لم يأتِ ذلك الانهيار وليد صدفةً، بل كان نتيجة سياسات نقديّة اعتمدها مصرف لبنان، أبرزها تثبيت سعر صرف العملة الوطنيّة لسنوات طويلة برغم اختلال التوازنات الاقتصاديّة، ورفع أسعار الفائدة بشكلٍ كبير على العملات الصعبة، واستجلاب ودائع متعاظمة بهذه العملات تحوّلت في النهاية إلى تمويل استهلاكٍ واسع النطاق، معظمه مستورد. هكذا تمّ شراء السلم الأهلي بعد انتهاء الحرب الأهلية عبر رفع مستوى الإنفاق الاستهلاكي والمستوردات، مقابل تصدير الشباب والعمالة اللبنانيّة إلى الخارج. أي أنّ الاقتصاد اعتمد على تحويلات المغتربين بدلاً من بناء قاعدة إنتاجيّة مستدامة. وقد أخلّ ذلك بالتوازن الديموغرافي اللبناني، الذي اهتزّ أكثر بعد لجوء مئات آلاف السوريين إلى لبنان غداة اندلاع الأزمة السورية في العام 2011.
ومع فقدان الثقة بالمصارف، هيمن النقد “الكاش” بالعملة الصعبة على التعاملات، بحيث أضحى حجم النقد الأجنبي المتداول يُقدَّر بعشرة أضعاف النقد اللبناني، ما يرمز أيضاً إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنيّة برغم إعادة تثبيت سعر الصرف. ونشأت آليّات بديلة انطلقت من شركات تحويل الأموال للمغتربين، وتحوّلت تدريجيّاً إلى أنظمة دفع إلكترونيّة داخليّة للمؤسسات العامّة وبين الأفراد والشركات. من أبرز هذه الأنظمة شركة OMT التي تربط مئات نقاط التحويل، أي شبكة أوسع بكثير من أيّ مصرف، مستفيدةً من الرخصة الممنوحة لها من شركة التحويل العالميّة Western Union. وتبعتها شركات أخرى مثل Wish وغيرها..
لقد فرضت شركات الدفع الإلكتروني هيمنتها على التعاملات الماليّة، بل أضحت تُصدِر بطاقات دفع عالميّة (Visa أو MasterCard) عبر رخص من المصارف العاملة، مقابل ودائع نقديّة. إلاّ أنّه لا يحقّ لها استخدام هذه الودائع للإقراض كما تفعل المصارف. وبالتالي تعطّلت، ولزمنٍ طويل، الوظيفة الرئيسيّة للقطاع المصرفي، وهي إقراض الودائع بغية دعم التنمية وإعادة الإعمار، بصرف النظر عن مآل مشروع قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع” الذي يُناقش اليوم في البرلمان اللبناني. وهكذا أصبحت شركات التحويل والدفع الإلكتروني أقطاباً أساسيّة في أيّ عمليّة لإعادة هيكلة المصارف اللبنانية.
ومع أنّ هذه الشركات تمتصّ جزئيّاً هيمنة التعامل بالنقد الورقي وتعتمد، نظراً لشراكاتها الخارجيّة، أنظمة “التعرّف على العميل” (KYC)، إلاّ أنّ لبنان أُدرج على القائمة الرماديّة لـ”مجموعة العمل المالي الدوليّة” (FATF) مع شبهات تتعلّق بتبييض الأموال، ما يقيّد حركة الاستثمارات والتحويلات ويُضعف فرص تعافي القطاع المصرفي.
سوريا ولبنان.. وحدة المسار والمصير!
واللافت للانتباه اليوم أنّ سوريا تتّبع مساراً موازياً للبنان، وإن اختلفت الأسباب. كيف؟
تطوّر القطاع المصرفي في سوريا خلال سنوات ما قبل الأزمة السورية، مع دخول مصارف خاصّة، لبنانيّة وأردنيّة وخليجيّة، استحوذت تدريجيّاً على حصّة ملحوظة من السوق. ودفعت هذه المنافسة إلى بعض الإصلاحات في المصارف الحكوميّة، دون إعادة هيكلة حقيقيّة لأوضاعها. ثمّ جاءت الأزمة، والعقوبات الخارجيّة، وتدفّق أموال المساعدات الإنسانيّة وأموال تمويل المقاتلين.
وبرغم الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة السوريّة والعقوبات المفروضة على المصرف المركزي وصعوبة التعامل مع المصارف المراسلة في الخارج، بقي القطاع المصرفي يعمل بالحدّ الأدنى، استجلاباً للودائع وإقراضاً، وسط تلاعب بعض ممولي السلطة السابقة في مصارف خاصّة وعامّة. ومع منع التعامل المحلّي بالعملات الصعبة، نشأت آليّات حوالات غير رسميّة، خاصّة عبر تركيا والإمارات، لتحويلات المغتربين وتمويل الاستيراد غير الرسمي.
في الوقت نفسه، خرجت التعاملات الماليّة في مناطق شمال غرب وشمال شرق سوريا عن رقابة المصرف المركزي، وهيمن التداول بالعملات الأجنبيّة، ولا سيّما الليرة التركيّة في الشمال الغربي. ونشأت “شركات” صرافة غير رسميّة، أغلبها في تركيا، لتحويل أموال المساعدات وتحويلات المغتربين والتجارة ودفع أجور المقاتلين. وتداخلت أعمال بعض هذه الكيانات مع شبكات تمويل “داعش”، مثل “شركة” عبد الرحمن الراوي. ما دفع تركيا إلى نشر مكاتب البريد التركي في شمال غرب سوريا، وإلى إصدار “حكومة الإنقاذ” في إدلب تراخيص لبعض هذه الشركات. وبسبب صعوبة تداول النقد، تأسّست أنظمة دفع إلكتروني داخليّة، أبرزها “شام كاش”، التي تتعامل مع شركات الصرافة للقبض أو الدفع نقداً، من دون وضوحٍ كافٍ بشأن مصادر الودائع أو آليّات الامتثال المالي لديها.
بعد سقوط سلطة بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وتوحيد أغلب البلاد، سعت السلطات النقديّة إلى تثبيت سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، ما أدّى إلى تحسّن نسبي مقارنةً بالليرة التركيّة التي تراجعت بأكثر من 40% خلال سنة واحدة. وهذا يعني تشجيعاً للاستيراد من تركيا، الشريك التجاري الأساسي لسوريا اليوم. وبموازاة تثبيت سعر الصرف، جرى حبس السيولة النقديّة عن الأفراد والمصارف، ففُرض عدم تحريك الودائع القديمة، كما هو الحال في لبنان مع “اللولارات”، وتقنين سحوبات الأجور والشركات. ما قوّض الثقة بالقطاع المصرفي، وبخاصّة المصارف العامّة (الحكومية) التي تُدفع عبرها أجور الموظّفين الحكوميّين.
كما فُرض استخدام تطبيق “شام كاش”، غير المرخّص محلّيّاً ودوليّاً، كبديل لدفع أجور موظّفي الدولة وللتعاملات الماليّة. وتمّ الترخيص المؤقّت لشركات الصرافة القائمة في الشمال الغربي للقبض والدفع، بانتظار تعديل قانون النقد والتسليف. غير أنّ هذه الشركات، وكذلك “شام كاش”، لا تلتزم فعليّاً بمعايير “التعرّف على العميل” (KYC)، ما يفسّر عدم تعامل المصارف السوريّة معها.
ثمّ جاء تغيير العملة السوريّة وحذف صفرين، دون أن يترافق ذلك مع إصلاحات اقتصاديّة جوهريّة داعمة، كما حصل في فرنسا عام 1958. وقد تفاقم حبس السيولة بعد التغيير، إذ بقيت شركات الصرافة تتداول الليرات “القديمة” غير المستعملة، فيما لم تتوافر الليرات الجديدة لدى المصارف الممنوعة من التداول بالعملة القديمة. ما أدّى إلى ازدواجيّة نقديّة زادت من اضطراب السوق وفقدان الثقة.
وأُعلن عن قيمة الذهب في احتياطيّات المصرف المركزي لدعم العملة الجديدة، من دون الإفصاح عن حجم احتياطيّات العملات الصعبة. غير أنّه لا يمكن التفريط باحتياطي الذهب لتغطية تسارع الواردات من دون مقابلٍ إنتاجي وصادراتٍ مستدامة.
هكذا دفعت السياسة النقديّة في سوريا إلى هيمنة الاقتصاد النقدي “الكاش”، وبخاصّة بالعملات الأجنبيّة، بالشراكة مع منظومة دفع إلكتروني تعتمد أساساً على شركات الصرافة بدلاً من القطاع المصرفي. ما يقوّض جهود إعادة الإعمار، ويجعل من الصعب إخراج سوريا من القائمة الرماديّة لـFATF ومن القائمة الأمريكيّة “للدول الراعية للإرهاب”.
لا يمكن للبنان أن ينهض من جديد من دون إصلاح جدّي لإدارة النقد وقطاعه المصرفي. كما أنّ سوريا، بعد رفع العقوبات الأمريكيّة والأوروبيّة وحصولها على دعم دولي، ليست مضطرّة إلى سلوك المسار ذاته الذي قاد لبنان إلى أزمته، كي لا تصبح صادراتها الوحيدة… جيلها الشاب الذي نجح في التعلّم برغم كلّ الظروف الصعبة التي مرّ بها بلده.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
