قد يكون من المبكر تقييم الحراك الشعبي اللبناني المستمر ضد السياسات الاقتصادية التي أوصلت لبنان إلى حافة الهاوية. ومع ذلك، ثمة حاجة إلى محاولة قراءة هادئة لما جرى، ويجري، واستشراف آفاق المستقبل القريب والبعيد.
قد يكون من المبكر تقييم الحراك الشعبي اللبناني المستمر ضد السياسات الاقتصادية التي أوصلت لبنان إلى حافة الهاوية. ومع ذلك، ثمة حاجة إلى محاولة قراءة هادئة لما جرى، ويجري، واستشراف آفاق المستقبل القريب والبعيد.
إنه اليوم الرابع من أيام الحراك الشعبي. يوم بيروتي خريفي لكن فرح وحار. ليس كمثله يوم. طوفان بشري بدأت سواقيه تتجمع منذ ساعات الصباح نحو ساحتي وسط بيروت: رياض الصلح والشهداء. الساحتان اللتان شكلتا منذ العام 2005، ملعباً لمقلبين سياسيين وأهليين تمترس في كل منهما محور، نجحت هبة 17 تشرين الأول/ أكتوبر في توحيدهما. باتت الساحتان ساحة واحدة. وحناجر من يفترشهما حنجرة واحدة برغم التلاوين والمشارب الطائفية والإجتماعية والطبقية التي يأتون منها.
من المنتظر أن تعلن حكومة الرئيس سعد الحريري في الساعات المقبلة ورقة إصلاحات جذرية تطمح أن تلامس مطالب الحراك، تليها ورقة أخرى بعد ثلاثة أشهر. يبدو أن لحزب الله علاقة وطيدة بهذه الإصلاحات التي يرى أن الحراك الشعبي ساعده جدا في الضغط من أجل تنفيذها. فهل يمكن للحزب أن يستفيد مما يحصل في الشارع برغم شكوكه بأن أصابع خارجية دخلت على خط الحراك لمواجهة سلاح الحزب؟
تذكروا هذه الجملة جيدا: حكم الصبية يستجلب الوصاية. حكم الصبية هو المشكلة الرئيسية في لبنان اليوم. مشكلة تتربع على غيرها من مشاكل لبنان المزمنة كالفساد والطائفية والتدخل الخارجي وغيرها من المشاكل البنيوية في هذا البلد.
حتى الآن، يقابل مشهد الساحات في لبنان بصمت رسمي عربي، سواء من الجامعة العربية أو من معظم الدول العربية.
أكثر من أربع وعشرين ساعة، كانت كفيلة بإتساع الحراك الشعبي في الشارع اللبناني، إحتجاجا على سياسات الحكومة، وخصوصا توجهها لفرض ضرائب جديدة على الفقراء وذوي الدخل المحدود.
نجح اللبنانيون في أقل من 72 ساعة بتحويل حراكهم المدني إلى انتفاضة شعبية امتدت عفويا لتطال كافة الأراضي اللبنانية. هي اليوم أقرب إلى ثورة. ثورة لا يقودها شخص ولا عصبيات طائفية أو مذهبية أو حزبية أو مناطقية. ثورة قائدها الجوع، ووقودها البطالة والحرمان وفقدان أبسط مقومات العيش من تعليم وطبابة وبيئة ومواصلات وفرص عمل .
تشهد العاصمة اللبنانية سلسلة من المشاورات السياسية المعلنة وغير المعلنة، بهدف إيجاد مخرج للأزمة السياسية ــ الإقتصادية والمالية، التي أدت إلى نزول اللبنانيين بمئات الآلاف إلى الشوارع، في كل لبنان، في مشهد هو الأول من نوعه منذ الإستقلال في العام 1943.
من يجول في وسط العاصمة اللبنانية، اليوم، يجد نفسه أمام مشهد غير مسبوق. فتيات وفتيان في مقتبل العمر. عائلات تضيق بها الدروب من الأشرفية والصيفي والمرفأ ورأس بيروت وعين المريسة وبرج المر وسليم سلام. كلهم، يأتون حاملين الأعلام اللبنانية وما تيسر من مياه وعصير وكمامات. هدوء جميل يشي بحراك لم نشهد مثيلا له في السنوات الماضية. الحشد سيكون هذه الليلة وغدا الأحد أكبر من حراكات 8 و14 آذار/مارس 2005، وحتى من حراك تموز/ يوليو 2015.