جولة الدولة اللبنانية على وجع الحدود

يومان ماراثونيان بامتياز، جال فيهما رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في عددٍ من القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، الجولة كانت مطلباً مزمناً لنواب المنطقة وفعالياتها وأبنائها، وتجاوب واعداً بتلبيتها، مفضّلاً أن "لا يذهب ويداه فارغتان"، وإلا فما معنى الزيارة؟ وماذا يقول للناس؟ كما نُقل عنه، فهل ذهب بيدين ممتلئتين؟ وبماذا؟ يومان، تنشّقت الدولة خلالهما هواءً محرراً، وآخر محتلاً، وآخر ما بينَ بين، عاينت بعضَ دمارٍ في بعضها، ووقفت على ركامٍ كبيرٍ في كثيرٍ منها، وسارت بين آثارٍ دارسةٍ لبيوت شتى، وكذا أهلها الذين كانوا هنا يوماً ما.

على مدار اليومين الجنوبيين الطويلين، أطلق رئيس الحكومة نوّاف سلام، وعوداً بإعادة بعضٍ من بنى تحتية، ماء وكهرباء واتصالات؛ وعود تبقى برسم تنفيذها حسب حظها الجغرافي، فهي عادةً في المناطق المحررة كلياً، تبقى برسم الدولة، لكنها هنا في المناطق المحررة جزئياً برسم الدولة إلى حيث تصل، والاحتلال الإسرائيلي إلى حيث يسمح، وإن كان كل أهل الجنوب وكذا الضاحية والبقاع وكل لبنان، قد لا يشعرون بالحرية والسيادة حتى إشعار آخر، ما دام هذا اللبنان مستباحاً براً وجواً وبحراً، وهذا يعني أن الدولة -إذا صدقت وعدها- ينطبق فعلها على جزئيات من مكونات مجتمعية موزعة بين جغرافيتين: مناطق مسكونة كلياً وهي محررة أرضياً، محتلة جوياً، ومناطق مسكونة جزئياً بفعل الدمار لكنها محتلة جوياً أيضاً.

أما ثالثة الأثافي وبيت القصيد، فتلك المدمّرة، المهجّرة، الممنوع من العدو على أهلها المبيت فيها، حيث لا بيت أصلاً للمبيت، لانتفاء المكان والسقف والجدران، أو لاستحالة الوصول إلى بعضها بفعل الاحتلال قصفاً أو قنصاً أو غارةً ترسم قواعد الاشتباك مع اللاأحد، بقاسمٍ مشتركٍ واحدٍ هو الإطباق الجوي الكامل والشامل، بما يعنيه ذلك من احتلال السماء، وهذا ما اقتضى تأمين مظلةٍ جوية مسبقة للجولة الحكومية عبر التنسيق مع قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) لتنسق بدورها مع الاحتلال الاسرائيلي الذي لم يطلق طيلة اليومين حتى “درون” أو رصاصة واحدة، واكتفى بالمراقبة عن قرب وكثب، فسادت الجولة “أجواء من الهدوء” غير الحذر، حتى إذا ما انتهت عصر الأحد 8 شباط/ فبراير، عاد العدو إلى قتل البراءة والطفولة في يانوح صباح اليوم التالي الاثنين 9 شباط/ فبراير وكأن شيئاً لم يكن.

في أكثر البلدات حدوديةً والتصاقاً مع الحدود، صودف وقوف رئيس الحكومة فوق ما تبقى من ركام مسجدها التاريخي، أراد رئيس البلدية اختيار نقطة مشرفة على القسم الشرقي “الركامي”من البلدة، الذي ينتهي عند موقع ومستوطنة المطلة على مسافة 500 متر، ما جعل ذهوله يعتبرها بلدة “منكوبة”، كلمة كسبتها كفركلا من الجولة بالنقاط، ولولاها لما كانت هذه الربحية، وأنّى لها أن تكون من علٍ أو من قصرٍ حكومي عن بُعد، وكذا الوعود بالبُنى التحتية “خلال أسابيع وليس شهوراً” لكن ما فات الوعود العتيدة أن البنى التحتية تحتاج أرضاً، وأن الماء تحتاج زراعةً، وأن الكهرباء تحتاج بيوتاً، وأن المواصلات تحتاج طرقات، وأن الإتصالات تحتاج أناساً، وأن الحكومة إن وصلت فإن الدولة ممنوعة من الوصول إلى هناك، حيث كل حدود البلدة الشرقية كأخواتها الحدوديات “يحرسها” الإحتلال، من أية محاولة عودة لأهلها، متكئاً على المواقع التي يحتلها الخمس أو السبع، حتى إذا ما عرّجوا إلى بقايا منزلٍ محترق أو مدمّر، أو وقفوا على أنقاض آخر متجولين على الأطلال أو حتى على أضرحة موتاهم.

كانت طائرات العدو المُسيّرة والـ”درون” حاضرة لحظة وصول الأهل لدفن ميت، حتى رحيلهم بقنبلة صوتية أو فعلية وغيرها من إرهاب دولة منظّم، فكيف لدولتنا أن تحضر؟ سؤال جعل أحد السكان (سابقاً) يصيح “لا نريد بنى تحتية ولا مالاً ولا مساعدات نريد العودة إلى هنا فقط”، فيما ينفجر كبير سنٍ بكاءً، (وبكاء الكبير عزيز): “لا أريد إلا العودة قبل أن أموت، لا أريد أن أموت خارج الضيعة”، الضيعة التي كان معظم أهلها قد شدّوا الرحال إليها منذ ساعات الصباح الأولى، سبقوا رئيس الحكومة بساعات، ليس حباً بالدولة ولا كرهاً، بل فقط لأنها “فرصة للذهاب الى الضيعة بأمان وشم هواها باطمئنان”، فهم يدركون سلفاً أن الزيارة لن تقدّم ولن تؤخر، أكثر من رسالة معنوية اعتبارية ليس إلا ولن يقرأها أحد.

الدولة عاينت سيادتها المنقوصة في بلدة مقسومة قسمة الوطن ما بين نصفين: نصفها ممنوع على الدولة أن ترفع ركامها حتى، ونصفها الآخر ممنوع عليها الوصول إليه، ربما أرادت الدولة أن تحاول إبعاد شبحين عن المنطقة الهائمة بين منطقتين: المنطقة العازلة، والمنطقة الاقتصادية أو غيرها، وربما أرادت أن تؤكد لبنانية الأرض لئلا تتكرر إشكالية لبنانية مزارع شبعا الضائعة بين جغرافيتين أو ثلاث في خرائط “إسرائيل الكبرى”. لهذا أمكن لرئيس الحكومة أن يعاين موقع المطلة على مرمى حجر، ومزارع شبعا على مرمى بصر، وقمة جبل الشيخ على مدى النظر، لعل الأمر يختلف عند معاينة الخطر، ولو بعد عام وثلاثة شهور من إعلان وقف النار الذي لم يتوقف.

قد لا تكون الزيارة الأولى لرئيس حكومة إلى تلك الحدود الباكية، وقد تكون روتيناً إدارياً حكومياً، وقد تكون تنفيساً لاحتقان، وربما لرفع العتب، لكنها كانت خطوة لا بد منها ولكن، لكن ماذا؟ تأكيد على هوية الأرض؟ وما نفع الأرض بلا أهلها؟ ألم يقل محمود درويش “إن البيوت تموت إذا غاب سكانها”؟ فكيف والأرض بلا بيوت أصلاً؟ كيف والأرض استبدل الغزاة زيتونها بركام بيوتها؟ كان الركام الأخرس يجيب ويتفرج بصمتٍ مطبق، وكانت الضيعة قد رجعت إلى عهد الأجداد يوم كان الفلاح ينادي زوجته من الحقل البعيد كي تحضر الغداء وتسمعه بوضوح لشدة السكون، ولا فارق اليوم إلا هذا الفراغ الأهلي والمجتمعي وحتى الحيواني فلا إنسان هنا ولا حيوان، فقط أضرحة الأهل والأقرباء أو ما تبقّى من بقايا حجر، بعدما اقتلع العدو وجرف كل الشجر، شجر الزيتون الذي كانت البلدة تغوص فيه كالبحر من جهاتها الأربع.

إقرأ على موقع 180  بيرنز: التعامل مع إيران مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة

تفقد الناس ركامهم، أو ما تبقى من منازلهم التي أحرقها الإحتلال بكل نازيته وفاشيته دونما سبب غير ثقافة الكراهية والتشفي والانتقام من المدنيين، حتى المكتبة التي تحولت رماداً احتفظت بشكل الكتب المرمّدة، لكأنها تأبى زوال شكلها إذا زال مضمونها، أما المدنيون فقد هرموا وتغيّرت ملامحهم فهاموا قبل الجولة وبعدها كالتائهين؛ زاروا قبور موتاهم وقرأوا الفاتحة عن أرواحهم، ثم ودّعوهم واستودعوهم قبل أن يغادروا إلى حيث أتوا من أماكن النزوح الموحشة، ساعات كانت لحظات، خلت بعدها الضيعة منهم، عادت إلى سكوتها وسكونها، لا فرق في صمتها المطبق بين ليل ونهار، لا صوت سيارات ولا عصافير ولا دراجات، لا مداخن مدافئ ولا عطر حطبها في الشتاء، لا صهيل حصان ولا أصوات مزاريب الماء، ومن بعيد كانت تبتعد كأمٍ ودّعت أبناءها للسفر، تركوا مراتع الصبا والربيع الذي يستعد للوثوب، فالأخضر بدأ يكسو الأرض كالسجاد الجديد، لكن العبق نفسه عبق التراب في الشتاء، كلاهما لا يعترف بالاحتلال، فلا الربيع يستأذن ولا التراب الذي لا يُصادَر، وإن قتلوا كل يومً ألف طفلٍ مثل علي حسن جابر في يانوح، فكل الجنوب يانوح، وفي كله وجع ينوح:

“يا علي..
نحن أهل الجنوب
حفاة المدن نروي سيرتك
على أصفى البرك والأودية
إن حُطام أبنائنا وأسلحتهم
يغطي السفوح
ونحن نرى ذلك بصمت…
تسقط كل صبيحة بندقية على الجبل
ونحن نرى ذلك بصمت
لكننا ذات يوم سنُوجّه سكك محراثنا
إلى قلوبهم السمينة الفاجرة”.

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  المُقامِر أو المُغامر!