الصحافة العبرية: إسرائيل لاعب ثانوي في المواجهة بين طهران وواشنطن!

خَفُتَ منسوب التفاؤل لدى الإسرائيليين لجهة إسقاط النظام الإيراني، إلى حده الأدنى، برغم التعويل على انفراط عقد مفاوضات الجولة الثالثة المقررة غداً (الخميس)، بين واشنطن وطهران. وبدت تل أبيب أكثر إنشداداً إلى ما يُمكن أن تفضي إليه المسارات المتصلة بالبرنامج الصاروخي الإيراني (الباليستي)، بعدما أخذت واشنطن على عاتقها معالجة ملف إيران الووي سلماً أم حرباً.

في مقالة له في “هآرتس”، يقول الكاتب عاموس هرئيل إن الإيرانيين “لا يتراجعون في الوقت الحالي لأن المواجهة تُعد بالنسبة إلى المرشد معركة حقيقية على بقاء النظام، واستنتاج خامنئي من تجاربه السابقة هو أن الخضوع الإيراني لمطالب صارمة لم يؤدِّ إلاَّ إلى مطالب جديدة. وعن طريق وزير الخارجية عباس عراقجي، يحاول خامنئي كسب الوقت، فطهران تفضل إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان، على أمل أن يلين الموقف الأميركي ويقبل بتسوية. وفي هذه الأثناء، باتت القوة العسكرية الأميركية منتشرة فعلاً في المنطقة، والانتظار الطويل سيستنزف أعصاب الجنود والقادة”.

وفي هذا الصدد، يقول المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إيهود ياعري، في مقالة له في “قناة N12″، “إن المؤشرات تتعزز-كما توقعنا في بداية الأزمة- بأن الولايات المتحدة وإيران تتجهان نحو محاولة بلورة نوع من اتفاق مرحلي، لا يحلّ القضايا المطروحة، لكنه يسمح بتأجيل الأزمة والانخراط في مفاوضات طويلة بشأن تسوية شاملة”. ويضيف الكاتب، “لا توجد في البحرية الأميركية حماسة لضربة كهذه- خلافاً لموقف القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)- وليس فقط لأن بعض مراحيض حاملة الطائرات العملاقة جيرالد فورد معطلة، إذ لم تخضع للصيانة المطلوبة منذ ثمانية أشهر، لكن الانطباع هو أن الحرب قد تتأجل، ولو لفترة قصيرة. أمَّا من منظور إسرائيل، فلا حاجة إلى القول إن اتفاقاً مرحلياً من هذا النوع ليس نتيجة مرغوبة”.

حلقة النار

بدوره، يوسي يهوشوع، المراسل العسكري لـ”يديعوت أحرنوت”، يقول: “حتى لو لم تُفضِ المواجهة العسكرية إلى الإطاحة بالنظام في طهران، فإن إسرائيل تنظر إلى الحملة على أنها عملية تراكمية: ضغوط سياسية، وعقوبات، وإلحاق الضرر بسلاسل الإنتاج، وتأخيرات تكنولوجية. ليس الأمر مجرد خطوة دراماتيكية واحدة، بل تآكل مستمر”. ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة تركز في مفاوضاتها مع إيران بشكل أساسي على الملف النووي، فيما القضية المُلحة لإسرائيل هي الصواريخ الباليستية التي تُنتجها الجمهورية الإسلامية.. و”أن إسرائيليين مختصين أفادوا بأن إيران تُواصل تسريع برنامجها الصاروخي، وأنهم يُقدرون أنها ستمتلك بحلول نهاية عام 2027 ما لا يقل عن 5000 صاروخ باليستي، في الوقت الذي تشير فيه البيانات إلى أن معدل الإنتاج يبلغ حوالي 100 صاروخ شهريًا”.

وفي السياق نفسه، وفي الصحيفة ذاتها، يجزم مايكل أورن، المؤرخ وسفير إسرائيل الأسبق في الولايات المتحدة، بأنه وببساطة، لا يوجد بديل من الحرب، منطلقاً من تقدير موقف بأن “الدولة تواجه تهديدات استراتيجية، وربما وجودية لا يمكن إزالتها عبر المفاوضات”. ويتوافق مع يهوشوع في موضوع الصواريخ الباليستية، ويزيد بقوله إن إيران “ستسارع إلى إنتاج مئات الصواريخ الباليستية القادرة على تدمير مجمّع سكني كامل، إن لم يكن حياً بأكمله. وتحت هذه المظلة الباليستية، تستطيع إيران إعادة بناء “حلقة النار” الخاصة بها من الوكلاء “الإرهابيين” المحيطين بإسرائيل، وفي الخفاء، تندفع قدماً نحو إنتاج سلاح نووي. وفي نهاية المطاف، ستعود إسرائيل إلى الوضع غير المحتمل الذي ساد في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وربما أسوأ كثيراً”.

ويختم مايكل أورن مقالته بخلاصة، “أن الأغلبية العظمى من الإسرائيليين، حتى أولئك الذين يُعرّفون أنفسهم ضمن معسكر السلام، يدركون ذلك. فالمعروض على المحك ليس فقط الإنجازات التاريخية للجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة، بل أيضاً قدرته على إدارتها بفعالية في المستقبل. ويعلم الإسرائيليون أيضاً أن هذه الحرب لن تكون بلا تكلفة، من حيث الضحايا، وربما يتبين أنها باهظة إلى حدّ مؤلم، ومع ذلك، فهُم مستعدون لدفع هذا الثمن لسبب بسيط- على غرار سنة 1967- ما من خيار آخر”.

أهداف غير واقعية

أما رونين برغمان، محرر الشؤون الأمنية في “يديعوت أحرونوت” أيضاً، فيرى أنه من المرجّح أن تتولى الولايات المتحدة معالجة المشروع النووي، “بينما تتكفل إسرائيل بمنظومة إنتاج ونشر وتخزين وإطلاق صواريخ أرض– أرض الإيرانية. وحتى إشعار آخر، تُعَد إسرائيل لاعباً ثانوياً في حدثٍ تديره الولايات المتحدة”. ويؤكد الكاتب المعلومات التي تسربت في ذروة المظاهرات التي عمّت المدن الإيرانية مطلع العام الحالي، بخصوص أن إسرائيل تعاني جرّاء نقص في صواريخ الاعتراض، وبشكل خاص صواريخ “حيتس”، السلاح المركزي ضد الصواريخ، وإنها “طلبت تأجيلاً من الولايات المتحدة قبل بضعة أسابيع لاستكمال الاستعدادات الدفاعية والهجومية”. ويختم مقالته، بأن” إسقاط النظام (في إيران) لم يعُد هدفاً واقعياً، ولو كان مرغوباً. والهدف البديل، حتى لو أُعلِن خلاف ذلك، هو توجيه ضربة نارية شديدة جداً على مدى بضعة أيام، تُلحق أكبر ضرر ممكن بالنظام؛ عندها تجبره على العودة إلى طاولة المفاوضات والموافقة على تنازلات لا يوافق عليها الآن”.

زميله الذي يشاطره الاختصاص في “هآرتس”، يانيف كوفوفيتس، يقول: “أوضح مسؤولون في المنظومة الأمنية أن الغارات الواسعة التي شنّها الجيش الإسرائيلي (الأسبوع الماضي) على لبنان هدفت إلى تقليص قدرات حزب الله، تحسُّباً لانضمامه المحتمل إلى القتال”.

إقرأ على موقع 180  لبنان: ترقيع الدعم كارثة.. وإصلاحه فرصة نادرة

من جهته، البروفيسور ايتان جلبوع، وفي مقالة له في “معاريف”، ينتقد تصريح المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، “لماذا تحت ضغط من هذا النوع مع كمية القوة البحرية التي لنا هناك، لم يأتوا الينا ليقولوا “نحن نعلن أننا لا نريد سلاحاً وهذا ما نحن مستعدون لعمله”، من الصعب حملهم الى هذا المكان”، ويشير إلى أن هذا التصريح “يعكس عقلية غربية لا تفهم القيم السائدة في الشرق الأوسط. وهو يشبه أيضاً خطة ترامب لإخلاء قطاع غزة من كل سكانه الى دول تكون لهم فيها “حياة طيبة” أكثر- وإعادة بنائه من جديد، بما في ذلك ريفييرا. إن دوافع إيران تستند إلى الهوية، الشرف، التزمت الديني وتقديس الموت. هذه هي قيم كل الحركات والمنظمات الراديكالية، من حماس عبر حزب الله وحتى الحوثيين في اليمن. هم لا يبحثون عن حياة طيبة أكثر بل تضحية دينية في هذا العالم من أجل “حياة طيبة” أكثر في العالم التالي”.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  ترامب بين استراتيجية الغموض ومبدأ "عدم ضبط النفس"