إيران.. وحرب عض الأصابع

اندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط يفتح زمناً مختلفاً منذ الدقيقة الأولى. الساعات الافتتاحية تصنع مناخاً نفسياً واستراتيجياً جديداً؛ غرف العمليات تعمل بإيقاع متسارع، وأسواق المال تتحرك كجسد واحد يشعر بالخطر. الضربة الأولى ترسم خريطة الإيقاع العام للصراع، فكل طرف يسعى إلى تثبيت صورة القوة منذ اللحظة الأولى. الرد الإيراني السريع باتجاه إسرائيل، مع استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج، يخلق رسالة واضحة مفادها أن الجغرافيا بكاملها دخلت مجال الحسابات الكبرى.

في هذه المرحلة يظهر العامل الاقتصادي فوراً. منطقة الخليج تمثل شريان الطاقة الأهم على مستوى الكوكب؛ أي اهتزاز في هذا الحيز ينعكس مباشرة على حركة النفط وسعره، ثم يمتد الأثر إلى الذهب بوصفه ملاذاً مالياً تقليدياً في أزمنة التوتر. خلال ساعات قليلة تبدأ الأسواق العالمية في إعادة التسعير. شركات الشحن، شركات التأمين، والبنوك الاستثمارية تعيد قراءة المخاطر. الاقتصاد العالمي يدخل حالة ترقب كثيف، وكل برميل نفط يتحول إلى مؤشر سياسي بقدر ما هو سلعة اقتصادية.

إيران- وطالما أنها استوعبت الضربة الأولى- تمتلك عناصر بنيوية تمنحها قدرة عالية على الصمود في صراع طويل. المجتمع الإيراني يحمل ذاكرة حرب الثمانينيات مع العراق، ثم عقود من العقوبات والضغوط الاقتصادية. هذه التجربة كوّنت ثقافة تكيف واسعة داخل الدولة والمجتمع. شبكات الإنتاج المحلية، اقتصاد الظل، والقدرة على الالتفاف التجاري عبر مسارات إقليمية متعددة تمنح طهران قدرة استمرار أطول مما يتوقعه كثير من المحللين.

الجغرافيا تلعب دوراً إضافياً في هذه المعادلة. إيران دولة ذات مساحة شاسعة وتضاريس متنوعة؛ جبال، هضاب، ومدن منتشرة على نطاق واسع. هذه المساحة تمنح القيادة العسكرية عمقاً دفاعياً مهماً. أي مواجهة طويلة تتحول إلى اختبار قدرة لوجستية للطرفين. كل يوم إضافي في الحرب يضيف كلفة اقتصادية وسياسية على الطرف المقابل، خصوصاً مع امتداد خطوط الإمداد عبر البحار والقواعد العسكرية البعيدة.

في زاوية أخرى من المشهد يقف قرار الحرب داخل واشنطن على أرضية سياسية هشّة. الرئيس دونالد ترامب يدخل المعركة باندفاعة شخصية واضحة، كأن القرار خرج من غرفة ضيقة أكثر مما خرج من إجماع مؤسساتي واسع. الرأي العام الأميركي يعيش حالة تعب طويلة من حروب الخارج منذ العراق وأفغانستان، وهو تعب تراكم عبر سنوات من الكلفة البشرية والمالية، حتى صار المزاج الشعبي ميالاً إلى الاقتصاد الداخلي والحدود والأسعار أكثر من الخرائط العسكرية البعيدة.

ضمن هذا المشهد يظهر مفهوم عضّ الأصابع بين الخصوم. كل طرف يراهن على قدرة التحمل لدى الطرف الآخر. مع مرور الوقت يصبح عامل الزمن سلاحاً قائماً بذاته. إيران تراهن على الصبر الاستراتيجي، بينما تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على ضربة قاصمة تغيّر التوازن بسرعة. في حال استمرار المواجهة ضمن نمط الاستنزاف، تتقدم أفضلية تدريجية لمصلحة الطرف القادر على امتصاص الصدمة الاقتصادية والعسكرية لفترة أطول.

لهذا السبب تراقب العواصم العالمية مسار الأيام الأولى بدقة شديدة. الحرب الحديثة تُدار عبر ثلاثة ميادين متزامنة: الميدان العسكري، الميدان الاقتصادي، والميدان النفسي. أي اختلال في أحد هذه الميادين يعيد تشكيل المشهد كله. الشرق الأوسط في هذه اللحظة يتحول إلى مركز ثقل عالمي، حيث تتقاطع الطاقة والتجارة والممرات البحرية مع الحسابات العسكرية الكبرى.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "نيويورك تايمز": هذه رواية "كمين نيويورك" قبيل اغتيال نصرالله!
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "متحدون من أجل لبنان".. تظاهرة فنية باريسية ـ بيروتية