هل نقترب من أفول “عصر البترودولار”؟

منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، تشكّل ما يُعرف بـ"نظام البترودولار" كأحد أعمدة النظام المالي العالمي الحديث. فقد جاءت التفاهمات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في أعقاب انهيار نظام "بريتون وودز" لتربط تسعير النفط عالميًا بالدولار الأميركي، وهو ما فرض عمليًا على دول العالم شراء الطاقة بالدولار، ومنح الولايات المتحدة امتيازًا اقتصاديًا غير مسبوق.

هذا النظام لم يكن مجرد ترتيب نقدي، بل كان حجر الزاوية في صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالميًا. فبفضل الطلب العالمي المستمر على الدولار، استطاعت واشنطن تمويل عجزها دون ضغوط تُذكر، وطباعة العملة لتمويل اقتصادها، مع الحفاظ على مستويات منخفضة نسبيًا لأسعار الفائدة. كما ساهمت إعادة تدوير عائدات النفط الخليجية في الأسواق الأميركية—سواء عبر سندات الخزانة أو أسواق الأسهم—في دعم ازدهار اقتصادي طويل الأمد داخل الولايات المتحدة.

لكن الأثر لم يكن اقتصاديًا فقط؛ فقد مكّن هذا النظام الولايات المتحدة من تمويل إنفاق عسكري ضخم بلغ مئات المليارات سنويًا، ما غذّى ما يُعرف بـ”المجمع الصناعي العسكري”، ورسّخ قدرة واشنطن على التدخل العسكري حول العالم، وبناء مئات القواعد العسكرية، وفرض ما اصطلح عليه بـ”السلام الأميركي” أو Pax Americana.

***

مع تصاعد الحرب على إيران، تبدو ملامح هذا النظام وكأنها تواجه اختبارًا غير مسبوق. فدول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها السعودية، تجد نفسها أمام واقع استراتيجي مختلف، يحمل في طياته شعورًا متزايدًا بخيبة الأمل من الحليف الأميركي.

ولعل ما يزيد من عمق هذا التحول هو الشعور المتنامي في الرياض بأن الدور الذي لعبته المملكة في ترسيخ نظام البترودولار لم يُقابل بما يوازيه من “اعتبار استراتيجي“. فالسعودية، بصفتها أكبر منتج للنفط لعقود طويلة، والركيزة الأساسية التي قامت عليها معادلة تسعير النفط بالدولار، كان يُفترض أن تُعامل بوصفها الحليف الأول للولايات المتحدة بلا منازع. فقبولها بهذا النظام لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل قرارًا تاريخيًا ساهم في تشكيل النظام المالي العالمي ومنح واشنطن تفوقًا استثنائيًا. ومع ذلك، تبدو خيبة الأمل اليوم مضاعفة، ليس فقط بسبب مجريات الحرب، بل أيضًا بسبب غياب التشاور المسبق مع الرياض في قرار بحجم الدخول في مواجهة مع إيران. هذا التجاهل عزّز شعورًا واسعًا لدى السعودية وبقية دول الخليج بأنها باتت مكشوفة أمنيًا واستراتيجيًا، في وقت تتعرض فيه اقتصاداتها ومجتمعاتها لضغوط مباشرة. ومن المرجح أن يترجم هذا الإحساس مراجعة جدية لطبيعة التحالف القائم مع الولايات المتحدة، وربما إلى إعادة صياغة أولويات الشراكة في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن هذا المسار تم تدشينه عندما تم استهداف منشآت حقل بقيق للمرة الأولى في خريف العام 2019، من دون أن يتم تفعيل منظومات الحماية الأميركية على الأرض السعودية.

لقد أنفقت هذه الدول، ومنها السعودية، تريليونات الدولارات على شراء الأسلحة الأميركية، على أساس شراكة أمنية متينة. إلا أن مجريات الأحداث الأخيرة أظهرت محدودية القدرة على استخدام هذه المنظومات في لحظات حرجة، كما أثارت تساؤلات حول أولويات الولايات المتحدة، وبخاصة فيما يتعلق بنشر أنظمة الدفاع الصاروخي، حيث بدا أن الاعتبارات تميل لمصلحة حماية إسرائيل على حساب شركاء آخرين في المنطقة.

أكثر من ذلك، بدأت دول الخليج تدرك حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها: إيران ليست خصمًا عابرًا، بل جار دائم، لا بد من التعايش معه ضمن معادلات إقليمية أكثر توازنًا. كما أن وجود القواعد الأميركية، الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا كضمانة أمنية، قد يتحول إلى “عامل استقطاب للهجمات“، بدل أن يكون “عنصر ردع“، كما يحصل حاليًا.

***

ولعل أخطر التطورات التي نشهدها حاليًا يتمثل في إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل مؤقت، وما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على اقتصادات الخليج، التي تعتمد بشكل شبه كامل على صادرات النفط والغاز. فتعطّل الشحنات يعني توقف الإيرادات، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى الاعتماد الأحادي على مسارات ومظلات أمنية لم تعد مضمونة.

وفي تطور لافت للانتباه ويحمل دلالات عميقة، أشارت إيران مؤخرًا إلى إمكانية السماح بمرور النفط والغاز عبر مضيق هرمز بشروط مختلفة، من بينها تسعير هذه الصادرات بعملات بديلة عن الدولار، وعلى رأسها اليوان الصيني. وبرغم أن مثل هذه الطروحات قد تبدو في ظاهرها تكتيكية أو ظرفية، إلا أنها تعكس اتجاهًا أوسع يتشكل تدريجيًا نحو إعادة النظر في هيمنة الدولار على تجارة الطاقة العالمية. صحيح أن هذا التحول—إن حدث—لن يكون سريعًا أو سهلًا، نظرًا لعمق ترسخ الدولار في النظام المالي العالمي، إلا أن مجرد طرح بدائل عملية يبدأ فعليًا في تغيير التوقعات والأسس التي قام عليها نظام البترودولار لعقود.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات مالية متزايدة، حيث يقترب الدين العام من مستويات مرتفعة تاريخيًا مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. وقد أظهرت دراسات تاريخية أن ارتفاع مستويات المديونية إلى حدود معينة قد يتزامن مع بداية تراجع نسبي في نفوذ القوى الكبرى، وإن كان هذا التراجع يحدث عادة بشكل تدريجي وليس مفاجئًا. ومع استمرار العجوزات المالية الكبيرة، يقترب هذا المؤشر من مستويات تعتبر في الأدبيات الاقتصادية نقطة تحول حسّاسة، ما قد يعزز من فرضية دخول النظام الدولي مرحلة انتقالية خلال السنوات المقبلة.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": للصين مصلحة باستقرار المنطقة.. لا بالفوضى!

***

في ضوء هذه المعطيات، قد نشهد مرحلة إعادة تقييم استراتيجية عميقة في سياسات دول الخليج. إعادة نظر في التحالفات؛ في أنماط التسليح؛ في سياسات الطاقة؛ وربما أيضًا في آليات تسعير النفط وعملاته. فالبترودولار، الذي كان لعقود ركيزة للنظام العالمي، قد لا ينهار بين ليلة وضحاها، لكنه بالتأكيد لم يعد بمنأى عن التآكل.

العالم يتغير، وموازين القوى تعاد صياغتها. وما كان يومًا مسلّمات ثابتة، قد يصبح اليوم موضع مراجعة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام بداية نهاية عصر البترودولار، أم مجرد فصل جديد في إعادة تشكيله؟

Print Friendly, PDF & Email
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إسرائيل ـ حزب الله.. سيناريوهات مفتوحة