تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان نموذجاً متقدماً لحرب تتداخل فيها العقيدة مع الاستراتيجية، وتُستعاد فيها النصوص الدينية كأدوات لإعادة تعريف الصراع على أنه صراع وجودي يتجاوز الجغرافيا وحدود الدول.
تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان نموذجاً متقدماً لحرب تتداخل فيها العقيدة مع الاستراتيجية، وتُستعاد فيها النصوص الدينية كأدوات لإعادة تعريف الصراع على أنه صراع وجودي يتجاوز الجغرافيا وحدود الدول.
إنّ تخبّط الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تبرير حربه على إيران يُعيد إلى الأذهان مشهد سلفه ريتشارد نيكسون وهو يُلاحق وَهَمّ تحقيق ما أسماه "السلام بشرف" في فييتنام. فقد أفضى ذلك المسعى إلى زهق آلاف الأرواح البشرية وسنواتٍ طويلة من المعاناة والدمار دون تحقيق هدفٍ واضح. فكم من المآسي يجب أن تتكرّر، وكم من الكُلفة سيُدفع قبل أن يقرّ ترامب بالخسارة ويتراجع ويضع حدّاً لهذه الحرب العبثية؟ هذا ما يناقشه كينيث روث في مقالة نشرتها "الغارديان"، هذا نصُّها:
عندما تنقضي الحرب الأمريكية الإيرانية على إيران، تنشأ بعدها، أو في وقت لاحق، زلازل تُعاد فيها تقدير الأوزان، ويتغير كل شيء. ومن أهم التساؤلات التي ستطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث في بنية النظامين الإقليمي والدولي؟
يتأرجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين التفاوض أو التصعيد للخروج من المأزق الإيراني. هذا ما يعنيه تمديد المهلة المعطاة لقصف محطات الكهرباء الإيرانية حتى 6 نيسان/أبريل المقبل والاعتماد على الوسيط الباكستاني هذه المرة، للتواصل مع الإيرانيين، لكن مع المضي في حشد ما يربو على 17 ألف جندي من "المارينز" في المنطقة والبحث في سيناريوات محتملة للتدخل البري.
يرى الباحثان الإيرانيان آرش رئيسي نجاد وأرشام رئيسي نجاد، في مقال مشتركة بمجلة "فورين بوليسي"، أن الحرب مع إيران لا يمكن اختزالها في التفوق العسكري والتكنولوجي، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل من قدرات متقدمة وهيمنة جوية واستخباراتية، إذ يبقى العامل الحاسم عنصرًا أعمق: الجغرافيا؛ فموقع إيران، بجبالها وعمقها الاستراتيجي وقربها من ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، يمنحها قدرة على الصمود وإطالة أمد الصراع وفرض كلفة متزايدة على خصومها..
عندما سُئل ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، عن سبب مهاجمة أمريكا لإيران، قال نصًا: «كنا نعلم أن إسرائيل ستهاجم إيران، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم ضد القوات الأمريكية، وإذا لم نتحرك بشكل استباقي فسنتعرض لخسائر أكبر». وتعليقًا على هذا التصريح، قال أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق: «إسرائيل حاولت منذ إدارة (باراك) أوباما أن تدفع أمريكا للقيام بعمل عسكري ضد إيران، وكانت تقول إنه إذا رفضت أمريكا ذلك، فإن إسرائيل ستقوم بذلك بمفردها». ولكن أوباما رفض، مفضلًا معالجة الأمر دبلوماسيًا، ولم تقم إسرائيل بالهجوم بمفردها كما هددت.
الاستراتيجية، في معناها البسيط، "هي الخطة التي تُسخّر من خلالها القوة العسكرية للوصول إلى النتيجة السياسية المرجوة. وفي هذا السياق، تفتقر الحرب الأميركية على إيران إلى مثل هذه الاستراتيجية"، بحسب مقالة الكاتبين ريتشارد ك. بيتس وستيفن بيدل، في "فورين أفيرز" (*).
لن تنتهي الحرب على إيران بنتائج عادية مألوفة. وهي أصلاً غير مرشَّحةٍ للانتهاء قريباً. الاستمرار هو الترجيح الأقربُ. لم يستطعْ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تحقيق أيّ هدفٍ من الأهداف التي أعلَناها. إيران حتى هذه اللحظة منتصِرةٌ انتصاراً واضحاً قد يتحوَّلُ لاحقاً إلى حاسم: النظام لم يسقط. الدولة لم تتفكك. المعرفة النووية باقية. المقدرة الصاروخية محفوظة.اغتيال القادة أدَّى إلى تأثُّرٍ تمَّ تجاوزُهُ بلا انهيار. تأليب الداخل تَردَّى في الهاوية. سياسة قطع الرأس وقَعتْ في الهَوِيِّ القاتل.
إنّ نتائج حرب كتلك الدّائرة اليوم في الإقليم لا يمكن، بطبيعة الحال، مقاربتها بالعاطفة، ولا من خلال القناعات والانحيازات الأيديولوجية المسبقة. كما أنّها لا تُقرأ بسطحية خطاب ترامب مثلاً، ولا تُقاس بمنطق الربح والخسارة المباشرَين عادةً.. بل من خلال قراءة نسبيّة، مركّبة، عميقة - وهادئة طبعاً - تأخذ في الاعتبار الوقائع الفعلية، والتّحوّلات الواقعيّة التي فرضتها هذه الحرب على الأرض وفي السياسة وفي موازين الرّدع والقوّة.
أحيت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كنت، من منصبه احتجاجًا على الحرب الجارية ضد إيران، الجدل داخل العاصمة الأميركية بشأن مبررات الانخراط العسكري ودور إسرائيل في توجيه القرار الأميركي.