لماذا تطارد نبوءات هيلموت شميت أوروبا القلقة؟

في خريف عام 1977، وقف المستشار الألماني هيلموت شميت في قاعة معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، وألقى خطاباً هادئاً لكنه كان بمثابة زلزال جيوسياسي في أوساط النخبة الأوروبية. حذّر شميت من أنَّ "التوازن الاستراتيجي" الذي يحمي أوروبا يتآكل بصمت، وأنَّ الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الأوروبي لم يعد خياراً مضموناً. كان ذلك في زمن الحرب الباردة، حين كانت أوروبا تعيش في ظل صراع العمالقة بين واشنطن وموسكو، لكن شميت، بواقعيته الباردة، أدرك مبكراً أنَّ التحولات في الداخل الأميركي قد تترك القارة العجوز مكشوفة في لحظة حرجة.

اليوم، بعد ما يقرب من نصف قرن، وبينما تعصف رياح الحرب في أوكرانيا وتتأرجح واشنطن على حافة عزلة جديدة، تعود “لحظة شميت” لتطارد القارة، لكن بوجوه جديدة وتحديات أكثر تعقيداً. فالغزو الروسي لأوكرانيا لم يغيّر فقط خرائط النفوذ العسكري، بل أعاد طرح سؤال جوهري: هل تستطيع أوروبا أَنْ تدافع عن نفسها إذا تخلت عنها أميركا؟

ظل شميت، المهندس البارد للواقعية الجيوسياسية، حاضراً في أذهان القادة الأوروبيين اليوم. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس يتصارعان مع إرثه الثقيل، كيف تدير أوروبا “طلاقاً عاطفياً” مع واشنطن مع الحفاظ على “زواج مصلحة” أمني لا غنى عنه؟ هذا السؤال بات محور الخلاف بين مدرستين متنافستين في قلب المحور الفرنسي-الألماني.

ماكرون، الأقرب روحياً لشميت في جانبه السيادي الجريء، يدفع بقوة نحو “استقلال استراتيجي” و”جيش أوروبي” وصناعات دفاعية أوروبية خالصة، مقتنعاً بأنَّ الولايات المتحدة شريك متقلب لا يمكن ائتمانها على مصير القارة إلى الأبد. في خطبه ومقابلاته، لا يتردد ماكرون في التحذير من أنَّ أوروبا قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة التهديدات، إذا ما قررت أميركا الانسحاب أو الانشغال بصراعاتها الداخلية. وقد ذهب أبعد من ذلك حين وصف حلف الناتو بأنَّه يمر بـ”موت دماغي”، في إشارة إلى فقدان الحلف بوصلته الاستراتيجية وتآكل الثقة بين ضفتي الأطلسي.

المواجهة القادمة لأوروبا ليست مع موسكو فحسب، بل مع صورتها في المرآة، هل يمكنها أخيراً أَنْ تصبح “شريكاً يحدد مصيره بنفسه” كما أراد هيلموت شميت، أم أنَّها ستبقى مجرد ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى؟ إنّ بقاء أوروبا، كما أدرك شميت، لا يعتمد فقط على التفوق على الخصوم، بل على إتقان فن الممكن في عالم أصبحت فيه الثقة أندر العملات جميعاً

أما أولاف شولتس، الذي ينتمي لنفس حزب شميت (الحزب الاشتراكي الديموقراطي)، فيتبع نهج الحذر والبرود السياسي، معلناً عن “نقطة تحول تاريخية” (Zeitenwende) بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، واضعاً أولوية لدعم كييف عسكرياً وإعادة تسليح ألمانيا، مع الإصرار على مركزية حلف الناتو. بالنسبة لشولتس، ما تزال المظلة الأميركية ضرورية، حتى مع إدراكه أنَّ هذه المظلة قد لا تكون دائمة أو مضمونة. هذا التباين في الرؤى يعكس توتراً أعمق بين فرنسا وألمانيا، اللتين كانتا يوماً محرك التكامل الأوروبي، وباتتا اليوم على خلاف حول كيفية الموازنة بين الطموح وضبط النفس.

لقد كشفت الأزمة الأوكرانية عن هوة متزايدة في الثقة بين أوروبا وواشنطن. في زمن شميت، كان الخلاف مع إدارة جيمي كارتر يدور حول “تردد” الرئيس الأميركي وغياب الاستمرارية. أما اليوم، فالمشكلة أعمق، الاستقطاب الهيكلي في السياسة الأميركية جعل من التزامات واشنطن الخارجية مادة للمساومة الانتخابية، وأصبح وجود حلف “الناتو” نفسه ورقة تفاوض في الحملات الانتخابية، ما أثار قلقاً أوروبياً غير مسبوق. لم يعد التهديد بالتخلي عن الحلفاء مجرد تغريدة عابرة، بل أصبح تياراً سياسياً متجذراً في الداخل الأميركي، مع صعود تيارات انعزالية تطالب بتقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الشأن الداخلي.

تتجلى هذه الحقيقة المرة في المعضلة الروسية. كان شميت يؤمن بأنَّ “لا أمن في أوروبا ضد روسيا، بل مع روسيا، أو على الأقل عبر ردعها بحكمة”. حاول ماكرون في البداية تجسيد هذا الدور عبر اتصالاته المطولة مع فلاديمير بوتين، في محاكاة حديثة لـ”السياسة الشرقية” (Ostpolitik) التي أيدها شميت. لكن شولتس وجد نفسه مضطراً لتمزيق هذا الكتاب بالكامل، إذ أثبتت الحرب في أوكرانيا أنَّ “التوازن الدقيق” الذي دعا إليه شميت قد انهار، وأنَّ خيار المواجهة الصفرية قد فُرض على أوروبا، مما أدى إلى قطع شبه كامل لروابط الطاقة مع روسيا ودعم عسكري مفتوح لأوكرانيا.

وبرغم أنَّ استجابة القارة لأوكرانيا كشفت عن وحدة فرضتها الضرورة، إلا أنَّها أظهرت أيضاً خوفاً مستمراً، من دون التزام أميركي، تظل أوروبا عاجزة عن ردع أي عدوان مستقبلي. لقد أضاعت أوروبا عقوداً ثمينة في “استرخاء جيوسياسي” تحت المظلة الأميركية، بدلاً من بناء “درع دفاعي” صلب كما دعا إليه شميت منذ زمن بعيد. وبينما تتسابق الحكومات الأوروبية اليوم لإعادة بناء جيوشها وصناعاتها الدفاعية، يظل السؤال معلقاً: هل يكفي ذلك لتعويض عقود من الاعتماد على الحماية الأميركية؟

هل ستنجح أوروبا في تحويل “نقطة التحول التاريخية” إلى انطلاقة جديدة نحو السيادة والوحدة، أم أنَّ شبح شميت سيظل يطاردها، يذكرها دوماً بأنَّ الأمن لا يُمنح، بل يُنتزع ويُبنى بالصبر والرؤية والشجاعة؟

في هذا السياق، تبرز أزمة القيادة الأوروبية. كان شميت يمتلك “كاريزما فكرية” استثنائية مكنته من شرح أصعب السياسات للشعب الألماني وإقناعه بضرورتها، فكان يقود الرأي العام. أما شولتس، فيُتهم غالباً بأنه يتبع الرأي العام بتردد، ويفتقر إلى القدرة على صياغة رؤية مقنعة تشرح لماذا يجب على ألمانيا أَنْ تتحمل هذا العبء التاريخي. أما ماكرون، وبرغم جرأته الخطابية، يواجه صعوبات في تحويل رؤيته إلى واقع ملموس، في ظل تردد شركائه الأوروبيين وخلافاتهم حول الأولويات.

إقرأ على موقع 180  الحياد الروسي في إيران.. مكاسب في أوكرانيا وأفغانستان!

في ظل هذه التناقضات، تبدو أوروبا وكأنها تقف على مفترق طرق تاريخي. فإما أَنْ تنجح في بناء منظومة دفاعية واقتصادية قادرة على الصمود في وجه التحديات، أو تظل رهينة لتقلبات السياسة الأميركية وصراعات القوى الكبرى. لقد أضحت كلمة (Zeitenwende)، التي أطلقها شولتس، شعاراً لمرحلة جديدة، لكنها أيضاً تذكير بمدى صعوبة التحول من الاعتماد إلى الاستقلال.

ولو كان هيلموت شميت حياً اليوم، لربما أشعل سيجارته أو غليونه الشهير بهدوء، ونظر بأسى إلى بروكسل وبرلين وباريس. لربما قال إنَّ أوروبا أضاعت عقوداً ثمينة في “استرخاء جيوسياسي” تحت المظلة الأميركية المريحة، بدلاً من بناء “الدرع الدفاعي” الصلب الذي دعا إليه منذ زمن بعيد. إنّ العودة إلى إرث شميت اليوم ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي اعتراف متأخر ومؤلم بأنَّ “النبيل الحزين”، كما كان يُلقب أحياناً، كان محقاً: الحليف الذي ينقذك اليوم، قد يتخلى عنك غداً إذا تغيرت خارطة مصالحه.

المواجهة القادمة لأوروبا ليست مع موسكو فحسب، بل مع صورتها في المرآة، هل يمكنها أخيراً أَنْ تصبح “شريكاً يحدد مصيره بنفسه” كما أراد هيلموت شميت، أم أنَّها ستبقى مجرد ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى؟ إنّ بقاء أوروبا، كما أدرك شميت، لا يعتمد فقط على التفوق على الخصوم، بل على إتقان فن الممكن في عالم أصبحت فيه الثقة أندر العملات جميعاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح أوروبا في تحويل “نقطة التحول التاريخية” إلى انطلاقة جديدة نحو السيادة والوحدة، أم أنَّ شبح شميت سيظل يطاردها، يذكرها دوماً بأنَّ الأمن لا يُمنح، بل يُنتزع ويُبنى بالصبر والرؤية والشجاعة؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بايدن لأوروبا المترددة: حيّدنا روسيا.. فلنذهب إلى الصين