من القنابل النووية إلى العقوبات والحروب: إنّها الامبريالية!

العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران تتويجاً لأكثر من أربعين عاماً من الحصار والعقوبات الاقتصادية والاغتيالات والعدوان العسكري في العام المنصرم، ليس مجرد مواجهة طارئة بسبب البرنامج النووي الايراني، بل استمرار لمسار طويل من السياسات الأميركية الرامية لتغيير الأنظمة التي تُعتبر خارج مدار الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

حين انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يكن العالم يخرج فقط من واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ، بل كان يدخل أيضاً مرحلة جديدة من إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي. فقد خرجت أوروبا منهكة اقتصادياً وعسكرياً، بينما برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة الصناعية والمالية والعسكرية الأولى في العالم. في تلك اللحظة التاريخية، ومع وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت وصعود خلفه هاري ترومان، بدأت تتبلور ملامح سياسة أميركية تسعى إلى تثبيت موقع الولايات المتحدة في مركز النظام الدولي الناشئ.

كانت الضربة النووية على هيروشيما وناغازاكي لحظة مفصلية في هذا التحول. استخدام السلاح النووي لم يكن ضرورياً لفرض الاستسلام على اليابان، بل تضمن رسالة استراتيجية موجهة أيضاً إلى الاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين لإرهابه وتخويفه، لكن امتلاك الاتحاد السوفياتي لاحقاً للسلاح النووي أدخل العالم في عصر جديد من التوازن النووي والصراع الجيوسياسي الذي سُمّي لاحقاً بالحرب الباردة.

منذ تلك اللحظة، بدأت الولايات المتحدة في بناء شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والمؤسسات الاقتصادية والقواعد العسكرية في مختلف أنحاء العالم. غير أن هذا النظام لم يقم فقط على النفوذ الاقتصادي أو العسكري المباشر، بل استند أيضاً إلى تدخلات سياسية وأمنية هدفت إلى إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في عدد كبير من البلدان التي اعتُبرت خارجة عن المدار الاستراتيجي لواشنطن.

إن تتبع هذا التاريخ، الممتد من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، يكشف سلسلة طويلة من الانقلابات والتدخلات والحروب التي شاركت فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هذه الوقائع لا يمكن فهمها بوصفها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها تعبيراً عن دينامية أوسع للنظام الرأسمالي العالمي في مرحلته الإمبريالية، حيث تتداخل القوة العسكرية مع المصالح الاقتصادية في صراع مستمر على الموارد والأسواق ومناطق النفوذ.

تدخلات مباشرة

منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين بدأت الولايات المتحدة استخدام أدوات متعددة للتأثير في الأنظمة السياسية حول العالم، من الاغتيالات، الى الانقلابات السرية إلى التدخل العسكري المباشر.

-أول الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث في إيران عام 1953، عندما دعمت وكالة الاستخبارات المركزية انقلاباً أطاح حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق بعد أن قرر تأميم صناعة النفط التي كانت خاضعة لسيطرة الشركات الغربية. أعاد الانقلاب السلطة إلى الشاه محمد رضا بهلوي، وحوّل إيران إلى أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط طوال عقود الحرب الباردة.

-بعد عام واحد فقط، تكرر السيناريو في غواتيمالا، حيث أُطيح بحكومة الرئيس جاكوبو أربينز عام 1954 بعد أن حاول تنفيذ إصلاحات زراعية مست مصالح الشركات الأميركية الكبرى، وعلى رأسها شركة الفواكه المتحدة. شكل هذا الانقلاب بداية سلسلة طويلة من التدخلات الأميركية في بلدان أميركا اللاتينية.

-في إفريقيا، لعبت الولايات المتحدة دوراً في الأزمة السياسية التي أعقبت استقلال جمهورية الكونغو الديموقراطية عام 1960، والتي انتهت بإطاحة واغتيال الزعيم الوطني باتريس لومومبا عام 1961، في سياق فرض النفوذ والاستحواذ على الموارد المعدنية الهائلة في كل القارة الافريقية.

-في جنوب شرق آسيا، ساهمت واشنطن في دعم صعود الجنرال سوهارتو في إندونيسيا عام 1965، بعد إضعاف حكم الرئيس أحمد سوكارنو، في واحدة من أكثر التحولات السياسية دموية في القرن العشرين.

-في أميركا الجنوبية، شكّل انقلاب عام 1973 في تشيلي لحظة مفصلية، حين أطاح الجيش بقيادة بينوشيه بالحكومة الاشتراكية المنتخبة ديموقراطياً برئاسة سلفادور أليندي. وقد أصبح هذا الحدث مثالاً كلاسيكياً في الأدبيات السياسية على التدخل الخارجي في تغيير الأنظمة خلال الحرب الباردة.

مرحلة جديدة من الهيمنة

إلى جانب الانقلابات، لم تتردد الولايات المتحدة في استخدام القوة العسكرية المباشرة عندما رأت ذلك ضرورياً. ففي العام 1983 غزت القوات الأميركية غرينادا وأسقطت الحكومة هناك. وبعد ذلك بست سنوات، قامت بغزو بنما عام 1989، ما أدى إلى إسقاط نظام نورييغا. ويصعب تعداد المرات التي حاولت فيها الاستخبارات المركزية الأميركية اغتيال فيدل كاسترو، ومحاولة إسقاط النظام الاشتراكي في كوبا وفي معظم بلدان أميركا الجنوبية.

إلى جانب القوة العسكرية والتحالفات، لعب الدولار الأميركي دورًا محوريًا في ترسيخ الهيمنة الأميركية. ومع اتفاقية بريتون وودز (1944)، رُبط الدولار بالذهب ليصبح عملة احتياطية عالمية، ما منح واشنطن سيطرة كبيرة على الاقتصاد العالمي. وفي عام 1971، ومع إعلان الرئيس ريتشارد نيكسون فك الدولار عن الذهب، تحول الدولار إلى أداة إلزامية للتبادل الدولي، خصوصًا في النفط والموارد الاستراتيجية، ما منح الولايات المتحدة ميزة تفاضلية هائلة في القدرة على تمويل العجز التجاري والدين الخارجي دون ضغط حقيقي على الاقتصاد المحلي، وفي فرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تخالف مصالحها.

بهذا الشكل، أصبح الدولار جزءًا من أدوات الهيمنة الأميركية جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية، التحالفات الدولية، والمجمع الصناعي العسكري، ما جعل التدخلات الأميركية في بلدان العالم أكثر فاعلية واستدامة على المدى الطويل.

إن العديد من التدخلات كانت مرتبطة بمصالح اقتصادية واضحة: النفط في إيران والخليج، الموارد الطبيعية في إفريقيا، المصالح الزراعية والصناعية في أميركا اللاتينية. أما الصراع مع الاتحاد السوفياتي، فقد شكل الإطار العام للسياسة الأميركية منذ 1947 وحتى نهاية الحرب الباردة. ومع نهاية الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفياتي عام 1991، دخل العالم مرحلة جديدة من الهيمنة الأميركية شبه المطلقة. وخلال التسعينيات الماضية لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في الحروب التي أدت إلى تفكيك يوغوسلافيا، حيث تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في الصراعات التي أعادت رسم خريطة البلقان.

إقرأ على موقع 180  الرباعي العربي الأوروبي.. وأولوية قضية فلسطين

في القرن الحادي والعشرين استمرت هذه السياسة عبر تدخلات عسكرية مباشرة واسعة النطاق. ففي عام 2001 قادت الولايات المتحدة حرباً في أفغانستان أدت إلى إسقاط حكومة طالبان. وبعد عامين فقط، غزت العراق عام 2003 وأسقطت نظام الرئيس صدام حسين. وفي عام 2011 شاركت الولايات المتحدة مع حلفائها في تدخل عسكري لحلف الناتو في ليبيا، انتهى بإسقاط نظام الزعيم معمر القذافي. كما لعبت دوراً حاسماً في إسقاط النظام السوري في العام 2024.

دور رؤوس الأموال

إن الإمبريالية، كمرحلة متقدمة من تطور الرأسمالية، تسعى للتوسع خارج حدودها الوطنية، حيث تندفع الاحتكارات المالية والصناعية إلى السيطرة على الأسواق والموارد ومجالات الاستثمار. وعندما تُقرأ التدخلات الأميركية منذ عام 1945 في ضوء هذا التحليل، يظهر نمط متكرر: كلما حاولت دولة ما انتهاج سياسة اقتصادية مستقلة أو السيطرة على مواردها الطبيعية، أصبحت عرضة لضغوط سياسية أو لانقلاب أو لتدخل عسكري مباشر. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تاريخ السياسة الخارجية الأميركية خلال العقود الماضية بوصفه جزءاً من دينامية أوسع للنظام الرأسمالي العالمي، حيث تتشابك القوة العسكرية مع المصالح الاقتصادية في إطار صراع دائم على النفوذ والموارد والأسواق.

وفي الشرق الأوسط، ومنذ نهاية ستينيات القرن الماضي أخذت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتطور من علاقة دعم سياسي إلى تحالف استراتيجي عميق. فبعد حرب 1967 أصبحت إسرائيل في نظر واشنطن شريكاً إقليمياً أساسياً في الشرق الأوسط، قادراً على لعب دور عسكري وسياسي في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم أهمية من حيث الطاقة والممرات الاستراتيجية. في هذا الإطار، يمكن فهم الدعم الأميركي الواسع لإسرائيل – عسكرياً واقتصادياً وسياسياً – باعتباره جزءاً من بنية أوسع لنظام الهيمنة الامبريالية بقيادة الولايات المتحدة. فقد تحولت إسرائيل تدريجياً إلى أحد الأعمدة الأمنية لهذا النظام في الشرق الأوسط، تماماً كما لعبت دول أخرى أدواراً مشابهة في مناطق مختلفة من العالم.

إن التحليل البنيوي للسياسات الأميركية لا يكتمل دون فهم دور رؤوس الأموال الكبرى في الولايات المتحدة، والتي تشكل رأس المال “الأنجلوسكسوني”. هذه الكتلة لا تمثل فقط البنوك الكبرى أو صناديق الاستثمار العملاقة مثل BlackRock، Vanguard، State Street، بل تشمل أيضًا الشركات متعددة الجنسيات التي تتحكم في القطاعات الحيوية: الطاقة، التكنولوجيا، الإعلام، الذكاء الإصطناعي، والصناعات العسكرية. يُقدّر حجم الأصول التي تسيطر عليها هذه الشبكة بما يفوق 50% من الأصول الاقتصادية والمالية الكبرى في البلاد، ما يمنحها قدرة هائلة على التأثير في صنع القرار السياسي والاقتصادي.

هذا النفوذ المالي يشكل أساس الاندماج البنيوي مع رأس المال “اليهودي” العالمي، الذي يُقدر تأثيره المالي والتكنولوجي بمليارات الدولارات عبر شبكات الاستثمار، التكنولوجيا، والصناعة العسكرية. إسرائيل ليست مجرد شريك سياسي أو عسكري بالنسبة لمراكز الامبريالية، بل مركز اقتصادي وتقني متقدم يعزز مصالح رأس المال على المستوى العالمي. الدعم العسكري المستمر، التنسيق السياسي والدبلوماسي، والاستثمارات التكنولوجية المشتركة كلها تعكس شبكة مصالح مندمجة بين واشنطن وقطاع المال اليهودي العالمي، بحيث يصبح القرار الأميركي في الشرق الأوسط مرتبطًا مباشرة بهذه البنية الاقتصادية والسياسية.

إضافةً إلى ذلك، يلعب المجمع الصناعي العسكري الأميركي دورًا محوريًا في هذه الشبكة، حيث تضم شركات ضخمة مثل Lockheed Martin، Boeing، Raytheon، Northrop Grumman، التي تصنع الأسلحة وتطور التكنولوجيا العسكرية. هذا المجمع لا يضمن فقط التفوق العسكري للولايات المتحدة، بل يمثل مصدر أرباح هائلًا للرأسمالية الكبيرة، ويضمن تكامل المصالح بين المال والدولة والصناعة.

في الخلاصة، قد يكون لعوامل التلاعب السياسي مثل استخدام ملفات جيفري إبستين لابتزاز دونالد ترامب دوراً في اتخاذ قرار الحرب ضد إيران، لكن يبقى الاساس أن السياسات العدوانية لتغيير الأنظمة وتوسيع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط والعالم تتبع استراتيجيات الدولة الامبريالية الاميركية، مدفوعة بأدوات الهيمنة الاقتصادية، العسكرية، والتحالفات البنيوية (هنا، يجدر التذكير بكيفية اغتيال الرئيس جون كينيدي عندما عرقل مصالح المجمع الصناعي العسكري للتورط في فيتنام). إسرائيل تشجع وتستفيد، لكنها ليست القوة التي تحدد مسار الحرب؛ بل هي جزء من شبكة مصالح أكبر تتحكم بها الولايات المتحدة عبر اندماج رأس المال المالي، المجمع الصناعي العسكري، والتحالفات البنيوية الدولية. من هذا المنظور، الحرب على إيران، وكل التدخلات الأميركية منذ 1945 هي تجسيد لسياسة الامبريالية الأميركية التاريخية الهادفة لإعادة تشكيل الأنظمة وحماية هيمنتها العالمية.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ما بين أشباه المشاهير، ترندات الفضائيين ومؤامرات الماسونيين؟