مرّ عشرون يوماً على قمة آلاسكا التي ضمت الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين ولم تتوقف الحرب في أوكرانيا وسقطت التقديرات القائلة بقرب التوصل إلى تسوية لحرب ستدخل عامها الرابع بعد خمسة شهور.. إلا إذا حدث ما لم يكن في الحسبان.
مرّ عشرون يوماً على قمة آلاسكا التي ضمت الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين ولم تتوقف الحرب في أوكرانيا وسقطت التقديرات القائلة بقرب التوصل إلى تسوية لحرب ستدخل عامها الرابع بعد خمسة شهور.. إلا إذا حدث ما لم يكن في الحسبان.
ما إن مضى أيام عدة على اللقاء الذي ترأسه دونالد ترامب لمناقشة أفكار وخطط لليوم التالي في غزة (الأربعاء 28 آب/أغسطس)، حتى تكشفت خطته المستقبلية للقطاع حسب ما أوردت صحيفة "واشنطن بوست" يوم الأحد في 31 آب/أغسطس. الجدير ذكره في هذا السياق أن الاجتماع ضمّ قادة ومسؤولين سياسيين معنيين بملفات الشرق الأوسط، وفي طليعتهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير- شريك أميركا في حربها على العراق- وجاريد كوشنير، صهر ترامب الذي أعدّ ما عرف سابقاً بـ“صفقة القرن" إبّان تولي ترامب ولايته الأولى.
منذ عقود، بدت سوريا كما لو أنها دولة صلبة لا تهتز. جيش قوي، أجهزة أمنية متغلغلة، حزب حاكم يرفع شعارات الوحدة والاشتراكية، ورئيس يجلس على كرسيه مطمئنًا أن البلاد تحت قبضته. لكن خلف هذه الصورة كانت تتشكل قصة أخرى، قصة بلد هشّ تحكمه شبكة من أجهزة المخابرات، الولاءات الطائفية والعشائرية، والمصالح الضيقة، فيما هوامشه تنزف فقرًا وتهميشًا. وعندما انهار المركز عام 2024، انكشفت الحقيقة كاملة: سوريا لم تكن دولة متماسكة بقدر ما كانت مسرحًا لصراع الهويات، ولعبة شدّ حبال بين مركز متغطرس وهامش صبور ثم متمرد.
من بعيد، تتلألأ دمشق كجوهرة خالدة، يراها المسافر المتعب بعد رحلةٍ كأنها ألف عام. إنها جوهرة الشرق وذاكرة الأرض، التي وُلِدَت مع أول خيط نور عرفته البشرية. أحلام الملوك وجنون الفاتحين، تنفست تنفس تدمُر فتربّعت على عرش الصحراء، وأصبحت سيدة القوافل التي وقفت في وجه روما العظيمة.
في المجتمعات المأزومة، يحتاج الجمهور إلى وجوه كاريزماتية رمزية، حتى يُسقط عليها، وبشكل غير واعٍ، الكثير من الصور المُتخيلة، ومع الوقت تُصبح هذه الوجوه مثال الأنا، أفرادًا وجماعات؛ فترفع أناهم العاجزة وتُهدئ من قلقها، وتُوظف حاجاتهم النفسية المكبوتة وتملأ الفراغ القيادي، وثمة أمثلة تاريخية عديدة في هذا الإتجاه.
بعد حرب "طوفان الأقصى"، اتضح بجلاء أن مشروع إسرائيل الكبرى لم يعد مجرد فكرة، بل أصبح خطة استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالح إسرائيلية بحتة. لم يقتصر هذا المشروع على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتد ليشمل إعادة رسم خرائط النفوذ، واستغلال الانقسامات الداخلية للدول العربية، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية والطرق الحيوية، بما يضمن تثبيت نفوذ دائم في المنطقة.
في السياسة، الخريطة أهم من الخطاب. الكلمات، مهما حملت من وعود، تظلّ أدوات تزيين لأجندات تُدار في العمق بمعايير جيوسياسية صارمة، حيث تُعاد صياغة الخرائط وفق ميزان القوة لا وفق منطق الشعارات.
اختلفت صورة بنيامين نتنياهو عندما ظهر إثر "طوفان الأقصى" في٧ أكتوبر ٢٠٢٣، شاحب الوجه مكسور الخاطر، يُخفي نية الانتقام؛ عن صورته وهو مغتبط باغتيال السيد حسن نصرالله ومن بعدها يغمره الفرح بسقوط النظام السوري وأخيراً مزهواً باستهداف إيران واستدراج الأميركيين إلى الحرب التي يشتهيها منذ سنوات.
تتوجّه هذه المقالة أساسا إلى المسيحيّين المتردّدين في مواجهة "إسرائيل" أو الذين يعتقدون أنّ التطبيع معها أمرًا إيجابيّا أو غير ضارّ، ونبيّن بالبراهين أنّ وجود "إسرائيل" ككيان ودولة هو مشروعٌ خطِرٌ على لبنان ومسيحيّيه، ونجيب على بعض مبرّرات التطبيع الشائعة.
إذا صحّ أنّ قمة آلاسكا أرست تفاهمات أبعد من أوكرانيا، فإن الشرق الأوسط يصبح ساحة الاختبار الحاسمة لمدى صلابة أي “تقاسم نفوذ مرّن” مُرتقب بين واشنطن وموسكو. جوهر المشهد أنّ القوى الإقليمية الأربع الأكثر تأثيراً (إيران، تركيا، إسرائيل، ومنظومة الخليج) لن تتلقّى الخرائط الجديدة بصورة سلبية، بل ستسعى إلى إعادة التموضع على خطوط تماس الطاقة والأمن والممرات البحرية، مع أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب، وبأقل قدر ممكن من الاصطدام المباشر مع الرعاة الدوليين.