من أجل تفسير كيفية تحول واشنطن من طرف في صراع عسكري مكلف إلى أكبر مستفيد اقتصادي من تداعياته، يصبح من الضروري تتبع خيطين رئيسيين شكّلا مسار هذه التحولات وهما إغلاق مضيق هرمز عملياً على يد شركات التأمين، والأرباح الهائلة التي جنتها صناعة الطاقة الأميركية من ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، تبرز المفارقة الكبرى في أزمة مضيق هرمز، إذ إن إيران لم تكن هي من أغلقه فعلياً. فبحلول الخامس من آذار/مارس 2026، أي بعد أقل من أسبوع على بدء الضربات، اتخذت كبرى شركات التأمين البحري في العالم قراراً غيّر مجرى الأحداث بشكل جذري، حين ألغت شركات Gard وSkuld وI&P في لندن تغطية مخاطر الحرب للسفن العابرة في الخليج والمياه المجاورة. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر جغرافي مفتوح، بل تحوّل عملياً إلى “منطقة اقتصادية محظورة”، من دون أن تُطلق إيران طلقة واحدة لإغلاقه.
وعلى نحو يوضح عمق هذا التحول، علّق محلل النفط توم كلوزا قائلاً: “لا أعتقد أن إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز، لكن شركات التأمين ومشغلي السفن قادرون على ذلك”، وهو ما تحقق بالفعل. فمع فقدان التغطية التأمينية للحماية والتعويض، وجد ملاك السفن أنفسهم أمام خيار واحد لا بديل عنه وهو التوقف. وهكذا، وبحلول منتصف آذار/مارس، كانت أكثر من 150 ناقلة نفط راسية في المياه الدولية خارج المضيق، عاجزة عن العبور، في مشهد يعكس شللاً شبه كامل في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
الشركات النفطية الأميركية تتصدر
ولفهم حجم هذا الشلل، يكفي التذكير بأن مضيق هرمز كان يشهد، في الظروف العادية، عبور نحو 60 سفينة يومياً، تحمل قرابة 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 20% من تدفقات النفط العالمية. وعليه، فإن توقف هذه الحركة لم يكن حدثاً عابراً، بل تحوّل سريعاً إلى صدمة إمدادات تاريخية. فقد انخفض إنتاج النفط في الكويت والعراق والسعودية والإمارات مجتمعة بنحو 6.7 مليون برميل يومياً بحلول العاشر من آذار/مارس، قبل أن يقفز هذا الرقم إلى ما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً بحلول الثاني عشر من الشهر نفسه، في ما يمكن وصفه، بكل المقاييس، بأكبر انقطاع في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية.
وفي المقابل، وبينما كان العالم يتأرجح على حافة أزمة طاقة غير مسبوقة، كانت شركات النفط الصخري في تكساس ونيو مكسيكو وداكوتا الشمالية تراقب المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فما شكّل كابوساً للدول المستوردة والمستهلكين، بدا أقرب إلى فرصة تاريخية لهؤلاء المنتجين، مع تجاوز أسعار النفط حاجز المئة دولار للبرميل الواحد.
وتكشف الأرقام التي رصدتها شركة Rystad Energy حجم هذه المكاسب، إذ قدّرت أن منتجي النفط الصخري الأميركيين قد يحققون إيرادات إضافية تصل إلى 63 مليار دولار مع استمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل. ولإدراك دلالة هذا الرقم، يمكن الإشارة إلى أن متوسط أسعار النفط قبل الحرب كان يدور حول 70 دولاراً للبرميل، وأن التوقعات السابقة كانت تشير إلى تدفقات نقدية حرة بنحو 99 مليار دولار خلال العام. غير أن قفزة الأسعار إلى 100 دولار رفعت هذا الرقم إلى 162 مليار دولار، أي بزيادة تتجاوز 60%، وهو تحول يعكس مدى حساسية القطاع أمام تقلبات الأسعار.
ولم تبقَ هذه التقديرات في إطار النظريات، بل وجدت طريقها سريعاً إلى الواقع. فقد أشارت نماذج بنك الاستثمار Jefferies إلى أن المنتجين الأميركيين حققوا بالفعل تدفقات نقدية إضافية بقيمة 5 مليارات دولار خلال شهر آذار/مارس وحده. وفي الوقت نفسه، ارتفعت القيمة السوقية المجمعة لست من كبرى شركات النفط العالمية بأكثر من 130 مليار دولار خلال أسبوعين فقط، مع تصدر شركات BP وChevron وConocoPhillips وExxonMobil وShell قائمة المستفيدين.
ترامب: نجني مالاً أكثر
غير أن دائرة المكاسب لم تقتصر على النفط وحده، إذ امتدت سريعاً إلى سوق الغاز الطبيعي المسال. فمع توقف إنتاج قطر، نشأت فجوة كبيرة في الإمدادات العالمية، الأمر الذي فتح الباب أمام المصدرين الأميركيين لاقتناص فرصة استثنائية. وفي هذا الإطار، وجدت شركات مثل ExxonMobil وCheniere نفسها في موقع يسمح لها بتغطية جزء من هذا النقص، مستفيدة من الأسعار المرتفعة في الأسواق الفورية.
وعلاوة على ذلك، أشار محللو Rystad Energy إلى أن المصدرين الأميركيين “سيحققون أرباحاً أكبر بالتأكيد”، خصوصاً أن نحو 15% من صادرات الغاز المسال الأميركي غير مرتبط بعقود طويلة الأجل، ما يتيح بيعه بأسعار تعكس حالة الذعر في السوق. وضمن هذا السياق، برزت شركة Venture Global بوصفها أحد أبرز المستفيدين، بعدما تضاعفت أرباحها الفصلية ثلاث مرات تقريباً، في وقت كانت فيه دول مثل كوريا الجنوبية تحذر من احتمال نفاد مخزونها من الغاز خلال تسعة أيام فقط، وهو تباين يعكس اختلالاً حاداً في موازين العرض والطلب.
ومن زاوية أعمق، تقود هذه التطورات إلى حقيقة بنيوية تفسر موقع الولايات المتحدة المتقدم في هذه الأزمة. فواشنطن لم تعد ذلك المستورد الكبير للنفط الذي كان يتأثر مباشرة بأي اضطراب في الشرق الأوسط، بل تحولت، خلال العقد الأخير، إلى أكبر مصدر للنفط في العالم، وأكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في الوقت نفسه. وبناءً عليه، فإن الصدمات التي تضرب جانب العرض العالمي لا تُترجم بالضرورة إلى أعباء داخلية، بل قد تتحول إلى مكاسب مباشرة.
وتؤكد الأرقام هذا التحول بوضوح. فقد بلغ إنتاج النفط الخام الأميركي مستوى قياسياً في عام 2025 تجاوز 13.6 مليون برميل يومياً، وعند احتساب مجمل السوائل النفطية، يصل الإنتاج إلى نحو 24 مليون برميل يومياً، وهو رقم يتجاوز ما تنتجه روسيا والسعودية مجتمعتين. ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، بل والاستفادة منها، في ظل موقعها الجديد في منظومة الطاقة العالمية.
وفي هذا الإطار، عبّر الرئيس دونالد ترامب عن هذه المعادلة بصراحة لافتة للانتباه في منشور على منصة “إكس” قائلاً: “الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم بفارق كبير، لذا عندما ترتفع أسعار النفط، نجني الكثير من المال”. وعلى الرغم من بساطة هذا التصريح، فإنه يعكس تحولاً عميقاً في موقع الولايات المتحدة من متلقٍ للصدمات إلى مصممها أو في الحدّ الأدنى مستفيد منها.
ولم تقف الإدارة الأميركية عند حدود الاستفادة غير المباشرة، بل تحركت أيضاً لإعادة تشكيل قواعد اللعبة. فقد أعلن ترامب أنه وجّه مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية لتوفير “تأمين وضمانات” للسفن العابرة للخليج، مشيراً إلى إمكانية مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط عبر مضيق هرمز إذا لزم الأمر. وبالتوازي مع ذلك، أطلقت الحكومة برنامج تأمين بقيمة 20 مليار دولار بالتعاون مع شركة Chubb، بهدف دعم استئناف حركة النقل البحري. وبهذه الخطوات، وضعت واشنطن نفسها في موقع الطرف القادر على التحكم بإيقاع عودة التدفقات النفطية، بعد أن كانت سياساتها العسكرية أحد أسباب توقفها.
وفي ضوء كل ما سبق، يكشف هذا الفصل من الأزمة عن حقيقة مفادها أن أكثر أدوات التأثير حسماً في حروب الطاقة قد لا تكون عسكرية بقدر ما هي مالية وتنظيمية. فبينما اكتفت إيران بالتهديد، تكفلت قرارات شركات التأمين بشل حركة نفط الخليج وتعطيل نحو خُمس الإمدادات العالمية. وفي خضم هذا الاضطراب، لم تكتفِ الولايات المتحدة بتجنب الخسائر، بل نجحت في تحويل الأزمة إلى فرصة اقتصادية واسعة النطاق، 63 مليار دولار إضافية لمنتجي النفط الصخري، وأرباح متزايدة لمصدري الغاز المسال، وترسيخ لمكانتها كأكبر منتج للطاقة في العالم. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب لا تمثل سوى الجزء الأول من المشهد، إذ تشير المعطيات إلى أن واشنطن كانت، في الوقت ذاته، تمهّد لمرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً، تتجاوز مضيق هرمز إلى جغرافيا جديدة ومصادر طاقة أبعد، على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.
