدف مواقع داخل إسرائيل، وكان أعنفها ضربة ديمونا وعراد مساء السبت الماضي.
عندما أطلق حزب الله صواريخه الأولى نحو الجليل الأعلى مُدشناً انضمامه إلى الحرب التي تمتد من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط، مروراً بدول الخليج والمشرق العربي، لم يكن جمهوره مطمئناً إلى ما بعد تلك الزخة الصاروخية، خصوصاً أن تجربة خمسة عشر شهراً تلت وقف اطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لم تكن مشجعة أبداً.
لبنان عند مفترق حاد، لكن السؤال المطروح عليه اليوم ليس جديداً بقدر ما هو مُعاد بصيغة أكثر قسوة: هل يُفاوض تحت النار، أم يؤجل التفاوض حتى تتغيّر موازين القوة؟ ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل بنيوية أيضاً، تطال الاقتصاد والمؤسسات والنزوح وخطاب الكراهية إلخ..
دخل العدوان الأميركي «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثالث، وتمددت نيرانه إلى معظم دول المنطقة بنسب مختلفة بين دولة وأخرى، ولكن الحصة الأكبر كانت من نصيب لبنان، حيث تشير كل الاعتداءات «الإسرائيلية» إلى أن الهدف الأساسي حاليًا هو تهجير ما أمكن من سكان قرى الجنوب ومدنه لإفراغها، فيما أعلنت القيادة العسكرية «الإسرائيلية» إطلاق حملة برية قالت إنها ستكون محدودة. أمام هذا المشهد يتساءل الكثير من المراقبين عن الموقفين الصيني والروسي حيال هذا العدوان ضد أقرب حليف لهما، وإلى أي مدى سيتواصل هذا العدوان؟