عاد مفهوم “السلام من خلال القوة” إلى الواجهة مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليصبح عنواناً مركزياً لمقاربة المرحلة الراهنة في الشرق الأوسط، من الحرب على إيران إلى ملفات غزة وسورية ولبنان والعراق. غير أن هذا المفهوم، رغم جاذبيته السياسية، يطرح إشكاليات عميقة على المستويين النظري والتطبيقي، خصوصاً في بيئة إقليمية تتسم بتعقيد الهويات وتداخل الصراعات.
أولاً: السلام بالقوة كنظرية في العلاقات الدولية
يقوم مفهوم “السلام بالقوة” على فرضية أساسية مفادها أن امتلاك التفوق العسكري والقدرة على الإكراه يمكن أن يفرض الاستقرار ويمنع الصراع. وهو امتداد لمقاربات المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن القوة هي المحدد الأساسي لسلوك الدول.
لكن هذا التصور يفترض ضمناً أن الأطراف الأضعف ستقبل بالنتائج المفروضة عليها، وأن الردع كفيل بتحويل موازين القوة إلى حالة استقرار دائم. وهنا تكمن الثغرة الأساسية: إذ يتجاهل هذا النموذج دور العوامل غير المادية، وفي مقدمتها الإرادة الشعبية والهوية السياسية، في إنتاج الاستقرار أو تقويضه.
ثانياً: مأزق التطبيع القسري
التجارب التاريخية تقدم شواهد واضحة، أبرزها ما حدث بعد اتفاقية كامب ديفيد، حيث بقي السلام الرسمي منفصلاً عن المزاج الشعبي، وانتهى باغتيال أنور السادات، في دلالة عميقة على صعوبة فرض مسارات استراتيجية معاكسة لإرادة المجتمعات.
وفي السياقين السوري واللبناني، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدّة، إذ إن فئات واسعة من المجتمع لا تزال ترفض أي شكل من أشكال التطبيع، ما يجعل أي اتفاق مفروض بالقوة مجرد إطار شكلي يفتقر إلى قابلية الاستمرار.
ثالثاً: التباين الأميركي الإسرائيلي في تعريف “السلام”
برغم التقاطع الظاهري، تختلف مقاربة الولايات المتحدة عن مقاربة إسرائيل جذرياً. فواشنطن تسعى إلى “إدارة الاستقرار” بما يخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، بينما تركز إسرائيل على مفهوم أمني ضيق يقوم على تحييد التهديدات المباشرة، ولا سيما في ضوء السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تاريخ “طوفان الأقصى”.
هذا التباين ليس تفصيلاً، بل يعكس اختلافاً بنيوياً: فالولايات المتحدة قد ترى في التسويات السياسية مدخلاً للاستقرار، في حين تنظر إسرائيل إلى مسألة الأمن كغاية بحد ذاتها، حتى لو جاء ذلك على حساب أي مشروع سلام شامل ودائم.
وتظهر هذه المقاربة في تجارب سابقة، مثل اتفاق 17 أيار مع لبنان، الذي سقط سريعاً لأنه افتقر إلى التوازن الداخلي والقبول الشعبي، ولأنه ارتبط بترتيبات أمنية أكثر منه بمسار سلام حقيقي.
رابعاً: من الحسم إلى الاستنزاف
لم تعد الحروب في المنطقة تُدار بمنطق الحسم السريع، بل دخلت مرحلة “الحرب التراكمية”، حيث يُستخدم الزمن كأداة استراتيجية لإعادة تشكيل الوقائع تدريجياً.
في هذا السياق، تبرز سياسة “المهل” التي يعتمدها دونالد ترامب، ليس كدليل على التردد، بل كأداة لإدارة الصراع. فالمهلة لم تعد تهدف إلى وقف الحرب، بل إلى:
-إعادة توزيع القوة ميدانياً.
-اختبار سلوك الخصوم.
-تخفيف الضغط الدولي.
-تحقيق مكاسب تدريجية.
وهنا تتقاطع الاستراتيجيات المتناقضة:
-الولايات المتحدة تسعى لإدارة الصراع دون الانخراط الكامل فيه.
-إيران تعتمد على الصمود وإطالة أمد المواجهة.
-إسرائيل تستثمر الزمن لفرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة.
خامساً: لبنان كساحة زمنية للصراع
التقدم الإسرائيلي البطيء في الجنوب، إن حدث، لا يهدف بالضرورة إلى انتصار حاسم، بل إلى:
-استنزاف الخصم.
-اختبار التوازنات الدولية.
-فرض وقائع ميدانية قابلة للتثبيت لاحقاً.
وفي حال تعذر تحقيق إنجازات استراتيجية ضد إيران، قد يُستخدم لبنان كبديل لتعويض هذا العجز، سواء عبر فرض ترتيبات أمنية أو تحويله إلى منصة ضغط للتفاوض.
سادساً: حدود القوة
تكشف التجارب أن أي سلام يُفرض بالقوة يظل مؤقتاً وهشّاً، لأنه يقوم على الإكراه لا على التوافق. ومع زوال الضغط العسكري، تعود التناقضات إلى الظهور، وغالباً بشكل أكثر حدّة.
المفارقة الأساسية أن “السلام بالقوة” يحمل في داخله عناصر فشله:
-لأنه يتجاهل العامل الشعبي.
-لأنه يخلط بين الردع والاستقرار.
-لأنه يفترض قابلية دائمة للخضوع.
-لأنه يتناقض مع طبيعة الصراعات الهوياتية.
فلا سابقة تاريخية حقيقية لسلام دائم يُفرض بالقوة بين شعوب متنازعة، ما يجعل الجمع بين “السلام” و”القوة” أقرب إلى تناقض نظري منه إلى معادلة قابلة للتطبيق.
خاتمة: وهم القوة وحدود الواقع
في المحصلة، لا يبدو “السلام بالقوة” استراتيجية قادرة على إنتاج استقرار مستدام في الشرق الأوسط، بل هو أقرب إلى أداة لإدارة الصراع وإعادة تشكيله. وبينما تسعى القوى الكبرى إلى توظيف الزمن والقوة معاً، يبقى العامل الحاسم خارج سيطرتها: إرادة الشعوب.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان يمكن فرض السلام بالقوة، بل إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن يؤجل الانفجار دون أن يمنعه.
وفي حالة لبنان تحديداً، التحدي لم يعد فقط في وقف الحرب، بل في منع تحويله إلى ساحة دائمة لتصفية حسابات الآخرين، أو إلى نتيجة مؤجلة لصراعات لم تُحسم في أماكن أخرى.
