الشرق الأوسط أسيرُ “مثلث الحصار”.. الخرائط تتغير تحت النار

يعيش الإقليم الشرق أوسطي ضمن "مثلث حصار" من الأزمات والحروب المتشابكة، يُظهر بوضوح أن المنطقة تشهد تحولات متسارعة، وإن تفاوتت درجاتها وحدّتها. هذه التحولات مرشّحة لأن تترك تأثيرات بنيوية عميقة على الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وعلى أنماط العلاقات وطبيعة التحالفات فيه.

تتمثل أولى زوايا «مثلث الحصار» في منطقة الخليج، حيث تتصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بما تحمله من انعكاسات حالية ومستقبلية على مجمل الإقليم. وقد امتدت هذه التداعيات لتطال دول الخليج كافة، من خلال العمليات العسكرية الإيرانية التي استهدفت أراضيها تحت عنوان الرد على أهداف أمريكية. وفي هذا السياق، كانت العلاقات الخليجية الإيرانية من أوائل الضحايا، بعدما شهدت خلال فترة وجيزة نسبيًا مسارًا تصاعديًا نحو التهدئة والتطبيع، عقب سنوات من التوتر أو البرود بدرجات متفاوتة.

وجاء الاجتماع الوزاري العربي الإسلامي في السعودية ليشكّل ردًا دبلوماسيًا جماعيًا يحمل رسالة تضامن سياسي في مواجهة التصعيد القائم، مع ما لذلك من آثار مرتقبة على مستقبل العلاقات بين الطرفين.

ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، يتضح تصعيد مزدوج: عمودي في كثافة العمليات ونوعية الأسلحة والأهداف، وأفقي مع اتساع رقعة الاشتباك، خصوصًا بعد فتح الجبهة اللبنانية مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، لم تعد الساحة اللبنانية مجرد احتمال، بل تحولت إلى مسرح مواجهة مفتوحة، ربطه حزب الله بمسار الحرب الدائرة، سواء تحت عنوان دعم غزة سابقًا أو دعم إيران لاحقًا، ضمن ما يُعرف بعقيدة «وحدة الساحات». وللتذكير، فقد شكّل لبنان مرارًا مسرحًا «لحروب الآخرين»، أيا كانت تسمياتها، نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل أساسية: جاذبية موقعه الجغرافي، هشاشة مؤسساته، وانقسام بنيته الاجتماعية.

ولا يُستبعد أن تستمر إسرائيل في هذه الحرب سعيًا لإحداث تغيير جذري في الواقع القائم على حدودها مع لبنان، حتى في حال التوصل إلى تهدئة أو وقف للقتال مع إيران عبر مسارات تفاوضية مختلفة تقودها الولايات المتحدة، لا إسرائيل مباشرة.

لكن هذا الأمر، فى ظل ما نسمعه عن شروط متبادلة، ما يزال بعيد المنال في المدى القريب، وإن لم يكن مستحيلًا على المدى الأبعد، وبخاصة أن القرار النهائي في هذا المسار يبقى بيد واشنطن أكثر منه بيد تل أبيب.

في المقابل، توحي طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان— من حيث كثافتها وأهدافها— بأن إسرائيل تتعامل مع الجبهة اللبنانية كمسار مستقل لا ترغب في ربطه بمسار الحرب في الخليج. ويظهر ذلك بوضوح في اعتماد سياسة «الأرض المحروقة» في الجنوب اللبناني، ومحاولة فرض تغيير ديموغرافي عبر دفع السكان إلى شمال الليطاني، بما يعني عمليًا إفراغ المنطقة من أهلها.

ويجري ذلك في سياق محاولة تكريس واقع جديد تحت مسمى «السيادة الأمنية»، وهي عقيدة تسعى إسرائيل إلى فرضها بالقوة، من دون قيود زمنية أو جغرافية واضحة. وهكذا تتحول الحرب إلى صراع على الجغرافيا والديموغرافيا معًا، يزداد خطره كلما طال أمده، مهددًا البنيان الوطني اللبناني في عمقه.

أما الزاوية الثانية من «مثلث الحصار»، فتتمثل في مسرح البحر الأحمر، بوصفه أحد أهم الممرات الاستراتيجية العالمية، الرابط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا. وفي هذا الفضاء، تتداخل حروب وصراعات متعددة: من السودان إلى اليمن، وصولًا إلى الصومال، ولا سيما في ما يتعلق بجمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دوليًا إلا من قبل إسرائيل.

وبرغم أن لهذه النزاعات جذورًا داخلية، فإنها سرعان ما تتحول إلى ساحات مفتوحة لتصفية حسابات خارجية، تغذيها وتستمد منها الزخم، بفعل الأهمية الجيوسياسية للموقع.

أما الزاوية الثالثة، فتتجسد في السياسة الإسرائيلية النشطة الهادفة إلى إنهاء «القضية الفلسطينية». ويظهر ذلك في استمرار التوتر في غزة، التي تحولت إلى قضية شبه مهمّشة بعد أن خطفت الحرب مع إيران الأولوية الإقليمية والدولية.

يُضاف إلى ذلك تصاعد سياسات التهويد في الضفة الغربية، سواء على مستوى الجغرافيا أو الديمغرافيا، في إطار مسعى متكامل لضمّها وفرض واقع «إسرائيل الكبرى». وهو مشروع يحمل في طياته قدرة كبيرة على تغذية التوتر والتطرف، وإعادة توظيف القضية الفلسطينية في صراعات الإقليم بأشكال متعددة.

ويبقى السؤال قائما: أي شرق أوسط سيتشكل عندما تنقشع غبار هذه الحروب وتُعاد صياغة موازين القوى في المنطقة؟

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  انتخابات إيران.. كيفية التجسير بين داخل مأزوم وخارج مشحون؟
ناصيف حتي

وزير خارجية لبنان الأسبق

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  هآرتس: حنفية الغاز إلى لبنان موجودة في إسرائيل!