الحرب على إيران بين المراهقة الاستراتيجية.. والمخارج المُقفلة!

يقول الكابتن ميللر في فيلم Saving privat Rayan أو "إنقاذ الجندي ريان"، وهو يُحتضر بعد إصابة بالغة في الحرب العالمية الثانية: "الحرب تجعلُ الحياة نفسَها دَيْنًا أخلاقيًا ثقيلًا على من ينجو منها".

-الزمان: مشارف ربيع العام 2026.

-المكان: منطقة الحروب التي لا تهدأ. أبناء المنطقة يتحضرون لاستقبال شهر رمضان المبارك، وربّات البيوت مشغولات بتأمين ما يلزم لتكريم الشهر الفضيل. محطات التلفزة تتسابق على شراء أسخف مسلسل في الموسم الرمضاني الجديد. الجيش الأميركي في حركة لا تهدأ، طائرات الشحن العسكرية كخلية نحل. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستدعي حاملتي طائرات إلى المنطقة، التي تفيض بالأصول العسكرية وبالبارود. المحللون السياسيون والخبراء الاستراتيجيون يتنافسون في نقاش حتمية الحرب من عدمها.

بنيامين نتنياهو يطلب تقديم موعد زيارته إلى واشنطن. يلتقي الرئيس ترامب للمرة السادسة أو السابعة لا أعلم. ولكن ما نعلمه أنّنا بعد كل زيارة، سنكون بانتظار كارثة جديدة على المنطقة.

ولكن مهلًا، ثمة ضوء في آخر النفق. المفاوضات الأميركية الإيرانية تُستأنف من جديد، الوفدان يفتحان بطون الحقائب لحشوها بالألبسة وبالمفردات الديبلوماسية. جولة أولى في سلطنة عمان، بنتائج ليست سيئة. التعويل على الجولة الثانية بعد أسبوع أو أسبوعين. طائرات التانكرز لا تهدأ. حاملات الطائرات والوفود المرافقة تعكّر مياه البحار والمحيطات.

تبدأ الجولة الثانية في جنيف، الوفدان متفائلان. وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الوسيط الموثوق، يُعبّر عن أمله بوجود اتفاق يلوح في الأفق. وفي الأفق نفسه تلوح مئات الطائرات الأميركية، وتلوّح بالقنابل والنار والموت. الناس تريد رؤية الجانب الجيد، وتُغفِل هدير المحركات في البحر والجو.

العرض الإيراني مغرٍ، ودونالد ترامب يعشق أرقام المليارات. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يرمي له الطعم والصنّارة معًا.. الرجل ليس جنرال حرب، هو شخصٌ مهووس بالاستعراض وبالصفقات، وبالفتيات الصغيرات، ونموذج أصيل لجماعة “ثقافة الحياة”، عالم جيفري إبستين المتحضّر لاصطياد القاصرات.

التسريبات تُهلّل إلى قرب التوصل إلى اتفاق نووي جديد، أفضل بكثير من اتفاق باراك أوباما “الفاشل” و”السيء”، كما يُردّد دونالد ترامب بمناسبة وغير مناسبة. نِسبُ التسويات تطغى على نسب الحرب. يعود الوفدان إلى بلديهما للتشاور. موظفو منزل السفير العماني في جنيف، يستبدلون أغطية الطاولات، للتحضير لجولة مفاوضات جديدة.

هل بدأت الحرب؟

السبت، الثامن والعشرون من شباط، أستيقظُ على رنين متكرر للهاتف، أفتح عينيّ لأرى رقم صديقي من التلفزيون التركي، معاتبًا: ما زلتَ نائمًا؟ الحربُ بدأت، وعدّاد الموت أيضًا.

انقضت أسابيع ثلاثة على الحرب؛ الأهداف الأميركية لم تتحقق، إلا إذا كانت مجزرة مدرسة البنات في ميناب تُعدُّ إنجازًا. تفتح الحرب مساراتٍ جديدةً، ونوافذ لم يكن أحدٌ يتخيل التفكير فيها. يقابل الإيرانيون جنونَ الأميركيين بجنون مماثل، ومن اليوم الأول بدأوا بتدمير كل القواعد الأميركية في المنطقة. وموجات صاروخية لا تهدأ على الدولة العبرية.

تقفل إيران مضيق هرمز أمام السفن غير المرغوب فيها، ويُحدثُ ذلك رعبًا عالميًا، وأزمة طاقة غير مسبوقة. تقصف إسرائيل حقل بارس، الأكبر إنتاجًا للغاز في إيران، ترد الأخيرة بضرب حقل الغاز الأكبر في قطر. يخرج ترامب للتبرؤ من تهوّر حليفه نتنياهو، ويعد الإيرانيين بأنه لن يعيدها ثانية. ويعبّر عن استيائه من حلفائه الذين كانوا محلّ تنمّر منه في الشهور الماضية، وينعى حلف “الناتو”، ويطلب منهم ومن الصين مساعدته في فتح مضيق هرمز. يعرض فولوديمير زيلنسكي، المعنّف قبل سنة أما مدفأة البيت الأبيض والعالم وشعبه، خدماته وخبراته على الرئيس الأميركي وقادة دول الخليج.

يمارس ترامب هوايته في الاستعراض والتشويق بشكل شبه يومي ليخبر العالم بقضائه على قدرات الإيرانيين العسكرية للمرة الثلاثين في غضون ثلاثة أسابيع.

في ذروة الحرب، تخرج حاملة الطائرات الأكبر في التاريخ جيرالد فورد التي كلفت 13 مليار دولار، والتي تعمل بالوقود النووي، وعلى متنها خمسة آلاف بحار؛ من الخدمة؛ تعود إلى الولايات المتحدة بسبب نسيان أحد الجنود مقلاة الزيت على النار، ما أحدث حريقًا في المطبخ! وتبتعد الحاملة الثانية هاري ترومان خلف جبال سلطنة عمان اتقاءً لأي بهدلة جديدة.

وفي اليوم العشرين يتم إسقاط درّة التاج في الصناعة العسكرية الأميركية طائرة F35. البنتاغون يعترف بإصابتها. في اليوم الواحد والعشرين تستقبل سماء فلسطين المحتلة عواصف رعدية، ووابل لا يتوقف من الصواريخ الإيرانية. وفي اليوم التالي، يصيب صاروخ مدينة ديمونا، ويُحدث كارثة هناك. وتسمح واشنطن للإيرانيين المعاقبين بييع 140 مليون برميل نفط بقيمة 14 مليار دولار.

واشنطن ترفع العقوبات عن النفط الروسي المعاقب، يبيع الروس بالسعر الجديد المرتفع؛ يحصدون نصف مليار دولار يوميًا. الخزانة الروسية تعود للامتلاء مرة جديدة.

الصين تبتسم ابتسامة صفراء، وتستمر في النهوض والصعود معًا.

“الأرمادا” الأميركية والممرات الموصدة

يدخل دونالد ترامب قفص النِّزال، ويرمي المفتاح خارجًا. سلّم النزول يبتعد عن الشجرة.

بعد غروب اليوم الثاني والعشرين من الحرب، تُسرّب الإدارةُ الأميركية لموقع “أكسيوس” الأميركي، معلومات عن استعدادها لمفاوضات مع الإيرانيين، بالشروط التي سبقت الحرب. وقبل منتصف الليل يصرّح دونالد ترامب بأنه مسح إيران عن الخارطة، والمهمة انتهت. عند منتصف الليلة نفسها، يغيّر رأيه، ويهدّد الإيرانيين بأنّ أمامهم ثمانٍ وأربعين ساعة لفتح المضيق، وإلا سيمسح بنية الطاقة والكهرباء والماء في إيران عن وجه الأرض، كما أزال إيران عن الخارطة قبل ساعات. تردّ طهران بأنها ستدمّر البنية التحتية في إسرائيل وفي المنطقة ومصالح أميركا أيضًا. الكوكب كله ينتظر الكارثة القادمة على شاشات التلفزة، والأسهم، وعلى وسائط التواصل.

إقرأ على موقع 180  جبران تويني مؤسس "النهار".. العروبة الصافية

لم تكد تنقضي المهلة التي حدّدها سيد البيت الأبيض حتى أطل ترامب مجدداً مبشراً بتدشين أبواب التفاوض مع الإيرانيين. ضجّت الفضائيات بالفواصل الإخبارية العاجلة. قال ترامب إنه أعطى إيران مهلة جديدة تنقضي مع نهاية الشهر الأول للحرب. لم يكد العالم ينام على حرير الوعود الترامبية حتى كان الوعد المؤجل بتدمير محطات الطاقة الإيرانية يتبدد على وقع النيران التي أصابت محطات الكهرباء الإيرانية في أصفهان وخورمشهر.

جنود “المارينز” تقترب أقدامهم من سواحل المضيق. أنصار الله في اليمن يفركون أيديهم، ويتشوقون لدخول الحلبة، مضيق باب المندب مرشّح للإقفال أيضًا. ومستوى جديد من التصعيد القادم. جبهة لبنان المحتدمة مع تقطيع الجسور بين جنوب الليطاني وشماله لها تحليل مستقل.

يُراقب العالم حفلة من الجنون يقودها عجوز بعقلية طفل مدلل يريد من الجميع تلبية طلباته. ويشهد سلوك مراهق لامبراطورية العم سام، وسردية متهافتة يقوم بتقديمها كلٌ من دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث، عن حرب كاسحة، وأقوى جيش في العالم، وحرب دينية على السنّة والشيعة، ولكنّ هذه “الأرمادا” الأميركية تعجز عن فتح ممرين مائيين حيويين بالقوة في سنة واحدة.

الفيلم الأميركي الطويل مستمر في عرضه الأكثر تهافتًا وتدميرًا.

لننتظر ونرَ المزيد من العروض. ربما تكون أكثر تشويقاً!

Print Friendly, PDF & Email
طارق عبود

أستاذ جامعي وباحث، لبنان

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  جبران تويني مؤسس "النهار".. العروبة الصافية